Menu

" طوفان الأقصى " يقوّض مشروع الشرق الأوسط الجديد – القديم

محمد صوان

"كنب أ. محمد صوان"

رغم الوزن الدولي الكبير للولايات المتحدة الأمريكية , ودورها في التأثير على التفاعلات العالمية , هذا الدور المحاط بمراكز بحثية متابعة ومهتمة بالقضايا الدولية الساخنة والباردة , غير أنها غالباّ ما تقع فريسة الدعاية الصهيونية المشبّعة بالأساطير حيناً والرغائبية أحياناً والزائفة حيناً آخر !.

فالتبشير الأمريكي ب " الشرق الأوسط الجديد " كان و لايزال أحد أشكال خضوع العقل السياسي الأمريكي لتأثير البروبغندا الصهيونية , التي ثبت على الدوام أنها ليست سوى أوهام عملت النخب اليمينية المتطرفة في دولة الاحتلال على ترويجها لاعتقادها بأن صناعة مثل هذا التحوّل – إن تحقق – سيكون مجهوداً في سياق أمريكي يهدف إلى هندسة العالم ضمن أنساق يسهل التحكم بها وإدارتها وجعلها تعمل في إطار الاستراتيجية الأمريكية , وتحت هذا العنوان تستطيع دولة الاحتلال استجلاب كل أشكال الدعم في حربها على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وفرض هيمنتها في المنطقة !.

الحرب على غزة والضفة الفلسطينية خير مثال على قدرة اليمين الصهيوني المتطرف في التلاعب بالعقلية الأمنية والسياسية الأمريكية , وربما تكون هذه الحرب المشتعلة على غزة قد انطوت على متغيّر جديد تمثّل في مبادرة المقاومة الفلسطينية – عملية طوفان الأقصى – مهاجمة دولة الاحتلال و تكبيدها خسائر فادحة , وبالتالي فرصة ادّعاء تعرضها " لمخاطر وجودية ".. الأمر الذي دفع الغرب , وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحييد العقلانية والحسابات الأمنية والاستراتيجية , ومنح الكيان الغاصب فرصة إعادة تشكيل المشهد في غزة والضفة , وفي المجمل كل فلسطين , ليس بهدف إعادته إلى ما قبل عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023 , بل صناعة مشهد مختلف كلياً عمّا كان عليه طوال العقود الماضية , بما يتضمنه من تدمير لغزة , وإزالتها من الوجود , وخنق الضفة الغربية وتهجير سكانها الأصليين , وهذا جوهر مشروع " الشرق الأوسط الجديد " الذي بشّر به ثلاثي اليمين الصهيوني الفاشي / نتنياهو – سموتريتش – بن غفير / طوال هذه المرحلة , واستعداد واشنطن دعم هكذا مشروع وتحويله إلى واقع , وحصرت فعاليتها في قبول دور لها تمثّل باستنفار قواتها في المنطقة , وتحريك أساطيلها وتجميع أصولها العسكرية , للضغط على دول المنطقة , حتى لا يجري التشويش على الكيان الصهيوني المنهك في إنجاز مشروعهم المشترك .. وقدّمت الإدارة الأمريكية كل ما يلزم من الدعم اللوجستي والعسكري والاستخباراتي والعملياتي لتنفيذ الهدف , عبر جسور جوية وبحرية وكل أنواع الأسلحة , حتى التي كانت غير مخصصة سوى للجيوش الأمريكية في أوقات الطوارئ , ومارست الضغط على الدول العربية والإسلامية , عبر جولات مبعوثيها  التي لم يكن لها سوى هدف تسكين الموقف الرسمي العربي , وإظهارها كمن يبحث عن مخارج للحرب الدائرة , وبالتالي التأثير بالرأي العام العالمي الثائر , ومنع صدور قرارات عن مجلس الأمن تدين الكيان الغاصب , أو تطالبه بوقف إطلاق النار , ولم تكن دولة الاحتلال لتتأثر بذلك , لكن الإدارة الأمريكية أرادت توفير المناخ الملائم لها إلى أبعد الحدود !.

لا تزال واشنطن تدير الحرب بوصفها جناحاً استراتيجياً وعسكرياً للكيان الغاصب , متخلية عن مركزها العالمي ودورها في النظام الدولي , وهي تفعل ذلك كله على أمل تمكين دولة الاحتلال بالفعل صناعة " الشرق الأوسط الجديد " المشروع القديم الجديد وفرضه على المنطقة , وهذا يلامس رغبة أمريكية لم تتحقق , أو كانت ستكلف واشنطن أثماناً مقابلة لا تريد دفعها , وسبق أن خاضت واشنطن مفاوضات مكثفة ومرهقة مع دول المنطقة , بهدف ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط في موازاة صعود الصين وعودة روسيا إلى المنطقة , لكن المساعي الأمريكية قوبلت من غالبية دول المنطقة بمطالب موازية !.

