Menu

جبهة الإعلام والصورة.. فعل ومقاومة في طوفان الأقصى

غازي انعيم

"كتب غازي انعيم"

يعتبر توظيف الصورة الثابتة والمشهد المتحرك أحد فنون إدارة المعارك، حيث يستطيع أطراف الحرب سواء المباشرون أو غير المباشرين استخدام الصورة أو المشهد من خلال توظيف التقنيات الحديثة التي لم تكن موجودة في السابق مثل الإنترنت وشبكات التواصل والمنصات الاجتماعية المختلفة والهواتف النقالة وقد استفاد جمهور المقاومة وكذلك أحرار العالم من كل تلك التقنيات.. 

واستخدموا ما كان يبث وينشر من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، كما استخدموا الصورة إلى جانب الملصقات واللافتات القماشية التي رفعوها في المسيرات التضامنية المؤيدة ل فلسطين والمنددة بالحرب الفاشية على غزة ومن يقودها. وقد ساهمت الصور والمشاهد التي كانت تبثها المقاومة وما ينقله مراسلو الصحافة والمحطات الفضائية في التحكم بسلوك وعواطف المتلقي التي كانت تبرر سلوكه ونوازعه.

وهنا لا بد من الإشادة بالدور الذي قامت به الصحافة التي ساهمت في نقل وبث الصور الثابتة والمتحركة من خلال عشرات الصحفيين الذين كانوا يحملون الكاميرات والميكروفونات لتغطية حرب الإبادة على غزة التي شارك فيها إلى جانب العدو الصهيوني الفاشي ( أمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، والمانيا ، وايطاليا .. ). وشوهد الصحفيون عبر الفضائيات وهم  يقفون وصدورهم مغطاة بواق للرصاص، وعلى رؤوسهم خوذ كتب عليها صحافة ( T V و PRESS )، حيث كانت تتحرك كاميراتهم براً وبحراً وجواً لنقل الحقيقة كما هي وبلا تجميل إلى العالم الحر الذي وقف بعض قادته متفرجين على مشاهد الموت والبعض الآخر شاركوا في حرب الإبادة التي يشنها العدو الصهيوني الفاشي على غزة حيث لم يسلم منه لا البشر ولا الحجر ولا الشجر.. حتى أن الصحفيين تولوا قراءة عدد الجرحى والشهداء الذين كانوا يصلون إلى المستشفيات التي أخرجها العدو عن أداء خدمتها. ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل قام بتدميرها ومنع دخول الأدوية إليها وفرض الحصار عليها وقام باعتقال المرضى والأطباء ثم جردهم من ملابسهم ضارباً بعرض الحائط مناشدات المؤسسات الدولية الإنسانية والتي تم تدمير مقراتها في غزة.

كان المصورون والمراسلون يرصدون بكاميراتهم صواريخ الطائرات وقذائف الدبابات والبوارج الحربية الصهيونية، وهي تتساقط على رؤوس الأبرياء مخلفة الدمار والحرائق.. كما كانوا يهرعون بكاميراتهم مع سيارات الإسعاف لتوثيق الحدث وما خلفته تلك الضربات من شهداء وجرحى ودمار.. حيث كانت سيارات الإسعاف تجد صعوبة في الوصول إلى المواقع المستهدفة بسبب تجريف الشوارع ووجود الدبابات والقناصة والطائرات المسيرة التي كانت تستهدف سيارات الإسعاف والصحفيين وكل من يتحرك على الأرض.

حتى أن الصحفيون أصبحوا خبراء في دلالات الدخان الذي كان ينتج عن الضربات، فمثلاً: كان يعني الدخان الأبيض المتصاعد، أن هنالك منزلاً أو منشأة قد أصيبت بدمار؛ أو أن العدو يقوم بإخلاء جرحاه أو يغطي على انسحاب قواته التي وقعت في كمائن المقاومة، أما سحابة الدخان الأسود الذي تعلو السماء من فوق المنازل فهذا يعني انفجار صهاريج أو تدمير محطات وقود.. أو سيارات.. إنها الحرب، الحرب كما يشاهدها رواد السينما: أعمدة من الدخان تتصاعد نحو السماء دون رائحة ودون ألم.

