Menu

سيمفونية المدافع .. وتحولات الذات

ناهض زقوت

"كتب ناهض زقوت"

رائحة البارود تملأ الجو .. وصوت الطائرات الحربية التي تهتز لها جدران البيت ترمي حممها القاتلة في كل الاتجاهات، ودبابات على الحدود متمركزة تطلق بشكل عنيف ومتواصل قذائفها باتجاه بيوت المواطنين الخائفين يحتضون أطفالهم على أمل حمايتهم من قذيفة أو شظايا قذيفة، ولكن لا أمان في ظل قصف يتلوه قصف، وشهيد يتلوه شهيد، وخوف يتسربل بالرعب، وعيون لا تعرف النوم في وسط هذا الجحيم الذي ينصب على الرؤوس من قذائف الدبابات التي تنطلق من الحدود الشرقية، صوت صفيرها يصم الآذان ويرهق الأعصاب في سكون الليل الغارق في ضوء القمر المكتمل الذي ينشر ضياءه يبدد وحشة الظلام.

الأذهان متيقظة والأعصاب قلقة، والجسد يرتعش مع كل قذيفة تنطلق، يهتز البيت والجدران لشدتها، فتشعر كأن البيت سيقتلع من جذوره.

أجلس على حافة السرير وأشعل سيجارة، أترقب القذيفة الثانية والثالثة .. والعاشرة، أسمع أحياناً صوت ارتطامها، وزجاج ينكسر، وصوت يصرخ في جوف الليل يناجي الله أن يرحمنا من هذا الجحيم.
يا الله ارحمنا من هذا العذاب
لم يعد في الجسد طاقة على الاحتمال
يا الله أريد أن أنام
يا الله أطفالي يصرخون .. لا يعرفون النوم
عاد الصوت يصرخ من أعماق الليل الساكن بالقهر والألم.

ومع كل صوت قذيفة ترعد في الفضاء، أسمع أصوات بكاء أطفال من بيوت الجيران، أفزعهم رعد القذيفة فهبوا صارخين يحتمون بأحضان أمهاتهم الخائفة.

والجندي السادي القابع في جوف دبابته يتلذذ في إطلاق القذيفة تلو القذيفة دون أي اعتبار أين تسقط قذيفته، على رؤوس الآمنين في بيوتهم، أم على النائمين بين أحضان أطفالهم، أم على جدار بيت ليسقط على رؤوس أطفال هدهم الخوف فناموا، والدموع ما زالت تغرق عيونهم.

ناهيك عن صوت الطائرات الحربية التي تجوب السماء محملة بالصواريخ، تركز أهدافها واحداثياتها لتنطلق صوب منزل تدمره على رؤوس ساكنيه، ليتحولوا شهداء أو مصابين تحت الأنقاض. لم أعد أميز بين القذيفة والصاروخ في انطلاقهما في آن معاً نحو هدف مقصود يمحو سجله السكاني.

لم يعد يدرك الفلسطيني في غزة أي الأيام أكثر دموية، ينام على مذبحة ويصحو على مجزرة، وكل منزل يستهدف هو مزيد من الشهداء، لا يوجد بيت دون شهداء إذا اقتربت منه الطائرات.

اليوم في الحرب يختلف كلياً عن اليوم العادي، يفرض عليك أن تمارس طقوساً لم تكن في يوم من الأيام ضمن جدول أيامك، أن تجلس في البيت فترة طويلة، وأن تجلس أمام شاشة الجوال ساعات في حال توفر الانترنت، وأن تفتح حواراً بهدف التسلية مع النازحين في بيتك، والأهم أن تنام على سيمفونية مدافع الدبابات، وعلى صوت هدير الطائرات الحربية تغطي سماء قطاع غزة، أما طائرة الاستطلاع فهي مفروضة عليك كالموت لا تغادر الأجواء، ولا تتزحزح زنتها من دماغك، وإذا غابت تشعر بالقلق، وتقول يا ساتر لماذا اختفت، هل ثمة قصف في الجوار؟. ناهيك عن طائرات التجسس الأمريكية والبريطانية التي تراقب نومك على السرير.

