"كتب سامي سماحة"
قرعت فلسطين أجراس العودة ، ركب أبناؤها جياد المعركة ،نزلوا الى الميدان . رابطوا على الثغور ، حلقوا في السماء كالنسور وهبطوا على الأرض كأنهم عاصفة من الريح والمطر ، هاجموا من البحر كالموج الهادر ، ومن البر كأسود تطارد الفرائس .
كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ قرروا أن تكون لهم الحياة بعز وكرامة، وأن تكون لهم الأرض والبرتقال والليمون وزيتون فلسطين والبحر والسماء، أن يكون لهم الأقصى وكنيسة القيامة وشوارع القدس القديمة وسور أريحا العظيم والبيارات ومرج بن عامر وفلسطين من البحر الى النهر .
لصباح السابع من تشرين الثاني نكهة بطعم نبوخذ نصر، بمعركة حطّين، بيوسف العظمة في ميسلون وعبور طارق بن زياد المضيق والوصول الى الضفة الثانية حاملا معه روح بلادنا بكل ما فيها من علم وفلسفة وأدب وقيم أخلافية جديدة .
نحن نستحضر التاريخ لا لنستعيده بل لنستمد من مواهبه وأحداثه روحنا المميزة ونبني عليها قوتنا التي هي القول الفصل في إثبات حقنا .
إذا كان لكل قرن حدث يبقى آلاف السنين فإن طوفان الأقصى حدث القرن الواحد والعشرين الذي سيؤرخ لمعركة بين روحين، روح هذه الأمة مُطلِقة السفن المُحمَّلة بكنوز الفكر الى الدنيا والروح المتربية على صناعة الجريمة والتي أتت الى بلادنا من مشارق الأرض ومغاربها، ولن يتفوق على طوفان الأقصى سوى معركة الفصل بيننا وبين الصهاينة اليهود التي سيكون لنا فيها الكلمة الأخيرة .
لطوفان الأقصى نكهة البرق بتعدد ألوانه الذي لم تشهده بلادنا منذ قرون كثيرة ،وهزيم الرعد المُساوي لزلزال العصر . طوفان الأقصى ليس معركة عادية بين جيشين ، ولا حدثا مهما في كيان اجتمع العالم على طرد سكانه من أرضه ،واستجلب رعاع القوم من بقاع الدنيا ليحملوا صفة مستوطنين فيه . إن طوفان الأقصى حرب ،على نتائجها تُرسم خريطة العالم الجديد ،إنها حرب بين إرادة الحياة وآلة الحرب بطرفيها ، الأنسان المتوحش وأدوات الموت المستعملة لإبادة الشعوب .
إن الحرب في فلسطين ليست حرب الحق مع الباطل فقط ، ولم تعد حرب تحرير قومية فقط ، ولم تعد حرب العودة الى فلسطين ، لقد أصبحت حربنا في فلسطين بالإضافة الى أنها حرب من أجل قضية الأمة والوطن، حرب القيم الإنسانية ، والقيم الأخلاقية مع قوى الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وبعض العرب الذين سقطوا من عالم الإنسانية واستسهلوا إبادة الشعوب من أجل تحقيق مصالحهم المادية والنفسية التي هي أقرب الى عالم الذئاب من عالم البشر .
لقد حاول أعداء المقاومة ومعهم دولة العدو فبركة الأخبار التي تقلل من أهمية طوفان الأقصى فاعتبر بعضهم أن العدو كان يعرف بموعد العملية ، وأنه سهل للمقاومة تنفيذها ، و قام بعمليات القتل وتهديم المنازل ، ليُبرر رده المتوحش على العملية ، ونسي هؤلاء، أن الفبركات التي فبركتها دولة العدو والتي زعمت فيها ان المقاومة قتلت الأطفال ،وركّبت الصور للكذبة كي تخدم الغاية من فبركتها، فشلت جميعها ، وسرعان ما انكشفت للرأي العام المحلي والإقليمي والدولي .
مخرز فلسطين أطفأ عيون العدو فراح يضرب خبط عشواء ، لا يهمه إن أصاب أو لم يصب، غايته أن يرى الأبنية على الأرض كبساط منزلي متعدد الألوان ، أن يرى الدم يسيل في الشوارع ، أن يرى الأجساد تُغطي الطرقات ، فهو يتقمص نيرون ويهدم غزة ويراها من فوق من ضهر الدبابة أو من داخل طائرة الفانتوم .