التباينات الصهيوأمريكية إلى أين ؟!.. 

يخشى الرئيس الأمريكي أن تتضرر بلاده أخلاقياً بسبب تأييدها المطلق لدولة الاحتلال في حربها المجنونة على الشعب الفلسطيني – وهو ما حصل بالفعل – فالغضب المتزايد في حواضر المجتمع الغربي والأمريكي , وتحديداً في صفوف النخبة من الشباب والمثقفين والصحفيين والفنانين والسينمائيين جعل المشهد أشبه بما حدث في عهد الرئيس كينيدي خلال الحرب على فيتنام , فالنطق بكلمة فلسطين تهمة قد تؤدي بصاحبها إلى الطرد من العمل , والتجريد من الحقوق .. لقد عاد الخوف إلى أمريكا والغرب , وتصاعدت حدّة العداء ضد الولايات المتحدة التي وجدت نفسها وحيدة تقف ضد قرار أممي يقضي بوقف إطلاق النار , أو حتى هدنة إنسانية !.

لقد ذهب الرئيس بايدن إلى أبعد من ذلك , عندما كشف عن تباينات صارخة مع حكومة الائتلاف الصهيوني الفاشي , لا تتعلق فقط بتغيير مسارات الحرب في غياب النتائج المتفق عليها , ولكن في الرؤية الاستراتيجية أيضاً , حيث يرفض الثلاثي الفاشي " نتنياهو , سموتريتش , بن غفير " الحديث عن " حل الدولتين " أو عن دولة شكلية منزوعة السلاح , وهم يعتقدون أن هذا الحل قد تجاوزه الزمن , فالأرض الفلسطينية أصبحت " أرض إسرائيل الكبرى " من البحر إلى النهر , وردوا مجتمعين على بايدن بقولهم :" لن نوافق على دولة رعب فلسطينية , لا في الضفة ولا في غزة , لن نوافق على التنازل عن المسؤولية الأمنية , ولن نوافق على المساس بالاستيطان "! 

أما عن كيفية التخلص من الشعب الفلسطيني فهي مسألة تناقش مع بقية الدول الغربية الحليفة , إلى جانب مصر والأردن ودول الخليج .. وحشر " 80% " من أهل غزة في جنوب القطاع مقدمة للدفع بهم نحو سيناء , خطوة نحو تنفيذ المخطط الجهنمي , ومن يرفض سيواجه بكل الوسائل الممكنة – حتى العسكرية منها – مثلما حصل مع قصف جميع المشافي , حتى التركية والأردنية الميدانية !. 

لا يحتمل الكيان الصهيوني المحتل أزمة من هذا الحجم مع الولايات المتحدة , أهم حليف له , وساندته ولا تزال إلى آخر قطر ة دم نزفت وتنزف من أطفال وشباب الشعب الفلسطيني .. لقد حاول الرئيس بايدن التمييز بين حكومة اليمين المتطرف واليهود عندما وصف نفسه بكونه " صهيونياً " وأكّد على أن " مصير اليهود مقلق " واعتبر أن مصلحة " إسرائيل " تقتضي إسقاط حكومة نتنياهو , وترى إدارته أن مواصلة الحرب بأجندة زمنية مفتوحة دون تحقيق تقدم ملموس في إضعاف حركة حماس خاصة والمقاومة عامة , إلى جانب مجاراة تحالف اليمين المتطرف الساعي نحو إلغاء الوجود الفلسطيني , هو بمثابة الانتحار السياسي , والدفع بالرئيس بايدن نحو الخروج من الباب الخلفي في الانتخابات الأمريكية المقبلة .

لقد كشفت دولة الاحتلال عن وجهها المتوحش فرئيس الشاباك رونين بار خاطب الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش , ومؤيديه قائلاً : " الذين يطمحون ليروا عالماً أكثر أماناً يجب أن يمتنعوا عن التدخل في شؤوننا أو إيقافنا " .. يريدون التغوّل في القتل والتدمير والكذب وخداع الجميع , دون توقف بحجة الاقتراب من الهدف , فرغم خسائرهم القادمة في ساحات القتال , إلا أنهم يحاولون إقناع أنفسهم بجعل هذه الحرب فرصتهم التاريخية لاستكمال السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية , ونجاح مشروع " الشرق الأوسط الجديد – القديم ".

لقد سبق أن أفصح نتنياهو عن خطته لتحقيق ذلك , في فيديو مسرّب تحدث فيه خلال جلسة غير رسمية " للحكومة المصغّرة " عن ضرورة " توجيه ضربات عنيفة للفلسطينيين بطريقة موجعة لا تطاق , وأن يمتد هذا الهجوم على نطاق واسع ضد السلطة في رام الله , ما يجعلهم يخافون ويعتقدون بأن كل شيء على وشك الانهيار " ! ويعتقد نتنياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف بأن الهلع الشديد سيدفع بالفلسطينيين إلى مغادرة بلدهم مثلما حصل عام 1948 , لهذا السبب يتمتع الجيش بصلاحيات واسعة في هذه الحرب , وهو ما أقر به جنرال الاحتياط رئيس مقر قيادة الجنوب سابقاً , هزئيل كنافو , عندما قال :" إن الجيش يفجّر كل البيوت , لم يوسع الهدف في حرب سابقة كما يوسعه الآن , ولم يعطِ تصاريح بإطلاق النار العشوائي كما يعطي الآن "!.