تصحو صباحاً بشعور المولود الجديد الذي خرج للحياة بعد الشعور بأن الموت كان قاب قوسين أو أدنى منك. في الصباح تنهض متثاقلاً من السرير بعد ليلة قاسية ملؤها الخوف والرعب أن يسقط صاروخ فوق منزلك، فتجد نفسك تحت الركام، أو يسقط زجاج الشبابيك على رأسك، أو على أحد أفراد عائلتك من قصف منزل بجوارك.

هذا ما حدث يوماً، كنت جالساً على المكتب أتابع الأخبار، فجأة رأيت النيران والدخان قادمة أمامي من البلكون، وصراخ زوجتي وأبنائي والنازحين في بيتي من هول الضربة، فلم يعد أمامي مجال للهروب، ولكن انحسار الدخان شجعني على الوقوف في البلكون لاستطلاع ما حدث، فكان صاروخاً نازلاً على منزل الجيران، والناس في الشارع تجمعت، فنزلت إلى الشارع لأعرف أحوال الجيران، فكان بينهم شهداء وجرحي، والمنازل المجاورة تدمرت بفعل قوة الصاروخ الذي دمر المنزل وواجهات المنازل المجاورة، ومع حضور الإسعاف كان شباب الحارة قاموا بواجب الإنقاذ فحملهم الإسعاف إلى المشفى، وعادت الحياة في الشارع إلى طبيعتها، وبدأ السكان في جمع الردم والركام من أمام بيوتهم لفتح الطريق.

وقد تكرر المشهد أكثر من مرة، ولكن بطرق مختلفة، وقوة تدمير أكبر، احداها طال شبابيك منزلي، وأصبحت محاطاً بعدد من المنازل المدمرة.وتستمر الحياة على غير عادتها، وسط النار، ولكن الإصرار على الحياة يدفعنا للعيش فيها.

تناولت ساندويش ليس مهماً ما يحتويه، فلم يعد لك خيار، وليس أمامك بدائل، إما فول أو جبنة بيضاء من أسوء الأنواع مع فنجان القهوة، وتجلس على الكنبة في الصالون تنظر في جدران البيت إلى اللاشيء، تبقى هكذا ساعات، ثم تقوم إلى البلكون تنظر إلى حركة الناس في الشارع، وإلى عامل النظافة يجمع قمامة الشارع، لا تجد جديداً قد طرأ على حياة الناس، يسيرون متجهمين الوجوه، والابتسامة لا تعرف طريق شفاههم، والخوف من القادم في عيونهم. هائمون على وجوههم لا يعرفون مصيرهم بعد لحظات.

تعود إلى كنبة الصالون، ثم تقوم تتمشى في المنزل، تدور حول نفسك بعض الوقت دون أن تدري ماذا تفعل. تقرر أن تخرج إلى السوق لشراء بعض الحاجيات لإعداد غذاء اليوم، لأن الخضروات أصبحت تشترى يومياً لإعداد الطعام، فلم يعد هناك ثلاجة لحفظ الخضار مع الانقطاع التام للكهرباء منذ بداية الحرب.

لم يعد سوق النصيرات مكانا للتسوق لشدة الزحام بدرجة لا تطاق، تسير ببطء وأنت تتلفت حولك خوفا من أن تصدمك عربة كارو وسيلة المواصلات التي تتسيد مشهد النقل في ظل الحرب. المحلات التجارية أغلقت أبوابها بعد نفاذ بضائعها، وكل ما يباع في السوق هو من المساعدات، التي لا يراها المحتاجين أو النازحين إلا قليلاً، ولكنها في السوق معروضة بشكل كبير وبأسعار خيالية، فقد وصل كيس الطحين الذي وزنه 25 كيلو إلى 500 شيكل بعد أن كان 40 شيكلاً، وهكذا باقي المواد الغذائية والتموينية.

أما الخضار فحدث ولا حرج في أسعارها فهي مضاعفة لا يستطيع شرائها إلا من لديه المال، فمن أين للذين دمرت بيوتهم وخرجوا نازحين بملابسهم الشخصية المال لكي يعتاشوا، فباعوا المساعدات لتوفير بدائل محرومين منها، ولكن ليس كلهم.