لم يكن يدري هذا المسنود من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض العرب ، أن حبة القمح في الحقل تزن قنطار حين يريدها اللص ، وأن من ينتمي الى الأرض لا تغلبه أسلحة العالم .
لم يكن يدري أن هدوء غزة سيكون طوفان الأقصى ، فهو لم يسمع بالمثل الشعبي الذي يردده شعبنا في كل مناسبة : مر على النهر الغدّار ولا تمر على النهر السكران ، ولأنه غبي لم يتعلم من مقاومة جنين ونابلس وطولكرم والقدس ، ولم يفهم معانيها ولا أسرارها لذلك وقع في فخ طوفان الأقصى .
لطوفان الأقصى مميزات متعددة كثيرة نذكر منها :
أولا – لأول مرة يشهد العدو هجوما من داخل الأرض المحتلة لا يحمل مفهوم الانتفاضة ولا الذئاب الشاردة ولا مفهوم العملية العسكرية المحدودة في الزمان والمكان . لقد شهد العدو هجوما من جيش فلسطيني يُجيد حرب الجيوش وحرب العصابات على جيشه ودولته، وتحرير غلاف غزة من الاحتلال لساعات ، وهذا تطور في مفهوم القتال عند شعبنا أوصل رسالة تقول إن الاحتلال الى زوال ،فقد انتقل الشعب من الجيش المقاوم عبر فنون حرب العصابات الى الجيش المهاجم من داخل الأرض المحتلة ،من غزة المحاصرة من الجهات الأربع .
ثانيا – لم تعتد دولة العدو على خوض حرب في فلسطين لا تقررها هي، وخاصة في قطاع غزة هذا القطاع العاصي على الاحتلال ،الذي أربك العدو وحلفاءه في العالم والمنطقة ، ولم تعتد على حرب مباغتة ، فهي منذ حرب النكبة تقرر زمن الحرب أو تعرف زمن الهجوم ، حتى حرب تشرين عام 1973 وصلها خبرها قبل اندلاعها ، وهذا ما أرعبها وأشعرها أنها لم تعد تملك مفاتيح الحل والربط في المنطقة ، وزاد في رعبها استذكارها لحرب تموز التي أجبرتها النخ أمام قامة المقاومة .
ثالثا – أزعجها كيف فاتها أن غزة أصبحت قلعة غير قابلة للهدم ، وأن المقاومة أصبحت تملك جهازا أمنيا تفوّق على أجهزتها .
رابعا – استشعرت دولة العدو إمكانية فقدانها وظيفتها في المنطقة بعد طوفان الأقصى فاستفحلت في ارتكاب المجازر على أمل تحقيق النصر الذي يعيد لها الأمان ويطمئنها على استمرار لعبها دور الشرطي في المنطقة التي تؤمن لها الاستمرار بعد أن فشلت في تحقيق مشروع دولتها من النيل الى الفرات .
خامسا – لأول مرة تطرح دولة العدو ،ماذا لليوم التالي ، وهذا دلالة على أنها لم تعد تمسك بزمام الأمور، وأن أمر اليوم التالي لم يعد في عُهدتها ،ولم يعد واضحا لها ، وهذا ما أحدث ارتباكا في صفوف قياداتها .
سادسا – أحرجت هذه المعركة دولة العدو وأربكتها ، فقوة الهجوم الذي لم تكن تتوقعه أجبرها على اختيار عناوين غير قادرة على تحقيقها ، لكنها تُلبي رغبات تريد تحقيها وتعيد للمستوطنين شعور الأمان في المستوطنات، ولقوة الضربة التي جعلتها تفقد السيطرة على بوصلة الأهداف عجزت عن تفسير هدنة الأيام التي تم فيها تبادل للأسرى ، فهذه الهدنة أثبتت عجزها عن تحقيق غايتها في تحرير المستوطنين بالحرب ، وبالتالي كيف يمكن لها أن تقضي على المقاومة ، وجعلتها أيضا تُطلق لازمة القضاء على المقاومة التي سوّقت لها بين أصدقائها العرب وبموافقة أمريكية أوروبية ، وما زالت تتوجع من تأثيرها ،ونكبتها آتية لا محال لأنها مضطرة أن تدخل في هدنة طويلة تريدها المقاومة ، أما نكستها فهي في خروجها من غزة بخفي حنين .
