Menu

طوفان الأقصى زلزلة الواقع وزلزلة المفاهيم

د. يوسف كفروني

"كتب د. يوسف كفروني"

فشل الكيان الصهيوني في تحقيق أي إنجاز عسكري في حرب الإبادة التي يشنهّا على غزّة، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على عدوانه ردا على عملية المقاومة الفلسطينية طوفان الأقصى في  السابع من تشرين الأول 2023، ويستمر في رد انتقامي مجنون يستهدف قتل وإبادة المدنيين: الأطفال والنساء والشيوخ والمواليد  الجدد، وتدمير المنازل والكنائس والجوامع والمدارس والمستشفيات.

يرتكب الصهاينة مجازر لا سابق لها في تاريخ البشرية، مجازر تخالف كل الأعراف والقيم الإنسانية وتخالف القوانين الدولية وتستوجب الملاحقة والمحاكمة. وكل هذا أمام صمت الدول الغربية ودعمها  بالأساطيل والسلاح والخبراء والمستشارين والمرتزقة. وتقوم الإدارة الأميركية بالدور الأكبر وكأنالحرب فعليا هي الحرب الأميركية على غزّة وليس فقط حرب الكيان الصهيوني، وتستخدم حق  الفيتو ضد قرار غالبية الدول لمنع وقف العدوان والجرائم الصهيونية ضد سكان غزة المدنيين.

أكثرما يحزّ في النفس هوصمت بعض الدول العربية أمام ما يجري وعدم اتخاذ أي خطوة ضد الكيان  الصهيوني، لا بل تستمر في مسار التطبيع ويشترك بعضها في دعم العدوان.
 
زلزلة طوفان الأقصى
السابع من تشرين الأول تاريخ عملية طوفان الأقصى هو محطة فاصلة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، لن تتوقف ارتددات زلزاله على الكيان الصهيوني وحده بل ستشمل الإرث الاستعماري في المنطقة العربية وتزايد الوعي العالمي لدى الشعوب وخاصة شعوب الدول الاستعمارية التي بدأت تدرك النفاق والتضليل الإعلامي لحكوماتها وعدالة قضيتنا والظلم اللاحق بنا من السياسات  الاستعمارية ومن وكيلها في المنطقة الكيان الصهيوني.

قبل طوفان الأقصى تمادت الغطرسة الإسرائيلية إلى أبعد الحدود وازداد تهافت المطبعين العرب مع الكيان الصهيوني وازداد التشرذم في المجتمعات العربية وجرى طمس الهوية القومية وترسخّت الهويات الكيانية التي أرساها الاستعمارالغربي وجرى العمل على زيادة تقسيمها إلى هويات عرقية  وعشائرية وطائفية ومذهبية.

وعاد الاستعمار الغربي بوجهه الأميركي ليدمر العراق جيشا ومجتمعا ويستكمل حربه بفوضى الربيع الذي دمّر المجتمعات العربية وباستغلال الدين الإسلامي وتشويهه بخلق تنظيمات دينية متطرفة تعمل وفق مصالحه وأجندته السياسية.

والعمل المتواصل على إحداث فتنة سنية شيعية وتحويل العداء باتجاه إيران بدل الكيان الصهيوني. وكما عمل الاستعمارالغربي على تقزيم اسم سورية التاريخية عمل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على شطب اسم فلسطين سورية الجنوبية من خلال الإعلام الغربي الداعم له، وعمل من خلال مستوطناته على تمزيق الواقع الفلسطيني ومنع تواصله العمراني ووحدة حياته.

وتحوّل الفلسطينيون في فلسطين التاريخية إلى شبه أسرى في منعزلات غير مترابطة خاضعين للاحتلال العسكري الصهيوني محرومين من الحقوق معرّ ضين في  كل وقت للاضطهاد والتشريد والمصادرة والسجن والقتل.

حمل طوفان الأقصى خمسة وسبعين عاما من قهر وإذلال الاستيطان الصهيوني وجرائم الإبادة والتهجير والتشريد، يضاف إليها أكثر من ربع قرن من تآمر الاستعمار الغربي من سايكس بيكو إلى وعد بلفور لتثبيت الكيان الصهيوني والسعي لإلغاء وجودنا القومي والحضاري المتواصل منذ ما  يقارب العشرة آلاف سنة.

استفاد المقاومون من تجارب الخبرات السابقة ومن التقدم العلمي والمعرفي في بناء القدرات القتالية وتطويرها، وعملوا على تنقية المجتمع الداخلي من العملاء والجواسيس، ومضوا بالعزيمة والإيمان  يستهزئون بالموت.

 لذلك جاء طوفان الأقصى زلزالا فاجأ الكيان الصهيوني وجيشه واستخباراته ومراصده وتقنياته، وأسقط هيبته وقوة ردعه بنقل المعركة إلى داخله، وأحدث رعبا كبيرا داخل المجتمع الإسرائيلي الذي  ظهرت هشاشته وتفككه وانعدام جذوره.