لقد وصل عدد النازحين في مخيم النصيرات من أحياء غزة وشمال غزة إلى ما يقارب نصف مليون شخص، يتوزعون في مدارس الايواء التابعة للأونروا، أو للحكومة، كل مدرسة لا يقل عدد النازحين فيها عن ستة آلاف شخص، بالإضافة إلى آلاف النازحين في بيوت الأصدقاء والأقارب والمعارف، ومن لا يعرف أحداً بنى خيمة في الساحات العامة، أو استأجر مخزناً ليقيم فيه مع أسرته، وثمة مشردين رأيتهم في الشوارع.

في السوق بحثت عن محل لكي أشحن البطارية والجوال. من الصعوبة أن ينفصل الانسان عن العالم، ويعيش منعزلاً عن الكرة الارضية التي أصبحت قرية صغيرة، إلا أننا في غزة يريدوننا منعزلين عن تلك القرية بقطع الكهرباء والاتصالات والانترنت، ليرتكبوا ما شاءوا من المجازر بعيداً عن أعين شعوب العالم. لذلك نحاول في غزة تحدي إرادتهم وتجاوز العزلة والبحث عن بدائل للإضاءة وشحن الجوالات لكي نبقى على تواصل مع تلك القرية التي تخلت عنا، وكانت البطاريات هي البديل، ولكنها تحتاج إلى شحن يومي ودفع نقود بدل الشحن بقيمة عشرة شواكل، يعني مصروف جديد يثقل كاهل أهل غزة، لأن الشحن يوازي الماء والطعام لا غنى عنهم.

في الطريق إلى السوق تشاهد الناس النازحين من بيوتهم في الشوارع يطهون طعامهم ويخبزون خبزهم على النار. بعد انقطاع كل مقومات الحياة من كهرباء ووقود وغاز الطهي. في هذا اليوم قررت زيارة مدرسة الإيواء القريبة من مكان سكني.

دلفت إلى المدرسة من بوابتها الرئيسية المكتظة بالنازحين من نساء وأطفال ورجال، الكل يبحث عن شيء غائب عنهم، يبحثون على وسائل العيش والحياة، في داخل المدرسة أول ما يواجهك الرائحة الكريهة للمكان، فالنظافة معدومة لعدم توفر المياه لنظافة المكان، وحتى للنظافة الشخصية، أطفال بثياب متسخة، ونساء متوشحات بالسواد، ما أدى إلى انتشار الأمراض المعدية والجلدية والتنفسية بينهم خاصة بين الأطفال وكبار السن.

داخل المدرسة أوضاع كئيبة ومزرية لأحوال قاطنيها، خيام منتشرة ومتلاصقة في ساحة المدرسة، مليئة بالأطفال والنساء من كافة الاعمار، والصفوف في طوابقها الثلاثة مليئة بالنازحين، كل فصل لا يقل عدد المتواجدين فيه عن 50 فرداً، تشاهد ملابسهم منشورة ومعلقة على الشبابيك في لوحة تشكيلية تضم كل الألوان، لم يرسمها فنان، بل رسمتها تداعيات الحرب، والنكبة الجديدة للشعب الفلسطيني، كل زاوية في ممرات المدرسة مليئة بالخيام، وبينها ممرات توصل إلى مكتب الادارة، أو العيادة الطبية، تجولت بين الممرات حتى وصلت إلى مكتب الادارة المحاط بأسوار حديدية عليه بوابة حديدية، وجدت طابوراً طويلاً وزحاماً شديداً أمام مكتب الادارة، وحارس أمام البوابة الحديدية يصرخ في المتواجدين. سألت أحد الواقفين في الطابور، لماذا تقفون؟. قال: هناك مساعدات للنازحين من خارج المدرسة توزع علينا. وعرفت لاحقاً أنه في كل يوم بعد يوم يتم توزيع مساعدات قليلة على النازحين غير المقيمين في المدرسة، وهي عبارة عن علبة فول، أو علبة جبنة، أو علبة تونة، أو علبة فاصولياء، أو علبة لحمة، وغيرها من المساعدات التي تأتي عبر شاحنات الاونروا، ونصيب النازح من الخارج صنفين فقط وتلك الأصناف متغيرة كل يومين، وفي هذا اليوم كان التوزيع لعلبة جبنة وصنف آخر.
ومن أسوء معاناة يواجهها النازحون هي الدخول إلى الحمام لقضاء الحاجة، حمامات المدارس محدودة، فتجد أمامها طوابير من الرجال والاطفال والنساء يقفون في انتظار دخول الحمام، وأحياناً يتعاركون لمن الأولوية.