هل سيتمكن المجتمع الدولي وفي المقدمة الولايات المتحدة من كبح جماح هذا التيار الدموي العنصري ؟! ستجيب الأيام المقبلة عن ذلك , وإن عجزت واشنطن عن ذلك , فقد يحققه الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة بصمودها الأسطوري ومضاعفة الخسائر في صفوف العدو , والكلمة الأخيرة تبقى للميدان !.

طوفان الأقصى مقدمة لمشروع وطني وقومي جديد : 

إن انهيار المشروع الصهيوأمريكي الشرق أوسطي , يعني انهيار النظام الرسمي العربي المهرول نحو التطبيع , الأمر الذي يملي على الشعب الفلسطيني إدراك أنه اليوم وحده في مواجهة أعتى قوة وحشية في المنطقة , فإسرائيل العنصرية بجميع تلاوين طيفها الصهيوني , تعتقد أن هذا الانحطاط الرسمي العربي هو فرصتها لفرض الحل النهائي للقضية الفلسطينية , أي إبادة الشعب الفلسطيني وجودياً وسياسياً , وإخضاعه للتمييز العنصري وإفقاره , كي يرتضي بالعبودية .. فالحل النهائي يعني الضم الكامل للضفة , وإبقاء غزة في الحصار والجوع وأكبر سجن في الهواء الطلق !.

قدمت لنا غزة وعملية طوفان الأقصى مشروع أفق يجمع بين المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية الشاملة , وهو أفق يحتاج للتحول إلى برنامج عمل سياسي وكفاحي شامل , يتم تبنيه في الضفة وغزة وأراضي عام 48 المحتلة , تمهيداً لتحويله إلى إطار جامع لمخيمات اللجوء والشتات في المهجر .

المطلوب اليوم هو بناء جبهوي موحّد ينطلق من أرض النضال ويؤسس لمعركة طويلة النفس عنوانها : البقاء في الأرض والتجذر فيها والدفاع عنها ويحمل هذا البناء الجبهوي ثلاث مهمات راهنة : 

  • وقف العدوان والإبادة الجماعية على شعبنا في غزة والضفة والقدس , عبر ضغط المقاومة بكل الأشكال.
  • دحر الاحتلال وانسحابه بلا قيد و لا شرط من جميع الأراضي المحتلة , وتفكيك جميع المستوطنات .
  • إسقاط نظام الأبارتهايد , وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل فلسطين التاريخية . 

لا تعارض بين هذه المهمات الثلاث , بل هي متكاملة .. فإسقاط نظام الفصل العنصري – الأبارتهايد – هي مهمة كل الشعب الفلسطيني وينبغي أن تبقى في صدارة المشهد , أما إنهاء الاحتلال ودحره فهو حق تأسيسي حتى لو تم تبني مهمة بناء الدولة الديمقراطية الواحدة !.

كما أن الكفاح المسلح لا يعني إهمال النضال الجماهيري , بل يعني أن الأولوية هي للعمل المسلح الذي يمكن أن يملي دينامية نضالية جديدة , وسط هذه الصحراء السياسية العربية التي تطوّق فلسطين !.

عندما رثى السفاح نتنياهو قتلاه من الجنود في محيط " غلاف غزة " فهو يرثي " الحلم الصهيوني " الذي لم يرى سوى كابوس .. فهذا النرجسي المهووس الذي يستوي عنده الكذب مع الحقيقة , قد كشف بكل وضوح المأزق الأخلاقي الصهيوني أمام " سياج غزة " وفلسطين والعالم !. فداخل هذا السياج يصنع الصهاينة واحدة من أكثر مجازرهم وحشية .. هنا في غزة , جنين , طول كرم , نابلس , رام الله وفي بقية المدن الفلسطينية , يعلن قطعان المستوطنين أن مهمتهم الأساسية هي قتل الفلسطينيين وإطفاء النور في عيونهم !..

لكن الشعب الفلسطيني لم يتوقف منذ ما يزيد على قرن من الزمن عن طرق جدران الاستيطان والفصل العنصري المسلحة بالهمجية والكراهية .. وسيواصل هذا الطرق إلى أن تزال هذه الجدران وتفتح فلسطين ذراعيها لأبنائها العائدين إليها وقد جبلوا بماء الأرض وترابها , وصنعوا من تضحياتهم وطناً حراً يتسع لكل أبنائه دون قهر أو تمييز أو اضطهاد !..