كتب غسان أبو نجم*
إن المشاريع السياسية والاقتصادية التي خطط لها الاحتلال الصهيوني والتي شملت الأرض الفلسطينية والمنطقه العربية بالتعاون مع رأس الشر العالمي والتنسيق مع بعض الأنظمة العربية الرسمية، مشاريع في غاية الخطورة ليس فقط على القضية الفلسطينية وإنما تضع المنطقة العربية وربما الإقليم تحت قيادة الكيان الصهيوني منهية بذلك المشروع القومي النهضوي العربي. لقد كان العامل الحاسم في إفشال هذه المشاريع صمود ووعي شعبنا الفلسطيني ومقاومته وقواه الحية أولاً وقوى وشرفاء هذه الأمة التي شكلت لاحقاً محور المقاومة، والتي شكلت المقاومة الوطنية الفلسطينية رأس حربتها. وفوت فرصة تحقيقها نتيجة تمسكه بأرضه ومقاومته وحقه في العودة وتقرير المصير ورغم المرونة التي أظهرها هذا الشعب في التعامل مع بعض مخططات التسوية كاتفاق أوسلو إلا أنه ظل متمسكاً بحقه التاريخي بأرضه ووطنه ومدافعاً عنيداً عن شرعية وجوده ونضاله التي لم يذخر الاحتلال جهداً في اجتثاثهما عبر الوسائل العسكرية أو الصفقات السياسية، وأسقط هذه الاتفاقات بعد مرور العديد من السنين والتف حول مقاومته وأصبح الحديث عن أوسلو واتفاقاتها مجرد هرطقة سياسية.
إن اتفاقات أوسلو لا تقل خطورة عن هزيمة حزيران ٦٧ حين اجتاحت قوات الاحتلال الصهيوني مدن وقرى الضفة الغربية و القدس ووصلت إلى الحدود الأردنية مسقطة بذلك برامج الأنظمة العربية التي استندت إلى خطابات نوري السعيد وأغاني النصر والتحرير في إذاعة صوت العرب
ما لم يتم التركيز عليه في مجريات هذه الحرب أمران هامان:
الاول: حجم التضليل الإعلامي الرسمي وغياب الإعلام المقاوم في مواجهة هذه الحرب وحتى وقت حدوثها إلى حد اعتقاد الجماهير الفلسطينية أن من دخل الضفة الغربية من دبابات ليست دبابات صهيونية بل عربية عراقية ومصرية وقوبلت بالتصفيق والأهازيج قبل أن تكتشف جموع الجماهير المضللة أنها صفقت وهتفت لاحتلال وطنها
الثاني: سرعة وكاريكاتورية انسحاب الجيوش النظامية العربية من ساحة المعركة وكأن البحر ابتلعها فلم تشهد الأرض الفلسطينية واقعة حرب حقيقية في أي جبهة من الجبهات وهذا يدلل على عمق المؤامرة الرسمية العربية وليس قدرات وفعالية القوة العسكرية لجيش الاحتلال.
إن هزيمة حزيران ٦٧بما حملته من آثار وابتلاع للأرض الفلسطينية وتمدد الاحتلال الصهيوني فيها أتت نتيجة لحرب ومعركة وإن لم تكن متكافئة وتم احتلال الأرض بالقوة وإحلال لمغتصبين بدل الشعب صاحب الأرض الذي قاوم بإمكانياته المتواضعة هذا الاحتلال، ورفض وجوده مؤكداً عدم شرعية هذا الاحتلال من جهة وعدم اعترافه بأحقية الاستيلاء على وطنه من جهة أخرى وهنا تكمن خطورة اتفاقات أوسلو التي أقر بها النهج التفريطي المتنفذ في منظمة التحرير الفلسطينية والتي لم تكن إلا نتاجاً لسلسلة من التنازلات والتفريط بدأت باقتراح حل الدولتين وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني ومؤتمر مدريد. إن ما يجعل اتفاقات أوسلو أشد خطورة من هزيمة حزيران ٦٧ أنها تمت بإقرار واعتراف فلسطيني من قبل اليمين المتنفذ والمهيمن على القرار الفلسطيني، بالاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية وبشرعية احتلاله للأراضي الفلسطينية عام ٤٨ بما فيها الشطر الغربي من القدس وشرعية وجوده في مناطق من الضفة الغربية قسمت ألف وباء وجيم ليصبح الوجود الصهيوني في هذه الأرض وجوداً شرعياً وقانونياً ويحظى باهتمام واعتراف فلسطيني وعربي ودولي، وأي مقاومة لهذا الوجود هي تعدي سافر على الشرعية التي اكتسبها باعتراف كامل من ممثلي هذا الشعب (السلطة الفلسطينية لاحقًا) وإن المقاومة الفلسطينية المعارضة لهذا الوجود الشرعي تعتبر مناهضة للأعراف الدولية ووتعتبر كذلك إرهابية ومن حق الكيان الصهيوني "المكتسب للشرعية" مناهضتها والدفاع عن وجوده الشرعي كذلك يعني التنازل الفعلي عن ٨٠٪ من فلسطين التاريخية لصالح الاحتلال مقابل جزء بسيط من الأرض الفلسطينية يجثم فوق صدور ما تبقى من الشعب الفلسطيني سلطة ريعية عملت كوكيل أمني للاحتلال، تحافظ على شرعية وجوده التي منحتها له وتقتل وتسحل وتعتقل كل من يقاومه.
ولم تقف خطورة هذه الاتفاقات عند حدود الشعب الفلسطيني بل تعدته لتطال كل مقاوم عربي أو عالمي إن كان على هيئة أفراد أو أحزاب أو دول تطالب أو تعمل على استعادة الحق الفلسطيني أو تدافع عنه بحجة أن ممثلي هذا الشعب هم من أعطوا الشرعية لهذا الوجود الصهيوني وأنتم لستم أحرص من أصحاب القضية عليها وأن الكيان الصهيوني كيان قائم وشرعي ومعترف به فلسطينياً وعربياً ودولياً ومن حقه الدفاع عن شرعية وجوده. وبالتالي حكماً سقطت عنه صفة الاحتلال أو الاغتصاب بل كيان شرعي له حقوقه الكاملة في الأرض التي أقام كيانه عليها وهذا ما لم تستطع انجازه حرب حزيران عام ٦٧ التي رغم خطورتها لم تسقط عن الوجود الصهيوني صفة الاحتلال ولم تمنحه الشرعية أبداً مما يؤكد على قدرة شعبنا وصموده وتمسكه بمقاومته التي بفضلها استطاع وبعد سنوات من المثابرة على النضال إلى تحويل هذه الاتفاقات إلى مجرد حبر على ورق رغم سنوات الألم التي عاشها ولا زال يعيش بعض آثارها في ظل سلطة دايتون.
إن هذه الاتفاقات مع الطرف المتنفذ في الحركة الوطنية الفلسطينية فتح الطريق أمام مشاريع أخرى مع أطراف عربية كصفقة القرن التطبيع المجاني مع الاحتلال بموجب اتفاقات إبراهام وهذا ما سنعالجه في الجزء القادم.
يتبع...
*كاتب فلسطيني

