لكلِّ ممارسة عنصريّة وإرهابية أسسها الأيديولوجيّة الّتي تبنى عليها، بقصد تبريرها وإضفاء المشروعيّة السّياسيّة عليها، في حقل الممارسة العملية والتاريخية.
والعنصريّة الصّهيونيّة من أشدّ الأشكال العنصريّة غلوّاً في التّاريخ الإنساني المعاصر، ذلك أنّها تنفرد بجملةٍ من المفاهيـم العنصـريّة لم تنفرد بها أيّ أيديولوجية عنصرية أو نظام عنصري سواء في: أفريقيا أو أمريكا أو في أي مكان آخـر من العالم، فالفـارق بين العنصـريّة الصّهيونيّة الإرهابية وغيرها من العنصريّات، هو فارق بالنّوع والدّرجة، والدّليل على ذلك حقد الصّهاينة الغاصبين على الإنسان والطّبيعة بآن معـاً، فالإنسان غير اليهودي وبخاصّة العربي، عرضة للاضطّهاد الصّهيوني، وما جرى لشعبنا العربي الفلسطيني في فلسطين ولبنان، وما يجري في قطاع غزة ومدن ومخيمات الضفة الغربية المحتلة هذه الأيّام، من حرب تدمير وإبادة وتطهير عرقي غير مسبوق، يؤكد صدقية القول بمدى بشاعة الإرهاب العنصري الصهيوني المستمد من أيديولوجية توراتية إرهابية زائفة، فقتل الأطفال والنّساء والرّجال والكهول وأسر بأكملها، وإزالة أحياء سكنية في قطاع غزة على بكرة أبيها، بأبشع صور القتل والتّدمير والإجرام على مرأى ومسمع العالم كله، كمثيلاتها من المجازر والجرائم الصهيونية الّتي ارتُكبت على أيدي عصابات الإجرام الهاغانا والشتيرن وغيرهما، في الطّنطورة وكفـر قاسم ودير ياسين وقبيـة وصبرا وشاتيلا وقانا والخليـل وجنين ونابلس ورفح وغزّة وغيرها من المدن والمخيمات والأحياء السكنية الفلسطينية، وتعذيب المعتقلين والأسرى في السّجون (الإسرائيليّة) في نفحة وعسقلان والرّملة والخيام وغيرها، وقتل الأسرى المصريين بالإضافة إلى مشاهد القتل اليومي والمنظّم بحق السّكان المدنيين في فلسطين والحيلولـة دون وصـول مئات الآلاف من الطلبة إلى مدارسهم وجامعاتهم المدمرة بقوّة السّلاح، وتهجير زهاء مليونين من أبناء شعبنا عن منازلهم في غزة_كلّ ذلك_شهادات واضحة عن طبيعة العنصريّة الصّهيونيّة الإرهابية الإجراميّة .
أبرز سمات الممارسات العنصريّة الصّهيونيّة بحقّ الطبيعة ومظاهرها :
- هدم المنازل فوق رؤوس أصحابها، تدمير المنشآت الاقتصاديّة والمدنيّة.
- قطع الأشجار وتجريـف الحقول والمزارع.
- تلويث المياه الصّالحة للشّرب والتّربة الزّراعيّة وسرقة التّراب والميـاه العربية من جنوب لبنان والجولان وفلسطين المحتلة لمصلحة قطعان المستوطنين الصهاينة، بالإضافة إلى ردم آبار ميـاه الشّرب في المخيّمات والقرى والأرياف، بواسطـة الطّائرات الحربيّة والجرّافات الثقيلة، وعبر إلقاء مئات آلاف القنابل والصّواريخ الثّقيلة.
- إزالة المرافق والبنى التحتيّة وغير ذلك.
