Menu

تركيا وطوفان الأقصى ... مواقف تشعلها العواطف وتحكمها حسابات المصالح

حسن الطهراوي

منذ الأيام الأولى لمعركة طوفان الأقصى أطلقت تركيا جملة من المواقف الرسمية اتسمت بخطاب وسطى  معتدل ودعوات إلى  عدم تصعيد الأوضاع وضرورة حل المشكلة الفلسطينية من خلال العودة إلى فكرة حل الدولتين وحاولت تركيا من خلال هذه المواقف أن تقول إنها تقف على الحياد وعلى نفس المسافة من الفلسطينيين والإسرائيليين.

الواضح أن دوافع هذا الموقف كانت رغبة تركيا للقيام بدور الوسيط ففى التاسع من اكتوبر تشرين أول أى بعد ثلاثة أيام من طوفان الأقصى والعملية الكبيرة التى قامت بها كتائب الشهيد عز الدين القسام وفصائل المقاومة الأخرى أعلن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بعد اجتماع لمجلس الوزراء عن استعداد تركيا للعب دور الوساطة بين اسرائيل وحماس وتحدث أيضا عن استعدادات تقوم بها بلاده لإرسال المساعدات الإنسانية إلى غزة.

مواقف لم ترضي المتظاهرين الأتراك الذين خرجوا الى الشوارع للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومقاومته وتنديدا بالاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحق الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين الفلسطينيين  وظل مطلب المتظاهرين الدائم هو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني وطرد سفيره من أنقرة.

التظاهرات ومسيرات الاحتجاج والغضب طالت أيضا  الولايات المتحدة الأمريكية شريك الكيان الصهيوني في العدوان على غزة حيث نظمت مظاهرات حاشدة أمام قاعدة انجيرلك في مدينة أضنة وطالب المتظاهرون بإغلاق القاعدة الأمريكية لكن كل  هذه المطالب لم تلقى قبولا من الحكومة. 

حالة عدم الرضى عن سياسة الحكومة التركية عبرت عنها أيضا أحزاب المعارضة التركية خاصة الأحزاب اليسارية والإسلامية التي طالبت حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم بقطع علاقاتها التجارية والعسكرية القائمة مع الكيان الصهيوني. 


السياسة التي انتهجتها الحكومة التركية في الأيام الأولى لبدء العدوان على غزة راوحت بين تغليب العواطف وحسابات المصالح وخيبت آمال الكثيرين في داخل وخارج تركيا ممن كانوا يعلقون آمالا كبيرة عليها وعلى الرئيس رجب طيب أردوغان باتخاذ خطوات جدية ورادعة للكيان الصهيوني لوقف عدوانه المتواصل على قطاع غزة.


تصعيد في الخطاب الرسمي دون تغير في مسار العلاقات
 
بعد أسبوعين من بدء العدوان على غزة واتضاح أهداف العدوان من تدمير ممنهج وإبادة جماعية بحق أهل غزة صعدت أنقرة من لهجتها وخطابها الرسمي وبلغ التصعيد ذروته في خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان في البرلمان التركي عندما وجهه انتقادات شديدة لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو واصفا إياه بجزار غزة وأن بلاده ستعمل لإظهار حقيقة اسرائيل كمجرمة حرب ودافع اردوغان عن حركة حماس وقال إنها "ليست حركة إرهابية بل حركة من المجاهدين والمحررين تعمل لحماية أرضها وشعبها".

مواقف مشابهة أيضا أطلقها الرئيس اردوغان في المظاهرة المليونية في مدينة اسطنبول التي دعا إليها حزبه العدالة والتنمية للتضامن ودعم الشعب الفلسطيني والتنديد بالعدوان على غزة.

هذا التصعيد ظل محصورا في إطار الخطابات ورفع سقف اللهجة والانتقادات من قبل المسؤولين الأتراك لإسرائيل دون اتخاذ خطوات عملية تشكل ضغطا جديا على حكومة العدو ، وبدا واضحا أن أنقرة لم تكن في وارد إجراء تغيرات جذرية في علاقاتها مع تل أبيب خاصة بعد عودة هذه العلاقات إلى وضعها الطبيعي العام الماضي وتبادل الزيارات على أعلى المستويات وعودة لتبادل السفراء بين البلدين بعد سنوات من القطيعة والتوتر منذ حادثة سفينة مافى مرمرة في عام 2010 والتي قتل فيها الاحتلال 10 من المتضامنين الأتراك  كانوا على متن السفينة التي كانت تشارك في أسطول سفن الحرية  لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة.