استهداف الصحافة.. حجب عين الحقيقة

وفي السياق الإعلامي كان من ضمن سياسة العدو التطهيرية أيضاً استهداف الإعلاميين والصحفيين بصفتهم يمثلون عين الحقيقة، حيث عملت الصورة بفعل الصمود والمقاومة على إعادة القضية الفلسطينية بقوة إلى الواجهة.. وكان العدو لا يريد نقل هذه الحقيقة التي ساهمت في تشويه صورته العدوانية الفاشية أمام شعوب العالم سيما أن الصورة التي كانت تسوَّق عن هذا العدو قبل 7 أكتوبر أنها ( تمثل الديمقراطية ) في المنطقة، لذلك لجأ العدو إلى اسكات صوت الحقيقة الذي يفضح ممارساته ويعري مزاعمه أمام العالم كما يفضح الانحياز الغربي غير المسبوق في صف السردية الصهيونية، وهو ما حاربه الصحفيون في قطاع غزة منذ اليوم الأول للحرب حيث عملوا على كشف جرائم الإبادة العرقية لذلك عمد العدو وبدرجة غير مسبوقة على ترويع الصحفيين سعيا وراء طمس الحقيقة وما يحدث على الأرض، ومنع وسائل الإعلام من نشر الحقيقة، ولم تقتصر على قتل الصحفيين بل امتدت إلى تدمير بيوتهم واستهدافهم وقتل أبنائهم وعائلاتهم، كما حصل مع مصور وكالة الأناضول ( علي جاد الله ) الذي فقد أسرته ووالده وإخوته، كما فقد مصور الأناضول ( محمد العالول ) أبنائه واخوته، كما ارتقى مصور وكالة الاناضول ( منتصر الصواف )  وكذلك فقد مراسل الجزيرة ( وائل الدحدوح ) عائلته وحفيده كما تعرض بعد ذلك للاستهداف الذي أدى إلى ارتقاء مصور الجزيرة ( سامر أبو دقة )، كما فقد مراسل الجزيرة ( مؤمن الشرافي ) والدته وعدد من أشقائه وأبنائهم، كما استشهد مراسل التلفزيون الفلسطيني ( محمد أبو حطب )، وكذلك الصحفيتان آلاء طاهر الحسنات ومراسلة قناة ( الغد ) آيات خضورة، ومدير( رابطة بيت الصحافة الفلسطيني ) بلال جاد الله، والقائمة تطول وقد وصل عدد الشهداء الذين استهدفوا في غزة من الصحفيين أكثر من 95 صحفياً بالإضافة إلى بعض شهداء من الصحفيين في لبنان منهم عصام عبد الله مصور ( وكالة رويترز للأنباء )، والاعلامية في قناة ( الميادين ) فرح عمر والمصور ربيع المعماري.

وعلى صعيد متصل هناك عشرات الصحفيين الذين يقبعون في سجون الاحتلال. بالإضافة إلى ذلك استهدف العدو الصهيوني المؤسسات الاعلامية، حيث قام بتدمير المكاتب الصحفية والإعلامية للإذاعات والمحطات الفضائية. علاوة على ذلك قام بحظر بث قناة ( الميادين ) من فلسطين.

جبهة منصات التواصل الاجتماعي

لقد اشعلت الحرب على غزة حرب أخرى ليست على الأرض، بل في الفضاء الالكتروني، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي رغم ما فرضته خوارزميات مارك زوكيربيرج على كل ما يخص الحرب على غزة والقضية الفلسطينية وأظهرت انحيازه الأعمى للعدو، وقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب، حيث استطاع المدونين في الطرف الفلسطيني والعربي والاسلامي والمؤيدين للقضية الفلسطينية في العالم من فرض الرواية الفلسطينية على المتلقي، واعتمدوا في ذلك على نشر اللوحة الفنية والملصق والكاريكاتير والكلمة  والأغنية ومقاطع الفيديو التي توثق جرائم العدو بالإضافة إلى نشر فيديوهات تاريخية تبين دموية العصابات الصهيونية في فلسطين وكذلك فيديوهات تمثل نضال الشعب الفلسطيني ضد تلك العصابات.. فكان كل ما نشر  سلاحاً أساسياً في المعركة شاهد العالم من خلاله الحقيقة كل الحقيقة. وبهذا الخصوص ذكرت صحيفة " واشنطن بوست " الأميركية أن " مقاطع الفيديو التي جرى تحميلها على منصات التواصل، من قبل إسرائيليين أو فلسطينيين، ساهمت في تشكيل فهم العالم للعنف في إسرائيل  وغزة، حتى وإن خيم عليها سيل من ( المنشورات المضللة )".

