Menu

في مؤتمر ميونيخ: التخندق الكيان الصهيوني  في مواجهة حركة حماس وفصائل المقاومة 

عليان عليان

خاص - بوابة الهدف


كتب عليان عليان*


 سامح شكري  وزير خارجية مصر ، هو وزير الخارجية الوحيد من  الدول العربية  التي شاركت في مؤتمر ميونيخ ، الذي تجرأ على مهاجمة حركة المقاومة الإسلامية  " حماس"  وجناحها المقاتل " كتائب القسام" ، بقوله في الجلسة  النقاشية حول السلام والاستقرار في الشرق الأوسط : "أن حركة حماس خارج الأغلبية المقبولة من الشعب الفلسطيني، وتمارس العنف ولا تعترف ب(إسرائيل) ،  وأنه يجب محاسبة كل من عمل على تعزيز قوة حماس وتمويلها في قطاع غزة.
وتابع شكري قائلا: "لكن لابد أن يكون هناك أيضا مساءلة حول لماذا تم تمكين حماس في غزة، ولماذا تموّل في غزة لتعزيز الانقسام بين حماس، وبقية التيار الأساسي للكيانات الفلسطينية المتبقية الصانعة للسلام ، سواء كانت السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية أو الرأي العام، وهنا أنا أرى أن هذه مسألة مهمشة وينبغي التطرق لها".
بداية وقبل  التصدي لما طرحه سامح شكري أقول :  لست حمساوياً ، لكني أرفع القبعات والكوفيات احتراماً وتقديراً لكتائب القسام ، التي حققت نصراً إعجازياً غير مسبوق  في السابع من أكتوبر 2023 ، عجزت الأنظمة العربية عن تحقيقه  على مدى تاريخ الصراع  العربي الصهيوني  منذ نكبة  1948 ، ولا زالت  كتائب القسام إلى جانب الفصائل " سرايا القدس وكتائب أبو علي مصطفى ، وكتائب المقاومة الوطنية ، وكتائب شهداء الأقصى وغيرها تبني على نصر السابع من أكتوبر ، انتصارات مجيدة في مواجهة العدوان البري الصهيو أميركي الأطلسي  الذي دخل يومه  أل (136) ، بحيث بات السؤال الجوهري المطروح  عملياً : ما هو مستقبل الكيان الصهيوني بعد هذه الحرب ؟؟ وليس مستقبل حماس والمقاومة.

وبعد :
تذكرت  وأنا أتابع تصريحات  الوزير شكري المشينة، الذي حافظ على موقعه الوزاري  إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك ، وفي عهد النظام الحالي ، ولم أستغرب ذلك  لأنه تاريخياً  من أشد المتحمسين لاتفاقيات كامب ديفيد، وللحفاظ على أمن الكيان الصهيوني  ولا يرى في قطاع غزة و فلسطين ، جزءاً وامتداداً للأمن القومي المصري ، على النحو الذي كان قائماً في عهد جمال عيد الناصر ، أو حتى في عهد محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا في  النصف الأول من القرن التاسع عشر .
ولا أبالغ إذ أقول أن سامح  شكري في تصريحاته هذه ، يتجاوز  انتمائه العميق لاتفاقيات كامب ديفيد  التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني ، وفتحت الباب  أمام اتفاقات التطبيع اللاحقة " أوسلو ووادي عربة ، وصولاً لاتفاقيات التطبيع الإبراهيمية منذ مطلع عشرينات القرن الحالي ، ويتطابق في موقفه مع موقف حكومة العدو وأسياده الأمريكان في الهجوم  على حركة حماس، ونعتها  بمختلف الأوصاف المسيئة.
  لقد تماهى  وزير خارجية مصر  ،مع ما طرحته  تسيفي ليفني -الجنرال السابق في الموساد ووزيرة الخارجية  السابقة في حكومة العدو - وفي الذاكرة التي لا تمحي حضور سامح شكري جنازة رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق شمعون بيريز بتاريخ 30 سبتمبر ( أيلول) 2016  ، وخروجه  ورئيس  السلطة الفلسطينية عن تقاليد المشاركة البرتوكولية المخزية في الجنازة، عبر استمرارهما  بالبكاء  والنحيب  ، وإن كان شكري تفوق على عباس في البكاء على رحيل فقيده الغالي  بيريز  طوال فترة التشييع، وكأنه ينتحب  على فراق قريب وعزيز عليه ، الأمر الذي أثار استغراب المراقبين، ، ما يؤكد صهيونيته بعيداً عن الانتماء الوطني  المصري والانتماء القومي العربي.


