Menu

هل ترسخ معركة طوفان الاقصى الوحدة الوطنية؟

موسى جرادات

FB_IMG_1704095097505.jpg

من ناقل القول إن الحياة السياسية الفلسطينية كانت في أسوأ أوضاعها طوال أكثر من عقدين من الزمن ، ففي الوقت الذي انطلقت فيه انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠ ، كانت محاولة مجتمعية ملحمية، تهدف بالدرجة الأولى إلى إخراج المسار السياسي الفلسطيني عن سكة أوسلو وملحقاته بعد أن أتضحت الصورة بشكلها النهائي الذي لا يقبل النقاش والجدل.

فالمحتل لا يريد بأي شكل من الأشكال أن يقدم على تسوية يعطي فيها الفلسطيني بعض حقوقه، يريده فقط في القفص الصهيوني ، خاضعا وتابعا دون حقوق إنسانية أو وطنية، عبر اعتماده على فرض إرادته بقوة الحديد والنار .

وبقيت الحالة الفلسطينية تراوح مكانها، فلا هي قادرة على لملمة جراحها و شتاتها، ولا هي قادرة على الإفلات من الإرث التاريخي المجبول بالنضال والمقاومة، ولم يكن الخلل الذي أصاب الجسم السياسي مرتبط فقط بظروف داخلية صرفة ، بل تعداها إلى الظرف الإقليمي والدولي الذي انشغل بقضايا أخرى، حتى أضحت القضية الفلسطينية في آخر قائمة الأولويات على المسرح السياسي الدولي ، الأمر الذي أسهم إلى حد بعيد في حالة التغول الغير مسبوقة داخل دولة الاحتلال، ليخرج مكبوت الحركة الصهيونية و كيانها إلى العلن ، ليس فقط بتنظيرات أيديولوجية بل بسياسات محددة المعالم  تسعى وعبر حكومة منتخبة إلى فرض سياساتها على الأرض تحت شعار الدولة اليهودية الخالصة من البحر إلى النهر.

شهدت هذه الفترة تمدد غير مسبوق لجماعات الصهيونية الدينية وقوى الاستيطان، حيث أصبحت أصواتها هي الأصوات الغالبة لدى المجتمع الصهيوني، في المقابل فلسطينيا كانت القيادة الفلسطينية الرسمية تراوح مكانها، وهي تعلن عبر خطابها السياسي أنها عاجزة عن تحقيق أي انجاز حقيقي ملموس فيما يخص القضية الفلسطينية، بل تحولت تلك القيادة ومؤسساتها لتكون جزء لا يتجزأ من حالة الانهيار الشامل ، في مجمل الحياة السياسية ، حتى محاولة بناء تصور سياسي فلسطيني شامل  يحظى بالحد الأدنى من الإجماع الفلسطيني، كانت تتحول على الدوام إلى فلكلور في محاضر الاجتماعات الفصائلية التي عقدت في لبنان و مصر والجزائر وروسيا ، فردم الهوة كان ينتمي إلى عالم المستحيل، فالسلطة الوطنية الفلسطينية وقيادة المنظمة ، كانت تهدف من كل تلك الاجتماعات إلى جر الكل الفلسطيني إلى متاهة السلام المتوهمة، في حين كانت قوى المقاومة تحاول أن تبنى تقاطع ومشتركات مع السلطة الفلسطينية، حتى لو كانت بحدودها الدنيا.

وما بين الحراكين كانت فلسطين وأهلها تعيش حالة الاغتراب الفعلي ، فلا هي قادرة على النهوض ، بعيدا عن تلك المكونات السياسية ، ولا هي قادرة على أن تتحول إلى مرجعية عليا ، قادرة على حسم الخلاف المتجذر في طيات تلك القوى ، فيما المسرح السياسي الفلسطيني مسكون بالمتخيلات المستحيلة لكلا التوجهات، سواء أرادت صنع السلام مع عدوها ، أو أرادت إرساء قواعد للمقاومة المسلحة، فلا الأولى تمتلك شريكا لصنع السلام ولا الثانية تمتلك القدرة على بناء توجهاتها بفعل غياب الدعم الفعلي الإقليمي والدولي، لذلك عاشت اللحظة الفلسطينية جملة من التناقضات المريرة، التي أفرزت بدورها جملة من الإخفاقات المتراكمة التي ارخت بظلالها على الكل الفلسطيني. 