إزاء ذلك يطرح السًؤال الآتي:
ما هي الأسس الأيديولوجيّة الّتي ترتكز عليها العنصريّة الصّهيونيّة ؟
ثمّة أسس مستمدّة – في جانب كبير منها – من النّصوص التّوراتيّة والتّلموديّة الواردة في العهد القديم، والتّلمود الّذي يؤمن به اليهـود حصراً، والّتي تصوّر اليهـود بأنّهم العرق النّقي والمختار الّذي اصطفاه الله ليكون شعباّ مقدّساً له من دون شعوب الأرض الّتي قَدَّر عليها اللعنة والهلاك وجعلها في صورة بشر لتكون قادرةً على خدمة هذه الفئة المقدّسة من البشر .
ولعلّ الكنعانيين أصحاب الأرض الحقيقيين لفلسطين وما حولها هم من ينبغي القضاء عليهم واستباحة دمائهم وممتلكاتهم من قِبَل هؤلاء القوم الضّالين حسب اعتقادهم . فوصيّة إله إسرائيل ليشوع بن نون خادم موسى : " كلّ مكان تطأه أخامص أرجلكم لكم أعطيته كما قلت لموسى من البريّة ولبنـان هذا إلى النّهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثّيين وإلى البحـر الكبير الّذي في جهة مغارب الشّمس تكون تخومكم " [يشوع 1: 3،4 ] .
فهذا القول يشكّل غطاءً عقديا نَسَبَهُ اليهود إلى اللّه زوراً وبهتانا لتبرير اغتصابهم للأرض العربيّة بعامة وفلسطين على وجه الخصوص. وكما هو معلوم يستحيل استيلاء قوم على أرض قوم دون عنف وسفك دماء، الأمـر الّذي يتطلّب مباركة إلهيّة لأعمال القتل والتّدمير الّتي يقوم بها الغزاة المحتلّون بحق أصحاب الأرض الشّرعيّين : " وفَتحَ يشوع في ذلك اليوم مَقِيّدة وضرَبها بحدِّ السّيف وأبسل مَلِكها وكلّ الأنفس الّتي فيها لم يُبق باقيا" [ يشوع 10: 28 ]" ثمَّ اجتاز يشوع وجميع إسرائيل إلى لبنة وحاربها.. فضربوها بحدّ السّيف وقتلوا كلَّ نفسٍ فيها لم يُبقوا فيها باقياً "[يشوع 10: 29، 30 ] وكذلك فعلوا بـ ( لاكيش) و( عجلون) و( حبرون) و ( بير ) وبـ (جميع أرض الجبل والجنوب والسّهل والسّفوح) [ يشوع 10: 31حتى 41] .
وأمّا الاستيطان والاستيلاء على الأراضي العربيّة وما فيها فحجّته أنّ الله جوَّزها مِلْكاً لبني إسرائيل حسب قوله :" أعطيتكم أرضاً لم تتعبـوا فيها ومدناً لم تبنوهـا فأقمتم بها وكروماً وزيتوناً لم تغرسوها وأنتم تأكلونها " [ يشوع 24: 13] وتستمرّ أفعال القتل والحرق والتّدمير على يد مجموعة من القضاة اليهود يظهر فيها الإرهاب العنصري بحـق أهل الأرض الحقيقيين من الفلسطينيين: " وحاربَ بنو يهوذا أورشليم فأخذوها وضربوها بحدّ السّيـف وأحرقوا المدينة بالنّار " [ قضاة 1: 8].