سابعا – نحن لا نراهن على تغيير مزاج الشعوب في أمريكا وأوروبا ، لأننا نعلم أن مشاعر اللحظة لا يمكن أن تكون جزءا من خزّان الذاكرة إلا أذا استمرت عملية الضخ الإعلامي المُحتاج الى ميزانية كبيرة ،ومصير الميزانية بيد عرب التطبيع ومعاهدات الخيانة مع العدو .
ولكن ما يحدث من تضامن مع القضية الفلسطينية وإدانة لدولة العدو والولايات المتحدة الأميركية أخافا دولة العدو لأنه سيكون له تأثيره على علاقاتها مع الشعوب التي قد تنتقل الى الدول فيما بعد ، ويصبح الخطر أكبر اذا استمرت المعركة وانتقل التضامن من مسيرات في الشوارع الى اعتصامات أمام سفارات العدو والولايات المتحدة الأميركية .
ثامنا -تأكدت دولة العدو أنها أوهن من بيت العنكبوت ، واستمرار احتلالها لأرضنا ليس لأنها دولة قوية ، فما يحدث اليوم في فلسطين ومشاركو المقاومة ضمن الحفاظ على قواعد الاشتباك وما تتعرض له القواعد العسكرية الأميركية في العراق والشام والسيطرة التامة لليمن على البحر الأحمر ، لم يكن سوى بحصة إذا ما تقرر ان تخرق المقاومة في لبنان قواعد الاشتباك وأن تصعد المقاومة في العراق والشام من العمليات العسكرية وتحولها من هجمات صاروخية الى عمليات استشهادية ، فإن انهيار دولة العدو يصبح قاب قوسين، ويصبح الخروج الأميركي من المنطقة قريب المنال .
تاسعا – لن يكون قبل الطوفان مثل بعد ه ، لأنه حصل الفرز بين القوى الحقيقية الداعمة للقضية الفلسطينية وتلك التي تساند على منصات الكلام وترسل الى العدو جميع احتياجاته على منصات المساعدات العسكرية والغذائية وغيرهما ،وفي طليعة هؤلاء الدولة التركية التي أشبعتنا تضامنا وأشبعت العدو مساعدات وبعض الدول العربية التي تخلت عن سيادتها ،ولم تنل جائزة واحدة تحل مشكلة صغيرة من مشاكلها .
عاشرا – أعاد طوفان الأقصى القضية الفلسطينية الى دائرة اهتمام شباب وشابات البلاد وأيقظ بهم الشعور الوطني والقومي الذي كان خبا لفترة من الزمن ،وهذا مؤشر عافية يؤكد أننا مهما تعرضنا لغزوات ثقافية دينية طائفية ، وغزوات غربية غايتها القضاء على هويتنا القومية والوطنية ، يبقى الوطن في عمق عقولنا وقلوبنا ، وتبقى أحداث الأمة مخزونا مهما من مخازن ذاكرتنا ، وأن ذاكرتنا تطرد كل عوامل التفرقة والتجزئة حين يكون الأمر يتعلق بمصيرنا .
سيتكلل نصرنا الذي دفعنا ثمنه جبلا من الدمار وعشرات الألاف من الشهداء والجرحى ونزوح ما يقارب المليوني مواطن بـ :
أولا -عودة النازحين الى قراهم ومنازلهم مباشرة بعد وقف النار كما حصل في حرب تموز في لبنان ، لأن هذه العودة رغم صعوبتها هي استكمال للنصر ،وهي تأكيد على أن قضيتنا هي قضية أرض ووطن وأمة .
ثانيا - إجبار العدو والدول التي ساندته وساعدته في المعركة دفع ثمن إعادة إعمار غزة بقرارات تصدر من دول ومؤسسات دولية ، وبإشراف وإدارة مؤسسات قومية ووطنية فلسطينية والدول التي وقفت معها في الحرب
ثالثا - انشاء مؤسسات ومراكز دراسات وأبحاث تستكمل ما أنتجته الحرب من رأي عام متضامن معنا ويُدين دولة العدو ، ويكون هذا الاستكمال بإنشاء خطة إعلامية جوهرها إطلاع المواطن في كل إنحاء العالم على طبيعة الفكر المتوحش والجامد والذي يعتمد على أحداث غير موجودة في التاريخ ويبني على أساسها خططه الاجرامية . وضخ ما يلزم من فضائحهم الواردة في كتاب التوراة والتلمود .