لا شك بأن طوفان الأقصى يصنع زمانا جديدا في السابع من أكتوبر من العام الماضي، وفي صباح ذلك اليوم ، حيث كانت غزة ومقاومتها، تصنع هذا الزمن الجديد ، زمن الوجود الفلسطيني الراسخ الواضح المطالب بكل وضوح بأبجديات الوجع الفلسطيني الممتد لقرن من الزمن ، فكل مبررات هذا الفعل الملحمي، كانت حاضرة ولا تقبل التأويل، حكومة الاحتلال ماضية نحو تهويد القدس والضفة وإخراج غزة من معادلة الصراع ، عبر جملة السياسات العملية المعلنة ، بالسيطرة على المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم ، ومد الاستيطان إلى مختلف محافظات الضفة ، وتعميق الانقسام الفلسطيني؛ عبر بناء سياسات متناقضة بين مكونات الوطن ، وتشريع الإعدام للمقاومين، وسلب كل حقوق الأسرى في السجون ، كلها مجتمعة وتأتي في سياق تأبيد الزمن الفلسطيني عبر تحويله إلى أداة طيعة كما توهم الاحتلال .

جاء الطوفان اسما على مسمى ، ليبتلع كل السياسات والرؤى الصهيونية ، ويهد الاستراتيجيات قبل أن يهد الجدار الإلكتروني الذي قامت لأجله احتفالات المحتل، بوصفه منجزا لا يضاهيه أي منجز، جاء الطوفان ليزيل الكثير من الصور السحرية التي بناها الكيان الصهيوني عن نفسه ، والذي توهم أن الاعتماد على التكنولوجيا المتطورة كفيل بسحق إرادة الفلسطيني، ومنعه حتى من محاولة التفكير في المقاومة، ولطالما كان خطاب قادتهم السياسيين والأمنيين والعسكريين، ممتلئ حتى الثمالة بمصطلحات ومفاهيم ، تتعلق بالوعي وكي الوعي ، الردع  و الارتداع، وأن الفلسطيني قد تم ترويضه، وامتلأ الوعي الصهيوني بالغرور والعظمة التي حاول نتنياهو أن يرسيها في وعي جمهوره، والتي تمحورت حول قبول العرب بالتطبيع والاعتراف بكيانه بعيدا عن الفلسطينيين. 

وأضاف الطوفان فصلا جديدا في مساره ، بعد العدوان الهمجي على غزة والذي دخل شهره الرابع ، دون أن يتمكن المحتل من تحقيق أي انجاز فعلي مما أعلنه في بداية الحرب، وبالمناسبة فإن بعض الأصوات التي تنتمي إلى فئة الثرثارين التي تحسب نفسها على طبقة المثقفين الفلسطينيين ومنذ اليوم الأول للطوفان، حاولت أن تضع نفسها في مقام القيم على فعل الطوفان، عبر لغة اتسمت" بالعقلانية" المزعومة والتي رأت بفعل المقاومة فعلا مدمرا للقضية وأهلها؛ وهؤلاء بالمناسبة يقفون على أرض الأعداء قولا وفعلا ، ولا يهمهم من هذا القول سوى الحضور ولو على حساب القضية واهلها، فهم مرتزقة هذا العصر، كما مرتزقة كل العصور ، وهنا لا تنفي فعل المسائلة، التي يمتلكها الشعب الفلسطيني برمته ، وعبر قنوات واضحة ومحددة المعالم، والذهاب إلى صندوق الانتخاب هو الكفيل بالرد على كل تلك المهاترات اللغوية التي لا تغني ولا تسمن من جوع .

من الواضح جدا أن الطوفان الذي أوجد زمنا جديدا، يستطيع أن يقول فيه الفلسطيني لكل العالم إنه مازال حاضرا موجودا بفعل إرادته ومن صنع دمائه وآلامه، وقد قالها فعلا . لهذا وجد الصدى حاضرا في كل عواصم الدنيا ، حيث تحولت القضية الفلسطينية إلى مشترك إنساني جامع ، فلسطين العدالة والحرية في مواجهة الظلم ، والخيار الإنساني الحاضر اليوم يقول إن مواجهة الظلم قد بدأت، ولن يوقفها كل السياسات الأمريكية الغربية والصهيونية، بعد أن وصل الطوفان إلى كل بيت ، وإذا كان الطوفان قد فعلها إلى هذا الحد، فهو القادر على إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، بمقياس فلسطين التي لا تحد.