والأمثلة والشّواهد كثيرة على العنصريّة الصّهيونيّة الّتي أصّل لها الصّهاينة اليهود لتبرير ممارساتهم اللاّإنسانيّة بحق الشّعب العربي الفلسطيني منذ زمن بعيد، الأمر الّذي يستدعي إعادة النّظر في جملة النّصوص التّوراتيّة الدّخيلة على الكتاب السّماوي الّذي أنزله الله على نبيّه موسى ، ذلك الكتاب الّذي تشكّل الوصايا العشر حامله الأساسي والّتي تتناقـض وتتعـارض وتفترق بأكملها مع النّصوص الدّخيلة على التّوراة ، تلك النّصوص الّتي وضعها كهنـة اليهود وأحبارهم لتبرير بشاعة سلوكهم وفظاظة طباعهم وأخلاقهـم . والسّؤال : ما السّبيل لانتفاء العنصريّة الصّهيونيّة عن اليهود ؟ لعلَّ إعادة صياغة معتقداتهم الزّائفة بما ينسجم والقيم الأخلاقيّة والرّوحيّة والإنسانيّة السّامية، بحيث تصبح نظرة اليهوديّ إلى نفسه على أنّه إنسان كغيره من البشر، وبأنّهُ يكتسب أهميّته بمدى قربه من قيم الخير والجمال وليس بالنّظر إلى نفسه على أنّه إنسانٌ من طبيعة عرقية استثنائيّةٍ مفترضة من قبل إلـه عنصري شرّير، مهمّته القتل و الإبادة للأقـوام غير اليهوديّة وتحويلها إلى خدمٍ وعبيد لدى من أطلقوا على أنفسهم شعب الله المختار زورا، يُشكّل السّبيل الأمثل للتّخلّص من العنصريّة الصّهيونيّة ، والشّروع في صياغةِ صورةٍ إنسانيّة للإنسان اليهوديّ بوصفهِ إنساناً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة .
أجل أجل أجل تتجلى ماهية الفكر الإرهابي الصهيوني اليوم بأجلى وأبشع صورها أكثر ما تتجلى، على مرأى ومسمع العالم بأسره، على نحو غير مسبوق تاريخيا أيقظ الضمير الإنساني للشعوب الحرة على كوكب الأرض، وأماط اللثام عن حقيقة العقيدة الإرهابية للكيان الصهيوني، التي تجسدها جرائم الإبادة والتطهير العرقي والتدمير الشامل بالطائرات والمدافع (الإسرائيلية) الجارية على ارض غزة والضفة الغربية في فلسطين المحتلة.
إن عقيدة الإرهاب الصهيونية تعلن عن نفسها بشكل مفضوح يتعذر على وسائل الإعلام المضللة التي مارستها دوائر السياسة والإعلام (الإسرائيلية ) طيلة العقود الماضية على مدار احتلالها لفلسطين، عبر ممارستها النازية العنصرية والفاشية عبر شعار: أنا أقتل وأدمر وأهجر إذا أنا موجود، في مواجهة أصحاب الأرض الشرعيين الفلسطينيين الذين يتبنون شعار المقاومة : أنا أقاوم الاحتلال الصهيوني وأنتصر عليه إذا أنا موجود.
مفارقات الذهنية والسلوك ما بين الإرهاب الصهيوني، والمقاومة الفلسطينية
ثمة مفارقات جوهرية تضع كلا من الذهنية والسلوك الإرهابي الصهيوني، والذهنية والسلوك الفلسطيني المقاوم، على طرفي نقيض، أبرزها:
- تركيز الجهد المسلح لرجال المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام في معركة طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر الماضي ، على جنود وضباط المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية في مستوطنات غلاف غزة، وأسر مئات الجنود والضباط والمستوطنين، والتعامل معهم وفق الأخلاق الإسلامية، وأخلاق الحرب المنصوص عليها في الدساتير الدولية للأمم المتحدة، فكان الأسر (لأجل التبادل) الهدف الرئيس من عملية طوفان الأقصى وليس قتل الجنود والضباط إلا في حالة المواجهة العسكرية.
- ضمان أمن وسلامة الأسرى الصهاينة عسكريين ومدنيين، وحسن معاملتهم وفقا للقيم والأخلاق الدينية والإنسانية الأصيلة، دون امتهان للكرامة الشخصية لأي منهم بما في ذلك، الكلب الذي كان برفقة مستوطنة طيلة مدة الأسر، يأكلون ويشربون ويقدم لمرضاهم الدواء والعلاج والرعاية الصحية التامة، وتأمين المنامة الكريمة لهم، فالاحترام وعدم التمييز ما بينهم وبين الآسرين لهم من رجال المقاومة الفلسطينية، سواء في المأكل والملبس والمشرب والدواء والعلاج وحسن المعاملة، كان ولا يزال السمة الفارقة في التعامل معهم، فلا اعتبار يذكر في المعاملة معهم على أساس الدين والعرق وبالرغم من كونهم أعداء يحتلون الأرض الفلسطينية، وجيش كيانهم المحتل يقوم بالتدمير الشامل وجرائم الحرب والإبادة الصهيونية بحق أهل غزة والمربعات السكنية الآمنة والمباني والبنى التحية من فوق الأرض، لم يفقد المقامون الآسرون قدرتهم على التحكم في أعصابهم حيال التعامل مع هؤلاء الأسرى.
