Menu

"طوفان الأقصى" يؤكّد ثوابت التاريخ: فلسطين للفلسطينيين

د. إبراهيم خلايلي

"كتب د. إبراهيم خلايلي"

مقدمة

أثبتت ملحمة "طوفان الأقصى" –وما سبقها من ملاحم الشعب الفلسطيني- أن هذا الشعب الذي يُبدي هذا النوع من المقاومة والصمود في أرضه، إنما هو شعب له جذور عميقة في تلك الأرض، ومستمر في العيش فيها منذ أقدم العصور، ولعلها معادلة النصر الآتي التي يفتقر إليها المحتل الصهيوني، والذي لا تعريف له أو وجود عبر التاريخ الفلسطيني الكنعاني إلا كخرافة حاك سطورها كُتّاب التوراة، وذلك بناءً على مزاعم الانحدار من نسل أبي الأنبياء إبراهيم، ومع ذلك فالتوراة تحذّر إبراهيم على لسان رب اليهود "يهوه" قائلةً: "اعلم يقيناً أَن نسلك سيكون غريباً في أرضٍ ليست لهم" أما "بنو إسرائيل" -حسب التوراة- فلم يولد أحدٌ منهم في فلسطين.

فلسطين الكنعانية جزء من دول المشرق العربي القديم

وفلسطين –حيث المعارك المستعرة الآن ضد الكيان الصهيوني الغاصب، وخاصةً في مدينة "غزّة"- هي جزء من دول المشرق العربي القديم عموماً، تتكوّن من سلسلة من المدن الكنعانية، والتي تعدّ من أقدم مدن العالم، ورد ذكرها في معظم سجلّات وحوليات ملوك الشرق القديم منذ قرابة خمسة آلاف عام، وذلك بقوائم الملوك الكنعانيين الذين تعاقبوا على حكمها قروناً قبل الغزو اليوناني، ثم الروماني-البيزنطي، وبعده الفتح العربي الاسلامي، وصولاً إلى العصر الحديث، عصر الاحتلال البغيض والمقاومة البطولية.   

إذاً، ففلسطين جزء من حضارة المشرق العربي القديم، كان لها فيه حضور بارز، بل كانت منبعاً للتقاليد والأصول الحضارية، حسب المعطيات التاريخية والأثرية والكتابية، وقد أُشيرَ إليها في كتاب التوراة كجزء رئيسي من "أرض كنعان" (بلاد الشام القديمة).

وحيث لا تنحصر الاثباتات على فلسطين وأرض كنعان في كتاب "التوراة" فحسب، إلا أننا نحتاج إلى الكثير من أدلّته لمواجهة من يجتزئ منه النصوص والمعلومات ويحرّفها، لغايات ايديولوجية وسياسية.
اعتراف كتاب التوراة بكنعانية فلسطين

لقد أقرّ سِفر "صفنيا" من كتاب التوراة بكنعانية "الفلسطينيين" وأن أرض كنعان هي أرض الفلسطينيين: (كنعن أرص فلشتيم כּנען ארץ פלשׁתים)، وهذا الاقرار يصعب العثور على ذكرٍ له أو تعليق عليه من قبل الصهاينة، فهم يجتزئون من سطور التوراة ما يظنون أنه يدعم ادعاءاتهم بملكية أرض فلسطين، دونما اعترافٍ بانعدام الأدلة الأثرية على الأرض، أو إقرارٍ بالتناقضات في النص التوراتي، والشروحات والتفاصيل وما ورد بين السطور، فضلاً عن المعلومات المباشرة الصريحة، والتي تؤكد خرافة ما سمي بـ مملكتيْ "إسرائيل" و"يهودا"، وعدم صحة كل ما رُبط بهما من ادعاءات تخص الجوانب التاريخية والدينية والحضارية، بدءاً من مزاعم الحقبة المفترضة لما سُمي بـ "الآباء" –أي إبراهيم وإسحق ويعقوب- وانتهاءً بسدنة خيمة "يهوه" في أحدث ذكر لها في أسفار التوراة المتأخرة.

فلسطين للفلسطينيين

الفلسطينيون الحاليون والتاريخيون، هم أصحاب الأرض الفلسطينية، لأن الشعب الفلسطيني –المعرّف في الدراسات الغربية كأحد "شعوب البحر" باسم الشعب "الفلستي"- هو شعب     كنعاني، اضطرّ بعضه للانتقال إلى جزر المتوسط الشرقي –كاليونان- في وقت ما، ثم العودة في أواخر الألف الثاني ق.م، إلى أرضه في مدن الداخل الكنعانية، وسواحله الأصلية في مدن يافا وعكا و غزة وعسقلان وأسدود وجت وعقرون، حاملاً ثقافة جديدة من جزر المتوسط، أما اسم "فلسطين" فهو مشتق من "الفلستيين" نظراً لشهرتهم، وقد أُطلق على إحدى بقاع أرض كنعان –أي كل فلسطين- من قبل الرومان سنة 70 ميلادية.