وفي إطار تفنيد المزاعم  التي تفوه بها أمام  منتدى ميونيخ نتوقف أمام ما يلي:
1-يزعم  سامح شكري، بأن حركة حماس خارج الإجماع الوطني الفلسطيني ، ويتجاهل حقيقة أن حماس حازت في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 ، على أغلبية أصوات الشعب الفلسطيني بواقع (74) مقعداً من بين (132) مقعداً في حين أن حصة حركة فتح بلغت (45) مقعداً ، ما دفع رئيس السلطة الفلسطينية، إلى  تكليف نائب رئيس حركة حماس آنذاك   "اسماعيل هنية" لتشكيل حكومة وحدة وطنية، التي على أثرها عملت الدول المانحة على محاصرة السلطة مالياً لفترة طويلة .
2-يضاف إلى ما تقدم  فإن قيادة حماس في إطار حرصها على الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام ، لم تقاطع أي اجتماع  دعا إليه رئيس السلطة ، ابتداءً من كونفرنس بيروت – رام الله  بتاريخ (3) سبتمبر 2020 ، مروراً باجتماع وثيقة  الشرف بالقاهرة لإجراء الانتخابات بتاريخ  (17) سبتمبر  2021، وصولاً   لاجتماع العلمين في مصر   في 30 يوليو (تموز) 2023،  ولا نحتاج إلى شرح حقيقة أن رئاسة السلطة هي من أفشلت هذه الاجتماعات  جراء مراهنتها على  المفاوضات البائسة، وإصرارها على أن تلتزم كافة الفصائل بما التزمت به قيادة المنظمة على نحو : الاعتراف بالكيان الصهيوني  ونبذ الكفاح المسلح  ألخ.
3- ويتجاهل شكري حقيقة أن الرأي العام الفلسطيني في غالبيته- وفق العديد من استطلاعات الرأي- ملتف حول خيار المقاومة الذي تمثله الفصائل، التي تمارس كافة أشكال المقاومة وفي مقدمتها الكفاح المسلح، ولا يلتف حول نهج السلطة الفلسطينية ، ويتجاهل حقيقة أن حماس وذراعها المقاوم – كتائب القسام - حلقة مركزية في الفعل الفلسطيني  المقاوم وأنها جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
 ومن ثم فإن حماس  والجهاد الاسلامي والشعبية والديمقراطية وغيرها من الفصائل والكتائب المسلحة ، في غرفة العمليات المشتركة في قطاع غزة ، وفي  الضفة الفلسطينية هي التي تمثل الاجماع الوطني،  وليس السلطة  الفلسطينية( سلطة الحكم الذاتي المحدود) التي يمكن التأريخ  لعزلتها عن الشعب الفلسطيني بشكل كبير ، منذ معركة سيف القدس التاريخية في مايو ( أيار ) 2021 ، مروراً بمعركة وحدة الساحات في أغسطس ( آب)  2022  ، ومعركة  ثأر الأحرار في  مايو ( أيار) 2023 ، ومعركة  بأس جنين  في يوليو (تموز) 2023 ، وصولاً  لمعركة طوفان   الأقصى  التاريخية ، جراء استمرار قيادة السلطة في المراهنة على  خيار المفاوضات الأوسلوي والتزامها بنهج التنسيق الأمني ،  وتنكرها لقرارات المجلسين الوطني والمركزي بشأن سحب الاعتراف بإسرائيل  وإلغاء نهج التنسيق الأمني .
4- اللافت للنظر أن سامح شكري يصطف علناً  إلى جانب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة  عندما يقول : " أنه يجب محاسبة كل من عمل على تعزيز قوة حماس وتمويلها في قطاع غزة" أي أنه يطالب محاسبة أطراف محور المقاومة ( إيران وحزب الله وسورية  وبقية أطراف المحور)  التي أمدت المقاومة بالسلاح  والمال والدعم السياسي ، والتي تضطلع الآن بدور فاعل  في إسناد المقاومة في قطاع غزة ، بعد أن نقلت موضوع وحدة الساحات من الإطار النظري إلى موضع التطبيق العملي.
5- والمضحك إلى حد السخرية،  أن يتهم  شكري حركة حماس بممارسة العنف ضد ( إسرائيل) وأنها لا تعترف ب ( إسرائيل) ، فالتزام حماس والجهاد والشعبية وغيرها من الفصائل ، بنهج المقاومة ورفض الاعتراف  بالكيان الغاصب ، وسام شرف يضعه الشعب الفلسطيني والأمة العربية على صدور قادتها ومقاوميها ،  لأن هذه الفصائل أمينة على استراتيجية الكفاح الفلسطيني، التي تقضي بتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني ، إدراكاً منها أن الصراع هو صراع وجود وليس صراع حدود ، وأن سمة هذا الصراع كما أكد حكيم الثورة د. جورج حبش كانت وستظل " تناحرية بامتياز.
 وأخيراً  نقول  : أن  ما طرحه سامح شكري، في مداخلته في مؤتمر ميونيخ  الأمني يبرهن ( أولا) أنه هو وأمثاله -وفق تصريحات العدو-  بمثابة كنز استراتيجي ل ( إسرائيل)  ويعكس ( ثانياً)  التزامه  الصارم  بأمن الكيان الصهيوني ،  وفق نهج   متصهين، يقضي بالاعتراف ب ( إسرائيل ) وبحقها في الوجود ، وبرفض  العنف الثوري ضدها ،  وهو بهذا الموقف يترجم  عمليا انتمائه لمعسكر أعداء الأمة ، متجاوزاً حتى مفردات كامب ديفيد على سوءتها وخطورتها على الأمن القومي المصري والعربي.
وسلوك سمح شكري وتصريحاته في مؤتمر ميونيخ،  ينسجم مع موقف نظام كامب ديفيد في مصر الذي يحكم  الخناق على قطاع غزة، بإغلاقه شبه الدائم لمعبر رفح ، بالتكامل مع الحصار والعدوان النازي الصهيوني على قطاع غزة ، لتمكين العدو من تحقيق أهدافه من الحرب ، لكن معطيات المعارك على مدى  (136) يوماً  أثبتت وتثبت أن يد المقاومة  لا تزال هي العليا ويد الكيان الصهيوني هي السفلى ، رغم الفرق الهائل في موازين القوى.

*كاتب وباحث فلسطيني