- جميع المقابلات الإعلامية والصحفية مع الأسرى المحررين الذين جرى تبادلهم مع الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات النازية الصهيونية، أكدوا بالصوت والصورة الحية على حسن معاملة رجال القسام وسرايا القدس وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى وعموم عناصر فصائل المقاومة الفلسطينية معهم.
- تغير قناعات جميع الأسرى المفرج عنهم من غزة، حيال الرواية الصهيونية الزائفة بوجود حق لليهود في فلسطين وفاقا للآيديولوجية الصهيونية ذاتها، فقد دخلوا الأسرى أعداء مضللين بأفكار خاطئة عن فلسطين وأصحابها الشرعيين، وخرجوا أصدقاء متعاطفين مع آسريهم من رجال المقاومة الفلسطينية.
في مقابل كل ما ذكرناه آنفا، فإن الممارسات الفاشية والنازية للكيان الصهيوني ومؤسستيه العسكرية والأمنية تقف على طرف النقيض تماما، فجرائم الحرب والعدوان الجارية في قطاع غزة، والضفة الغربية المحتلة، حيث إلقاء مئات آلاف الأطنان من أسلحة الدمار الشامل من الطائرات والمدافع على المدن والأحياء السكنية على رؤوس النساء والأطفال والكبار والصغار، والمشافي ورياض الأطفال والمدارس والجامعات والأسواق، والأراضي الزراعية وآبار المياه وشبكات الكهرباء والاتصالات، وجميع المرافق والبنى التحتية في عموم قطاع غزة، وامتهان كرامة المحتجزين المدنيين لدى قوات العدوان الصهيونية من ابناء غزة، وسرقة أعضائهم البشرية وقتل وجرح زهاء تسعين ألفا من أبناء شعبنا المقاوم في غزة والضفة الغربية المحتلة، فضلا عن سوء معاملة أسرى شعبنا الفلسطيني في السجون والمعتقلات الصهيونية، وحرمانهم من الطعام والشراب والدواء وسوء المعاملة. كل ذلك يشكل مفارقات نوعية بين طرفي الصراع، الفلسطينيين والمحتلين الصهاينة.
إن حجم التعاطف الدولي مع نضال شعبنا الفلسطيني وقضيتنا العادلة، باتجاه تفكيك وإنهاء الكيان الصهيوني الفاشي عن عموم فلسطين، وتصويب الأفكار الخاطئة عما يسمى بدولة (إسرائيل) - التي مارستها الحكومات الغربية، والإعلام الراعي المتعاطف معها، منذ احتلالها لفلسطين، بمزاعم تضليلية زائفة - والتظاهر الجماهيري بقوة في جميع دول العالم، والدعوة إلى محاسبة المجرمين الصهاينة في المحاكم الدولية وإنهاء الاحتلال لفلسطين، جاء كمحصلة لإماطة اللثام عن الجوهر الفاشي والطبيعة العنصرية النازية للكيان الصهيوني وآيديولوجيته الإرهابية التي يعتنقها في ارتكاب جرائم الإبادة الجارية في غزة وعموم فلسطين المحتلة، وكثمرة للتعاطف مع مظلومية شعبنا الفلسطيني وقيمنا الإنسانية النبيلة، كشعب مناضل يتوق للحرية رافض للظلم والعنصرية والإرهاب الصهيوني بأشكاله كافة.