ومنذ ذلك التاريخ استمرت فلسطين تحمل اسمها هذا، وظهرت في خرائط العالم عام 1947 باسم فلسطين، قبل أن يظهر اسم "إسرائيل" كعصابة احتلال عام 1948.

استهداف تاريخ فلسطين وملحمة طوفان الأقصى

لم يتوقف استهداف تاريخ فلسطين منذ نشوء الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحتى تاريخه، وقد ازداد ذلك حدةً في السنوات الأخيرة، حيث تعرض هذا التاريخ إلى التشويه الممنهج من قبل المؤسسات التوراتية والصهيونية، ومن قبل تيارات ثقافية مغرضة ومأجورة، منها ما هو عربي، وذلك من خلال تصوير التاريخ الفلسطيني على شكل مجموعة من الروايات القصصية، ولا أدل على ذلك من طرح مصطلح "السردية" على هذا التاريخ، ذلك المصطلح الأدبي الحديث والذي يجعل من تاريخ فلسطين الحقيقي مجرّد ضرب من ضروب الأدب، مع ما يرافق ذلك من خيال وطروحات غير منطقية تنسف الواقع التاريخي والأثري واللغوي، مثل إقرار بعض العرب –في عمل درامي- لخرافة "الوعد الإلهي" ومنح اليهود حقاً من الدرجة الأولى بفلسطين، بالإضافة إلى محاولات شطب الهوية "الكنعانية" لفلسطين، وهنا لا بد   من التصدي للإساءة إلى "الكنعانية"، وإبراز الجهود الحقيقية لكتابة تاريخ فلسطين على أيدي المختصين، أنّى تواجدوا، والسير بتلك الجهود قُدُماً ودعمها وتعميم الموضوع على الجهات والمؤسسات الفلسطينية والعربية المعنية، الرسمية منها وغير الرسمية، وبشكلٍ صارم، وذلك حمايةً لتاريخ فلسطين وتكريس وضع أسس علمية صحيحة وناجعة لكتابته، لا سيما وأن العالم اليوم –والغربي خاصةً بعد معركة "سيف القدس "، وخلال ملحمة طوفان الأقصى- يشهد انقلاباً على موضوع المبررات الخرقاء للاحتلال الصهيوني لفلسطين، والمتمثلة في الادعاءات الزائفة بملكية الأرض والتاريخ، استناداً إلى تفسير خاطئ مقصود للروايات التوراتية، مع تغييب الوثائق الأثرية واللغوية الحقيقية في المنطقة، وتكثيف الأضواء بشدة على خرافة ما سمي بـ "الوعد الإلهي"، وبدعة ما يسمى بـ "الديانة الابراهيمية" التي تدحضها مجموعة من الحقائق.

أما طرح هذه البِدَع، ولا سيما من قبل السفير الأميركي في فلسطين المحتلة "ديفيد فريدمان"، عام 2020، فجاء بعد قرار إدارة "ترامب" السابقة عام 2017 باعتبار القدس المحتلة عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، وبعد المصادقة على فرض السيادة الاسرائيلية على الجولان المحتل عام 2019، وبعد سلسلة من إجراءات التهويد طالت مدينة القدس المحتلة، ضمن إطار ما سمي بـ "صفقة القرن"...وكل هذه الاجراءات والطروحات المعززة بخطوات عملية على الأرض-المحتلة أصلاً، بالنظر إلى أن الاحتلال هو أخطر إجراء- جاءت بعد سلسلة من المشاريع التهويدية، تحت عنوان توثيق مراحل التاريخ، والتي أسهمت فيها جهات دولية...ولكن هذا التوثيق الصهيوني انطوى على إزاحة مراحل حقيقية من تاريخنا وزجّ مراحل وهمية من تاريخ إسرائيلي مزعوم لا أدلة له على الأرض، فظهرت المشاريع الصهيونية كخلفية تاريخية مزيفة لطرح "فريدمان" –وبعض العرب- لبِدَع الديانة الابراهيمية" و"الوعد الإلهي".

خاتمة

لا شيء تقدّمه مواقع المشرق العربي القديم بخصوص البِدَع والطروحات الصهيونية السابقة سوى نقضها، وخاصة المواقع الفلسطينية التي عبثت السلطات الصهيونية بمعطياتها وأجرت تغييرات على هويتها الأصلية، لتحويلها إلى أماكن مقدسة يهودية، فيما تواصل –الآن- آلة الدمار والابادة الصهيونية تدمير المعالم التاريخية والأثرية لمدينة غزة تزامناً مع حرب الإبادة لسكانها، وفي إطار استكمال مخطط اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم وتشريدهم في دول العالم تحت عنوان "شعب بلا هوية"، الأمر الذي يواجهه "طوفان الأقصى" بضراوة، وكخطوة لم يسبق لها مثيل منذ احتلال فلسطين عام 1948.