كتب غسان أبو نجم*
عندما وصل مشروع أوسلو إلى طريق مسدود وتلاشت الرهانات على المحتل الصهيوني وشركائه الدوليين في تحقيق الوعود والالتزامات التي تم الاتفاق عليها في أوسلو وأصبحت السلطة الفلسطينية أداة من أدوات الاحتلال الصهيوني في قمع المقاومة الوطنية الفلسطينية جرى البحث عن بدائل سياسية لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال فتم طرح مشاريع سياسية مثل الدولة الواحدة يعيش فيها الشعب الفلسطيني والصهاينة واعتبرها منظروها أنها هروب للأمام في مواجهة المشروع الصهيوني. إن شعار الدولة الواحدة والرؤى لهذه الدولة تكوينها طرق تحقيقها ومواطنيها ومناقشة أوضاع ساكنيها والأحقية التاريخية والحقوقية للقاطنين موضوع غاية بالأهمية أغفلها منظرو هذا المشروع. والأهم لماذا مناقشة مشروع الدولة الواحدة في هذا التوقيت بالذات وفي هذه المرحلة، مرحلة التحرر وطني، أم أنه حرق للمراحل الذي سيؤدي وبالضرورة إلى نتائج نظرية خاطئة.
إن مرحلة التحرر الوطني مرحلة انتقالية صراعية تناقضية بين صاحب الحق والمغتصب، المحتل، المستولي على الملكية العامة، الأرض، الكيان السياسي والمعنوي للشعب بطرق القوة العسكرية، والمغتصب للملكية الخاصة لكل فرد من أفراد هذا الشعب، الأرض، المنزل، وسيلة الإنتاج، مما يعني أن هذا التناقض سيستمر حتى إيجاد حل مناسب له بالقوة العسكرية (الحرب)، أو التفاوض وبكلا الحالتين سيتحدد ماهية الحل لهذا التناقض والآلية العملية لتحقيقه.
إن الشكل السياسي للحل المفضي لهذا الصراع وبإحدى الوسيلتين السابقتين أو بكليهما، ستحدده الشروط الموضوعية التي انتجت هذا الحل السياسي، فالانتصار بالحرب على المحتل الصهيوني سيفرض شروط الطرف المنتصر الفلسطيني التي بالضرورة ستأخذ بالحسبان مشاركة كل القوى التي ساهمت في تحقيق هذا الانتصار حتى لو كانت قوى أو أفراد من الطرف الآخر المغتصب ويتحدد الشكل القانوني الحقوقي لوضعهم المدني من قبل الطرف المنتصر وهنا يسقط عنهم صفة الاحتلال أو الاغتصاب ويتحول هؤلاء إلى مواطنين كاملي المواطنة تحت السلطة السياسية للمنتصر شريطة إسقاط حقهم بالاغتصاب بالتقادم للأرض أو المنزل أو وسيلة الانتاج فمشاركتهم في تحقيق الانتصار لا يعني أبداً استمرار أحقيتهم في الاستيلاء على ما لا يملكون طبعاً باستثناء وحيد هو، اليهود القاطنون في فلسطين ما قبل الاحتلال فهم مواطنون طبيعيون فلسطينيو الهوية ويهوديو الديانة.
إن مناقشة وضع الدولة المستقبلية تنطوي على مغامرة سياسية ليس من ناحية امتلاك الرؤيا لأفق الحل النهائي للصراع العربي الصهيوني وإلى ماذا سيؤول مستقبل هذا الصراع وإنما الدخول في جدلية تكوين الدولة، تفكيك الكيان القائم، وضع المغتصبات المنتشرة في كل أرجاء فلسطين، الوضع القانوني والحقوقي لبقايا فلول المغتصبين والعديد من الإشكالات السياسية والحقوقية المتوقع حدوثها في مرحلة بناء هذه الدولة، جميعها تؤشر إلى أن طرح ماهية هذه الدولة هو المغامرة السياسية بعينها.
إن مرحلة التحرر الوطني مرحلة ذات صيرورة تاريخية تدفع إلى الواجهة قوى ومستجدات وأحداث متغيرة طبقاً لظروف نشأتها الموضوعية فمن تراه اليوم قائداً متنفذاً لهذه المرحلة، يمسي ثانوياً في مراحل أخرى وكذلك العكس صحيح ضمن هذه الصيرورة وهذا لا ينطبق على طرف واحد من طرفي الصراع وإنما ينطبق أيضاً على الطرف الآخر، العدو مما قد يغير شكل التناقض من رئيسي لثانوي أحياناً ويمكن العكس مما يفترض تغير برنامج المرحلة السياسي طبقاً لتغيير طبيعة التناقض مما يقود إلى نتيجة حتمية مفادها أن لا تحديد لماهية الدولة الواحدة ما قبل إنجاز مرحلة التحرر الوطني.
لم تفد الثورات العالمية عبر التاريخ، الصين، روسيا، فيتنام كنماذج إن تجاوزت هذه الثورات مرحلة التحرر الوطني ودخلت في مرحلة ما بعدها (تكوين الدولة) وأكدت ما ذهبنا إليه من أن شكل الدولة يختلف طبقاً لاختلاف شروط تكونها في مرحلة التحرر من الاستعمار وهذا ما تؤكده الاختلافات الجوهرية في شكل الدولة الروسية عن الدولة الصينية والفيتنامية. فالعامل الروسي الذي أنجز مهمات بناء الدولة ليس هو الفلاح الصيني الذي أسس لبناء دولة اشتراكية وكذلك النموذج الفينامي، فالفلاح البليد في الثورة الروسية هو الفلاح الثائر المتفتح في الثورة الصينية وكذلك الفيتنامية (من حيث التحديد النظري لمن هو الفلاح) مما أعطى خصوصية واضحة لشكل الدولة في كل بلد رغم الالتقاء بالجوهر.
قد يذهب البعض إلى توجيه تهمة التراتبية في إنجاز المراحل ما قبل الثورة وبعدها لما أوردته أو فرض الاستاتيكيا التاريخية لتوصيف المراحل ولكن نظرة علمية صائبة لطبيعة الصراع العربي الصهيوني تدحض هذه التهمة إلا إذا أصر أصحاب هذا الفهم على عدم الاعتراف بأن هذه المرحلة من الصراع هي مرحلة تحرر وطني وهي بالتاكيد مرحلة ما قبل تكوين الدولة.
يتبع...
*كاتب فلسطيني