 الزلزال الذي أحدثه طوفان الأقصى زعزع الواقع وعرّى المفاهيم

زعزع واقع الكيان الصهيوني وواقع المجتمعات العربية وأحدث تحولا كبيرا في الرأي العام العالمي، وكشف الأقنعة عن زيف المفاهيم التي يتغنى بها الغرب: مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل والقوانين والقرارات الدولية والمجتمع الدولي، والقيم الإنسانية التي  صاغتها تجارب البشر والحضارة الإنسانية عبر آلاف السنين.

 سقوط دور ووظيفة الكيان الصهيوني
للكيان الصهيوني وظيفتان: الأولى هي وظيفة القاعدة والحامية للإمبراطورية الغربية وممثل لها في المنطقة العربية، والوظيفة الثانية هي أمن اليهودي الذي لا يتأمن إلا في دولة يهودية والهيمنة المستندة إلى أفكار مغرقة في العنصرية ترجع في جذورها إلى نصوص توراتية وتلمودية لا تزال  مقدسة عند البعض.

سبقت الصهيونية المسيحية الصهيونية اليهودية بثلاثة قرون، وقد نشأت في بريطانيا مع تحولها إلى إمبراطورية عظمى وذلك في أوساط قادة عسكريين ورجال دين دعوا إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين تشكل قاعدة وحامية للحضارة الغربية، وانتقلت هذه الصهيونية المسيحية إلى أميركا حيث تمت رعايتها وزاد نفوذها .وتنظر الإدارة الأميركية بكل أحزابها إلى الكيان الصهيوني بصفته قاعدة  وحامية للإمبراطورية الأميركية.

ونشأت الصهيونية اليهودية في منتصف القرن التاسع عشر وأعلنت رسميا أواخر هذا القرن مع  تيودور هرتزل في مؤتمر بال في سويسرا.

أضاف هرتزل إلى وظيفة القاعدة والحامية وظيفة خاصة باليهود، وهي أن اليهودي هوإنسان مضطهد في أي بلد يكون فيه لذلك عليهم أن يعيشوا في بلد خاص بهم، وبعد أن استقر الرأي على فلسطين لاعتبارات دينية جاذبة لليهود أكثر من أي مكان آخر، أصبحوا انطلاقا من النظرة اليهودية المغلقة يفكرون ويخططون لدولة عظمى تتجاوز حدود فلسطين لتشمل من الفرات إلى النيل، الهلال  الخصيب، والبعض ذهب لأبعد من ذلك ليصل إلى أرض الحجاز.

بعد حرب 1973 تركّزت الخطة الصهيونية على ضرب المجتمعات العربية لتفتيتها على أسس دينية وعرقية ومذهبية. وقد حققت الخطة نجاحا كبيرا خاصة في حرب لبنان وفي تأجيج الصراعات  المذهبية خاصة الصراع السني الشيعي.

لقد استطاعت عملية طوفان الأقصى أن تظهر ضعف الكيان الصهيوني وضعف قوة ردعه وإمكانية  هزيمته التي بدأت مع اضطراره للانسحاب من لبنان عام 2000 وفشل حربه ضد المقاومة 2006

وانكشف ضعفه الأكبر في عملية طوفان الأقصى مما استدعى تدخلا مباشرا من أميركا والدول الغربية، وظهر فشله بشكل كبير بعد عجزه عن تحقيق أي هدف من أهدافه رغم حرب التدمير  والإبادة على غزّة. 

لقد استنفد الكيان الصهيوني وظيفته كقاعدة وحامية عسكرية وكشرطي للدولة الإمبراطورية في  المنظقة العربية.

الفشل الثاني  لوظيفة هذا الكيان هو عدم تحقيق الأمان لليهودي في الدولة المزعوم أنها المكان الوحيد  لأمانه.

اليهودي اليوم يشعر أنه بأمان في أي دولة إلا في دولة الكيان الصهيوني ،لذلك فسيل الهجرة المعاكسة بازدياد ولن يتوقف. والحلم الصهيوني بدأ يتحول إلى كابوس، والأمان لن يتحقق للصهاينة حتى يعودوا من حيث جاؤا هم أوأسلافهم، فهم ليس لهم جذور في أرض فلسطين بل جذورهم هي حيث مقابر أجدادهم  في الدول الأوروبية والأميركية ومن حيث أتوا ،وجوازات سفرهم الأوروبية أو  الأميركية جاهزة  في جيوبهم.
 
 تعرية المفاهيم العنصرية
لطالما تغنت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بالديمقراطية وحقوق الانسان  وحقوق المرأة والطفل وحرية التعبير والعمل على محاسبة من ينتهك بزعمهم هذه الحقوق.
جاء طوفان الأقصى ليفضح هذه المزاعم وشاهد العالم كله صمت الحكومات الغربية وخاصة الإدارة الأميركية على جرائم الإبادة التي ترتكب بحق المدنيين العزل من أهل غزة. ولم يكتفوا بالصمت بل استمروا بدعم جرائم الكيان الصهيوني، ومحاسبة من يتظاهر ضده ويعترض على ممارساته 

 الإعلام الغربي كان منحازا للعدوان الصهيوني ومبررا لكل الجرائم المرتكبة ضد المدنيين.