وفي هذا السياق أنفق الكيان الصهيوني عشرات الملايين من الدولارات على مشغلي منصات التواصل لتبييض صورتها أمام العالم، ولعبت على دغدغة مشاعر الغرب بمحتوى متنوع يربط المقاومة الفلسطينية بالإرهاب ويطالب بإطلاق سراح الأسرى مع التركيز على صورة النساء والأطفال، حيث نشرت وزارة خارجية الكيان الصهيوني نحو 100 فيديو عبر ( يوتيوب ) ووصل حجم الإنفاق على نشر المحتوى نحو 8 ملايين دولار في حملات رصدتها تقارير إعلامية.

ومن جهة ثانية، كشف موقع " بوليتيكو " الأوروبي عن " إغراق إسرائيل مواقع التواصل بمنشورات لتشكيل رؤية العالم بشأن الحرب الدائرة في غزة " . وذكر الموقع أنه " منذ بدء الحرب، نظمت الحكومة الإسرائيلية حملة واسعة النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي في الدول الغربية الرئيسة لحشد الدعم لردها ضد حركة ( حماس ) عبر عشرات الاعلانات التي تحتوي على صور ومقاطع فيديو عاطفية وعنيفة ". وقد استفادت منصة " X " المملوكة لرجل الأعمال الأميركي " إيلون ماسك " من زخم توجه العديد من المستخدمين إلى فضائها الرقمي لعدم وجود القيود المفروضة نفسها في المنصات الأخرى مثل ( إنستغرام )  و ( فيسبوك ) حيث لعب مستخدمي المنصات الرقمية على وتر الحبل لخداع الخوارزميات عن طريق كتابة المحتوى بكلمات متقطعة ورموز. لقد كان لمنصات التواصل الاجتماعي اهمية في نقل الأحداث ومتابعتها في ظل توجه الإعلام الغربي المنحاز للرواية الصهيونية وتجاهل معاناة الفلسطينيين سيما أن مراسلي المحطات الغربية كانوا في فلسطين المحتلة وفي مناطق التواجد العسكري الصهيوني ولم يكن في غزة مراسلين لتلك المحطات وهذا يؤكد وبشكل واضح وفاضح انحياز التغطية.

لقد استطاعت الصورة الرقمية أن تفعل فعلها.. ولم يعد المصور حرفياً، بل هو أيضاً فنان، وآلة التصوير لم تعد مجرد تقنيات بل استطاعت من خلال عين المصور أن تملأ فيها الحياة والمشاعر والأفكار والمواقف المناهضة للاحتلال والعدوان والقتل والتدمير. حتى أنها لفتت الانتباه لقدرتها وإمكاناتها لتكون أيضاً فناً وعالماً قائماً بذاته. فطوبى لكل من يحمل كاميرا في أرض المعركة والمجد والخلود لكل من سقط دفاعاً عن نقل صورة الحقيقة.. عن الواجب.. عن حق الشعوب بالنضال والتحرر والحياة.. من أجل إيصال الحقيقة كل الحقيقة كما هي ودون رتوش.

أخيراً كان لصمود الغزيين حاضنة المقاومة، وكذلك ضربات المقاومة الموجعة للعدو، التي تقاتل من أجل الحرية والاستقلال دور مهم  في تثوير الشارع، كما ساهم اعلام المقاوم في رفع معنويات الشارع الفلسطيني والعربي وكذلك أحرار العالم، الذين صوروا الكيان الصهيوني بصورة الكيان المارق في النظام الدولي الذي بات يكيل بمكيالين. فهو يذرف الدموع على قتلى اوكرانيا، ويديرون ظهورهم للمجازر في فلسطين دعماً للكيان الصهيوني المؤقت، وكانت الصور والفيديوهات التي كانت تبثها المقاومة،  تؤشر على عافية المقاومة وقدرتها على التخطيط وإدارة المعركة بكل حنكة واقتدار من أجل تحقيق الانتصار على عدو هزم في أول يوم من 7 اكتوبر.. على صعيد المعركة والإعلام والصورة.