رابعا - إنشاء مؤسسة إعلامية غايتها توثيق جرائم العدو منذ ما قبل حرب النكبة حتى طوفان الأقصى ونشر تفاصيلها ونتائجها بكل اللغات في أنحاء العالم ، حتى يظهر للعالم أن الهولوكوست التي نفذها هتلر بهم ، لا تساوي واحدا من مئة ما فعلته دولتهم المؤقتة في شعبنا وإذا كانت هذه الهولوكوست أنتجت الشعور بالذنب عند الأوروبيين مما دفعهم للتضامن معهم في حربهم المتوحشة علينا ، فإنه يجب أن تُنتج مجازرهم تضامنا مع شعبنا يؤدي الى إزالة الاحتلال وعودة أصحاب الأرض الى أرضهم .
خامسا - الشروع في إنشاء مجلس قيادة سياسي عسكري من المقاومة في فلسطين ولبنان والشام والعراق يكون قوة ذا قيمة كبيرة داخل محور المقاومة والممانعة ،لأن فلسطين والمنطقة هما مجال عمل المحور وبوابة دخوله الى القضايا الإقليمية والدولية ،ويكون بوابة الدخول أيضا الى النهوض الإقتصادي الذي يؤمن إنتاجا يضمن الاستقلالية في حركة دول مجلس القيادة .
يضع المجلس خطة بمراحل لمواجهة الأخطار التي تحدق في جميع كيانات البلاد واعتبار المعركة واحدة في تحرير فلسطين وتحرير المناطق التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية والدولة التركية التي كان لها الدور الأكبر في الحرب على الشام ودعم دولة العدو في هجومها على غزة بعد طوفان الأقصى وكل شبر من الأرض محتل .
ويكون من مهام هذا المجلس إنشاء مجتمع الحرب في الكيانات التي يمثلها هذا المجلس ، على غرار ما يحصل في غزة وفلسطين، لأن بذلك تتأكد وحدة المصير وبالتالي وحدة المعركة ، ويساهم في تحويل التنوع المُميز للبلاد من التناقض الى التفاعل المنتج إبداعا في كل مجالات الحياة . مجتمع الحرب خيار ضروري ولا يخضع لقياس المفاضلة ، لأنه درب من الدروب التي تأخذنا الى الوحدة .
أيضا يجب أن يكون من مهام هذا المجلس توثيق معركة طوفان الأقصى ، وحفظها وفرزها والبناء عليها في إطلاق مشروع لكتابة القصة والرواية والشعر تظهر بصفحاتهم الجرائم التي ارتكبها العدو من المجزرة الى قصص الأطفال الشهداء والأطفال الذين فقدوا الأهل والأقارب والأصحاب ،إلى استهداف المؤسسات الصحية والمدارس والأماكن الأثرية ، الى استهداف الإعلاميين وتصنيف هذا الإنتاج الثقافي على قاعدة المصلحة الوطنية والقومية ، وتحديد ما يجب ان يكتب لشعبنا وما يجب أن يكتب للخارج وما يجب ان يكتب للإثنين .
سادسا - علينا أن نحافظ على ما استيقظ في الذاكرة من أحداث تؤكد على وحدة المصالح والمصير والغاية ،والمبادرة الى انشاء المؤسسات الوطنية والقومية التي تضمن وحدة الشعب وتزيل الاختلافات بين مكوناته الدينية والإثنية، وتُصحح اتجاه البوصلة ، و تؤكد على المخرج الثقافي والسياسي لهذا النزاع الطائفي والإثني الذي نعيشه على امتداد البلاد ،والذي أخطر ما فيه أنه يُعطِّل الانتماء الى الوطن لصالح الانتماءات الطائفية والإثنية التي تشتت قوتنا وتمزق بلادنا .
كان لنا اليوم طوفان الأقصى وغدا سيكون لنا طوفان القدس والناصرة وكل فلسطين من البحر الى النهر، وبعد غد سيكون لنا طوفان البلاد من النيل الى الفرات .
لم تصرخ فلسطين واعرباه ،لأنها تعلم أن حكام العرب ملوك برتبة حاخامات ، وتعلم أيضا أن صُراخها لن يجلب نجدة من العرب تهاجم العدو وتفرض عليه وقف مجازر الإبادة في غزة وفكّ الطوق عن المسجد الأقصى الذي يساوي بالنسبة لهم مكانة الكعبة المشرفة .
لم تصرخ فلسطين واعرباه لأنها تعرف أنه لا يوجد بين جموع الملوك والأمراء معتصم يلبي النداء ويحرر غزة ويدخل القدس ويحرر المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمقدسيين من سلطة الاحتلال .

