Menu

عودة الشّاهد والشّهيد

د. العادل خضر

"كتب د. العادل خضر"

هذا هو الـ«Homo sacer». لا تترجموها لأنّ الصّورة قد تجاوزت المفهوم... إنّه الإنسان الفلسطيني، ذاك الّذي لا يحقّ له أن يعيش ولا أن يحتجّ ولا أن يتكلّم... بل لا يحقّ له شيء سوى أن يموت كلّ يوم، كلّ ساعة وكلّ دقيقة ألف مرّة ... وقاتله ليس مجرما ولا مذنبا ولا يحاكمه أحد. فقتله أو عدم قتله مسألة مزاجيّة... لأنّ هذا الـ«Homo sacer» ليس خارجا عن القانون بل القانون أخرجه من حساباته... هل يحاكم القانون حجرا أو جثّة؟
 
إلى كلّ الخارجين من تحت الأنقاض العائدين من موتهم إلى ميتتهم المقبلة، لستم عندهم، ذئاب الجحيم، ومجانين الحرب، ومخنّثي السياسة، وفاقدي بشريّتهم، سوى بدائل أخرى من البشر الزّائدين على الحاجة، في مسرح المعتقلات اللاّبشريّة.

إلى فلاسفة الصّورة من الّذين صدّعوا رؤوسنا بتحاليل مفرطة في إنسانيتها، وأشعلوا بصور ضحايا المعتقلات النازيّة حربا تسمّى "حرب الصّور"، تكفي هذه الصّورة بجلال كارثيّتها لتبطل كل ما صوّروه من أفلام وما جمعوه من صور وما نظّموه من متاحف، لتقول ببلاغة وجيزة: الفظاعة واحدة، تتغيّر مسارح القسوة، مرّة في هيروشيما وفيتنام، ومرّة في بغداد وفي سوريا، وفي فلسطين دائما، تتغيّر أسلحة الإبادة من القنبلة الذرّية والنابالم إلى الفوسفور الأبيض.... والبشاعة هي هي.

الصّورة: رجل أعظم من جبابرة الأساطير يحمل أربعة أرواح بشريّة ويمسك بيده اليمنى روحا أخرى خارج إطار الصّورة، ويتقدّم فوق الأنقاض مغمض العينين.... لا يبادلنا شيئا... لا نظراته ولا كلماته... لا شيء يبادل في الكارثة غير الصّمت. ولكن أيّ صمت؟ أهو صمت من عجز عن استعادة هبة الكلام أمام هول الكارثة اللاّبشريّة؟ أم صمت من نجا من الموت مع من بقي حيّا من أحياء عائلته، وهو لا يعلم إن كان عائدا إلى الحياة أم راجعا إلى مثواه الأخير؟ أم صمت المفاجأة والمعجزة العجيبة؟ "فالقاعدة في أيّام الحرب هي أن تستيقظ من نومك على دويّ القصف والقنابل والرّصاص، فلا تعثر على شيء سوى جثث العائلة وأشلائها ودمائها. معظم النّاجين هم بقايا عائلة من الأطفال.".

فالصّورة لم تلتقط مشهدا لأشياء كاملة، بل هي تحتوي على ما أمكنها أن تأخذه من الأشياء والكائنات الباقية. فالتّصوير في غزّة هو تسجيل يوميّ لصناعة الموت والإبادة، وتصوير يلاحق لاهثا البقيّة الباقية من الأرواح والعمران. من يصوّر في غزّة سيتعلّم أنّ فنّ التّصوير هو فنّ البقايا لتخليده في ذاكرة لن تعرف الحداد أبدا، ولن تجد الوقت لتجدّد ذكرى من ماتوا. فالذّاهبون إلى موتهم حتف أنفهم يعلمون أنّهم على شفير الكارثة. ولكن ما الكارثة؟

هو لفظ يعني في أصله الإغريقي جولة (strophế) إلى الأسفل (katá). وليس الأسفل في سياق هذه الصّورة سوى غزّة، أو عالم غزّة السّفليّ، "هذا العالم المسالم الّذي قلبته الحرب رأسا على عقب، بالدّمار والخراب والموت.". وليس هذا الرّجل الشّاهق المنتصب الحامل على كاهله أغصان شجرة عائلته سوى رجل يحاول أن يتقدّم رغم أثقاله في ممرّات لا يعلم أين ستفضي. فحواليه عالم قد سقط وتهاوى إلى أسفل الأرض وتحتها. فالكارثة هي جولة في عالم شبيه بعوالم الجحيم السّفليّة، لولا بزوغ أنوار السّماء في أقصى شمال الصّورة، لتذكّرنا، نحن من صدمته الصّورة بهولها، بأنّ الكارثة ليست قياميّة، وإن كانت شبيهة بها في مخيالنا. إنّ الكارثة هنا، في هذا المكان. وليست الحربُ حربَ إبادة، بل هي حرب انتزاع من المكان، مكان الكينونة بما هي تمكّن من المكان. فما لم تقله الصّورة هو أنّ بلاغة الحرب قد تغيّرت منذ الحرب العالميّة الأولى. فقد خرجت من منطق الرّبح والخسارة، والهزيمة والانتصار.

