Menu

التاريخ يبدأ من غزّة

نذير جعفر

"كتب نذير جعفر"

من قال إن زمن المعجزات انتهى، وإننا نعيش نهاية التاريخ، ما عليه إلا أن يعيد النظر فيما قاله ويراجع حساباته على ضوء طوفان الأقصى وبركان الإرادة الذي انفجر في غزة وأطلق حممه التي نسفت نظرية أمن العدو الإسرائيلي، وزلزلت طمأنينته واستقراره بعدما اعتقد أنه في مأمن دائم لا يعكر صفوه مظاهرة هنا أو عملية هناك طالما هو الأقوى سلاحا وتأييدا أمريكياً وأوروبياً لسياسة القتل والتشريد التي يتبعها منذ احتلاله لفلسطين. 

ومن لم يرَ أو يسمع أو يصدق بأن معجزة حقيقية سطرها أهل غزة بل قل أسطورة لم يشهد تاريخ البشرية مثلها كتبت هذه المرة بدماء الشهداء ورسمت على أشلائهم وحجارة منازلهم ورددتها حناجر الأطفال والأمهات الثكالى نقول له تعال وانظر كيف للفتى أن يصبح رجلاً بين يوم وليلة فلا يكتفي بالمشاركة في المعركة بل يقودها ويخطط لها ويستقطب رفاقا له ليدخلوها ويقاتلوا حتى آخر طلقة وآخر شهقة وآخر ابتسامة مشرقة على شفتيه وهو يحمل نعشه ويمشي. تعال وانظر للأمهات اللواتي استشهد أبناؤهن وأطفالهن على أكتفاهن وصدورهن وأحضانهن ولم يبق من بيوتهن حجر على حجر، تعال وانظر وهنَّ يهلّلن ويقلن: ليهدم العدو البيوت سنبنيها من جديد مرة ومرتين وثلاثاً، وليطلق رصاصه الغادر على أطفالنا وشبابنا فليعلم أن فلسطين ولاّدة ولن تتوقف عن إنجاب الأبطال. تعال وانظر وتأمل يا من تنكر المعجزات لترى الطواقم الطبية التي تواصل الليل بالنهار في إسعاف المصابين ومداواة الجرحى تحت القصف الهمجي للعدو غير آبهة بالموت مردّدة مع الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود:

سأحمل روحي على راحتي   وألقي بها في مهاوي الردى 
فإما حياة تسرُّ الصديق       وإما ممات يغيظ العدى

تعال وانظر كيف يتحوّل الفتيان شباباً وشاباتٍ إلى مراسلين حربيين، وإلى مقاتلين أشداء، وإلى شهداء أحياء! إنه الطوفان حقاً، طوفان الإرادة، وطوفان النصر، وطوفان زعزعة أركان العدو وكسر غروره بقوته التي تبيّنت حقا «أوهى من بيت العنكبوت». فلا طائراته ولا دباباته استطاعت كسر إرادة المقاتلين، أو حرفها عن هدفها، بل أثبتت مرة أخرى إنها قادرة على تدمير البيوت والمدارس والمستشفيات وقتل المدنيين من نساء وأطفال وعجائز، تلك هي قوتهم العظمى التي يتباهون بها، وما أضعفها أمام طفل يرفع علم فلسطين بيد وعلامة النصر بأصابع يد أخرى، ما أضعفها أمام المحتلين أنفسهم الذين انهارت ثقتهم بقادتهم وبأساطيلهم الحربية وبحلفائهم فبدأوا يحزمون الحقائب استعدادا للعودة من حيث أتوا، ولعل ذلك من أهم نتائج صمود أهل غزة وارتفاع معنوياتهم وهزيمة العدو نفسياً وعسكريا أمام انتصار إرادة القتال الفلسطينية.  

أجل، إنها فلسطين وهذا وعدها، الكبار سيبقون أحياء في الضمائر ولن يموتوا كما ظنّ الصهاينة، والصغار لن ينسوا بل سيلقنّون العالم درساً في التمسك بقضيتهم وأرضهم والوفاء لدماء شهدائهم. 

التاريخ لم ينتهِ يا سادة، التاريخ يبدأ هنا من جديد، من غزة هاشم، من بركان الغضب الفلسطيني الذي لن يتوقف عن إطلاق حممه اللاهبة، ومن تلويحة شهيد وابتسامة فتىً في النزع الأخير، يبدأ ليمضي قُدماً لإحقاق الحق وتحرير الأرض، ألا فليخجل المطبِّعون، ألا فليتعظوا مما يشاهدون من معجزة شعب محاصر من الجهات كلها لكنه مؤمن بقضيته وبأن النصر في النهاية حليفه، ولن تثنيه عنه كل أشكال العدوان وأصنافه، تلك هي رسالته لمن يقرأ ما حدث بدءاً من السابع من أكتوبر حتى اللحظة الراهنة، تلك هي رسالته للداخل والخارج، وآن للعالم أن يقرأها جيدا، وآن للعرب جميعاً أن يقفوا وقفة رجل واحد معها لا ضدها.