تشاهد في عيون النازحين حالة الذل والانكسار والجوع. غادرت المدرسة وأنا أشعر بالاختناق مما رأيته أمامي من مآسي ومعاناة حقيقية لشعب تخلى عنه العالم وتركه ليواجه مصيره منفرداً. خيام لا تقي من المنخفض الجوي القادم من عواصف وأمطار غزيرة، تغرق الخيام ويمكن أن تتطاير في الهواء، وتجرف السيول أماكن نومهم وأغطيتهم وأغطية أطفالهم. خيام من القماش والخيش والنايلون والاخشاب، وليست خيام مصممة لمواجهة الأعاصير والأمطار، ليس هناك أية جهة دولية أو حتى الاونروا وزعت عليهم خيام، بل هم صنعوها لكي يسترون على أنفسهم، ويحمون أطفالهم من البرد والمطر، فلم يعد لهم مكان آخر يذهبون اليه بعد أن فقدوا بيوتهم ودمرتها الطائرات الاسرائيلية.

الحياة في غزة أصبحت عبارة عن طوابير، طوابير أمام تعبئة المياه، طوابير أمام المخابز، طوابير أمام شحن البطاريات، طوابير أمام تعبئة اسطوانة الغاز، طوابير أمام مراكز التموين، طوابير أمام تلقي المساعدات. في كل طابور مئات الناس، ثمة طابور للرجال وطابور للنساء، ويتجاوز الطابور أحياناً نصف كيلو متر من أجل الحصول على جزء من مقومات الحياة.

ومن روايات الطوابير الغزاوية: أن أحد الأخوة اتفق مع أخيه أن يبقى في طابور الحصول على ربطة خبز، وهو سوف يذهب ليدفن أخيهم الآخر الشهيد.

في الطريق تشاهد بكل ألم آثار القصف والتدمير للمنازل والمحال التجارية، أكوام من الحجارة وأسياخ الحديد والركام منتشرة في وسط الشارع، منازل كانت قبل أيام عامرة بالسكان يرسمون أحلام مستقبلهم، قضى عليها صاروخ حرق أجسادهم وراكم طبقات البيت فوق رؤوسهم، مازال بعضهم تحت الأنقاض لم يستطع الدفاع المدني إنقاذهم.

تعود إلى البيت صامتاً والألم ينهش صدرك مما رأيت، تلقي بالحاجيات في المطبخ، وتعود إلى الكنبة تفتح الموبايل لتتأكد من وجود شبكة اتصال وانترنت لتطمئن على الأصدقاء والمعارف والأقارب ماذا فعلت بهم الحرب؟. أصبح الشعور بوجود الانترنت أغلى من وجود المياه لأنه مفتاحك على العالم لتعرف أخبار الحرب، وأين قصفت الطائرات، ومن استهدفتهم بالموت، وما البيوت التي قصفت، وكم أعداد الشهداء والمصابين، وما الآراء والمواقف المتباينة من الحرب، ومتى ستقف الحرب، السؤال الذي على كل لسان؟.

بعد الغداء يتجمع كل أفراد البيت في الصالون، كل يبحث في موبايله عن أخبار الحرب وصور وفيديوهات لما فعلته آلة الحرب من تغيير لمعالم غزة، فليس ثمة مجال للترفيه، بعد ساعتين أو ثلاث ساعات ينقطع الانترنت وشبكة الاتصال، ويعود الصمت والانقطاع عن العالم.

وتبقى طائرة الاستطلاع في سماء بيتك تعوي بصوت مزعج يثير الاعصاب، ويحول حياتك إلى قلق مما ينتظر مصيرك في سكون الليل.
ما زلنا نعيش الحياة في غزة التي أصبحت أقرب إلى الموت.