البلاغة الجديدة هي بلاغة التّطهير العرقيّ الّتي تنهض على القاعدة التّالية: موت الفلسطينيّ هو شرط وجود المحتلّ الصّهيونيّ. لا بقاء لكيان إسرائيل إلاّ بإبادة كلّ فلسطينيّ وطمس اسمه وذاكرته. والدّلائل على ذلك كثيرة. فطريقة القصف ليست حربيّة، فهدف الطّائرات ليس الانتصار على العدوّ وإخضاعه ليستسلم. طريقة القصف تعلن عن نوع جديد من الحروب هو حرب الإبادة: قصف المستشفيات آخر ملاذ وآخر أمل في الحياة، وقصف سيّارات الهلال والصّليب الأحمر، قصب المساجد والكنائس، قصف المنازل والمباني. بات لكلمة "الدّمار الشّامل" معنى حسّي مفرط في حسّيته. فقد ألغي كلّ استثناء سطّرته القوانين الدّوليّة والشّرائع البشريّة، وفتح باب الجرائم ضدّ البشريّة على مصراعيه. لا حقّ لفلسطينيّ إلاّ حقّ الموت. فالقصف بالقنابل وبالفسفور الأبيض، وبكلّ أسلحة الدّمار الحديثة، قد أتى على الزّرع والضّرع، والأخضر واليابس، والعباد والبلاد، والجامد والمتحرّك.

ففي كلّ الحروب الّتي شنّها العدوّ الصّهيوني، وريث الفاشيات والنّازيّات وسياسات الأبارتايد في جنوب إفريقيا وأمريكا، لم يستثن في الإبادة أحدا: لا الشّيوخ ولا النّساء ولا الأطفال. فكلّ صورة ملتقطة في غزّة تخفي في أعطافها صورا أخرى هي ذاتها الصّور الّتي تفانت سياسة الفيسبوك وشبكات التّواصل الاجتماعي في منعها ورقابتها، هي صور المذابح الباردة: "كلّ من يُقبض عليه تطلق عليه رصاصة أو أكثر "بدم بارد"، في الرّأس أو في الظّهر أو في الفخذ. وكان للطّائرات نصيب الأسد من التّدمير. قصفت كلّ شيء تقريبا بطريقة منظّمة. لم يبق شبر من غزّة سليما معافى عامرا.

الصّورة مرّة أخرى: ورغم ذلك تلتقط الصّورة أكثر ممّا التقطته. تنفلت منها تفاصيل صغيرة هي جزء من بهائها المدهش. فالمشهد الخلفيّ مشهد كارثة بله قيامة. مشاهد الأنقاض، الحديد والحجارة، دمار أشكال العمران، زوال أسباب الحياة، كلّ جزئيّات السّقوط إلى الأسفل تتعارض على نحو صارخ مع انتصاب الإنسان الفلسطينيّ. من يتمعّن في الصّورة سيجد أنّ الكتلة البشريّة قد ملأت كامل الصّورة في اتّجاه عموديّ منفلت نحو السّماء المضيئة. اللّقطة كانت قريبة لإبراز الوجوه الحيّة،لا ظلال تحيط بالأجسام، ورغم غياب الظّل المنبئ بالموت، كانت رؤوس الصّبية الثّلاث، المحيطة برأس الأب في شكل مثلّث، مفتّحة العينين، أشدّها انفتاحا ودهشة عينا الصّبيّة، أعلى نقطة في الهرم البشريّ. لا شيء خلفها سوى الأنقاض المتراكمة والسّماء. عينان مفتّحتان في تقابل صارخ مع عيني الأب المغمضتين.

لن نستحضر صورة أنتيجونا وأبيها أوديبوس الّذي فقد بصره وحقّ الإقامة في المدينة، وهي تقوده إلى منفاه، حتّى لا نضفي على الصّورة بعدا تراجيديّا، ولكنّنا سنكرّر مزايدين على الفيلسوف اليهوديّ الألماني أدورنو "لا شعر بعد أوزفيتش" بأن نقول: "الشّعر هو غزّة". 

تعلّمنا الصّورة بأنّ الشّعر ليس احتفالا بفاجعة لا تطالها الكلمات. الشّعر كما كان بعد آلهة الإغريق يقصّ ما كان وما يكون وما سيكون. وفي غياب الشّعر، تطلّ علينا الصّور، نحن الّذين نسكن خارج غزّة، لا لتُدين ضمائرنا أو تصدم عيوننا، ولا لتقضّ مضاجعنا، تطلّ فقط لتقول لنا: اشهدوا فقط. فأنتم الشّهداء.