هنا برزت أهمية الإعلام العسكري للمقاومة في تبيان فشل العدو وحجم خسائره، ولعب الصحفيون  دورا كبيرا في فضح الجرائم الصهيونية لذلك تم اغتيال المئات منهم.

 ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في فضح هذا الإعلام الغربي وأحدثت انقلاب الوعي في المجتمعات الغربية، حيث عبرّت شعوبها على رفضها لسياسات حكوماتها بعد مشاهدتها للتطهير العرقي والإبادة التي يقوم بها الصهاينة ضد أهل غزة، وبعد تأكدها من ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع حرب أوكرانيا وحرب الإبادة في غزة. وبعد سماعهم لأقوال وزراء وحاخامات ومسؤولين في الكيان الصهيوني يصرحون بدون خجل: " يجب ضرب قنبلة نووية على غزة"

"يجب تدمير غزة وتهجير سكانها"، "يجب قتل الجميع بدون شفقة" ، "الفلسطينيون وحوش وبهائم"

 " نحن لا نعترف بالقانون الدولي لنا قانون التوراة" ،" يجب سحق رؤوس الأطفال على الصخر" . 

هذه الأقوال وغيرها من الأقوال العنصرية هي صدى لنصوص توراتية وتلمودية موجهة ضد كل من هو غير يهودي، وهذه النصوص التي يرد دّها كتاب ومسؤولون ورجال دين ليست مجرد نصوص تاريخية لمرحلة مضت بل هي نصوص يستعاد إحياؤها من قبل مجموعات واسعة من اليهود الصهاينة، وهي تمثل خطرا حقيقيا ليس على الفلسطينيين والشعوب العربية فقط بل على كل  شعوب العالم.

" يكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك، بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك، ويلحسون غبار  رجليك" إشعياء 23:49
  "طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة" مزمور 9:137
 "اقتل رجلا وامرأة،طفلا ورضيعا" صموئيل الأول 15:3

من يقرأ سفر يشوع بن نون في العهد القديم من الكتاب المقدس يجد تكرار الأوامر الإلهية بالإبادة  لجميع السكان دون تمييز بين طفل ورضيع وامرأة وشيخ، هذه الثقافة العنصرية الإجرامية لا تزال متبعة عند كثير من الصهاينة اليهود والصهاينة المسيحيين.

وهي تمثل خطرا حقيقيا يجب العمل على إزالته، فإذا كان الصهاينة يتدخلون في المناهج التربوية الإسلامية لتعديل بعض الآيات والأحاديث المتعلقة بنظرة سلبية إلى اليهود ولكنها لا تدعو إلى إبادتهم أو قتلهم أو اضطهادهم، فكيف يجب التعامل مع النصوص التوراتية والتلمودية الموجهة ضد كل  الناس وتدعو للتسلط والهيمنة والقتل والإبادة.

 وحدة الساحات وإسقاط الفتنة السنية الشيعية
عملت أميركا ومعها الكيان الصهيوني على إشعال العصبيات المذهبية والعرقية في العالم العربي وكان التركيز بشكل كبير على الصراع السني الشيعي، ورصدت المليارات من الدولارات لذلك  جندّت إعلاميين ووسائل إعلام وأحزاب من الجهتين لتأجيج هذا الصراع.

طوفان الأقصى قامت به قوى تنتمي للطائفة السنية وصرحت علنا بأن الدعم بالمال والسلاح والتدريب والخبرات جاء من قوى تنتمي للطائفة الشيعية، وبعد الهجوم البري على غزّة جاء الدعم للمقاومين بفتح جبهات من لبنان والعراق واليمن، حيث القوى الفعلية في هذه الساحات هي بمعظمها من الطائفة الشيعية، وجاء الالتفاف الشعبي نصرة لأهل غزة من جميع الشعوب العربية على اختلاف  طوائفها. 

وبذلك يكون طوفان الأقصى قد ساهم بشكل عملي بوأد الفتنة السنية الشيعية، وتأتي وحدة الساحات لتؤكّد على وحدة الحياة ووحدة الشعب في المنطقة التي تشمل بالغالب بلاد الشام والعراق أو ما يعبر عنه بسوراقيا أو سورية الطبيعية أو الهلال الخصيب. وتشكّ ل وحدة الساحات هذه بداية الرد على سايكس بيكو الذي قسّم هذه المنطقة 1916 ليسهّل تمرير وعد بلفور المقدمّة الضرورية لإقامة كيان الاغتصاب الصهيوني وتهديد المنطقة العربية بمجملها وإرباكها باستمرار لتبقى في حالة التخلفّ  والتبعية وللسيطرة على مواردها وخيراتها.

 أخيرا تبقى فلسطين بوصلة السياسة والأخلاق ودليل الإنسانية.