وسائل الإعلام التركية المقربة من الحكومة ترى أن تركيا تقوم بعمل مهم خاصة على الصعيدين الدبلوماسي والإغاثي من الوصول إلى وقف العدوان والاستمرار بتقديم كل أشكال المساعدات لسكان غزة ونقل الجرحى للعلاج في المستشفيات التركية، وفى إطار المقارنات يرى كثيرون في تركيا أن مواقف الرئيس أروغان والحكومة التركية متقدمة وأفضل  من مواقف الكثير من الدول العربية لكن بعض أحزاب المعارضة التركية  ظلت غير راضية على أداء الحكومة وتتحدث بشكل دائم عن أن العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين تركيا وإسرائيل ظلت على ما هي دون أي تغيير.

صحيفة " سوزجو" التركية نشرت تقريرا عن العلاقات التجارية لتركيا مع الكيان الصهيوني وركزت على الفترة التي أعقبت بدء العدوان على غزة وقالت الصحيفة إن صادرات تركيا إلى اسرائيل تجاوزت المليار دولار خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من عام 2023 ما يعنى بقاء التجارة متواصلة مع اسرائيل رغم أن هذه الأرقام تظهر انخفاضا بنسبة 36.4 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام 2022.
وبحسب بيانات جمعية المصدرين الأتراك فقد ارتفعت صادرات تركيا إلى اسرائيل بنسبة 30.4 بالمئة في شهر ديسمبر الماضي مقارنة بشهر نوفمبر لتصل إلى 393 مليون دولار '  ويبرز قطاع الحديد والصلب في المرتبة الأولى في صادرات تركيا إلى اسرائيل تليه المواد الكيماوية وقطع السيارات والكهرباء والإسمنت إضافة للحبوب وبعض المواد الغذائية لكن يبقى الأهم في موضوع التجارة هو اعتماد الكيان الصهيوني بشكل كبير على وارداته من تركيا من الفولاذ والنفط فتركيا تحتل المرتبة الأولى في واردات اسرائيل من الفولاذ ونصف وارداتها النفطية تتم عبر تركيا من خلال موانئها خاصة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط كميناء جيهان في مدينة أضنة التي يصل اليه النفط من أذربيجان ثم ينقل عبر السفن إلى إسرائيل.

موضوع التجارة مع اسرائيل كان ولازال يثير  جدلا كبيرا في تركيا فمنذ الأيام الاولى للعدوان على غزة نشط تجمع "مقاطعة إسرائيل في تركيا" بمتابعة حركة السفن القادمة والمغادرة بين تركيا وإسرائيل ونظم التجمع مظاهرات  أمام ميناء (أمبارلي)  في مدينة اسطنبول للاحتجاج على استمرار العلاقات التجارية مع الاحتلال. وأشار المشاركون في المظاهرة إلى أن هناك العديد من السفن تنقل إمدادات الطعام والمواد اللازمة لتصنيع الأسلحة والوقود الضروري لدبابات وآليات قوات الاحتلال لمواصلة حملته العسكرية في قطاع غزة


 الجدل حول هذا الموضوع انعكس أيضا إلى أروقة وجلسات البرلمان التركي التي شهدت اجتماعاته نقاشات حادة وانتقادات من قبل نواب أحزاب المعارضة ومطالب للحكومة بوقف التجارة مع الكيان الصهيوني الذى يواصل حرب إبادة بحق أهل غزة وكان للنائب عن حزب السعادة الإسلامي " حسن بيتماز" دورا مهما في تسليط الأضواء على موضوع تجارة تركيا مع اسرائيل ونقله إلى البرلمان التركي وظل حاملا للقضية حتى وفاته بسبب نوبة قلبية أصابته وهو يتحدث على منصة البرلمان مدافعا عن فلسطين ومنددا بجرائم قوات الاحتلال وكانت آخر كلماته قبل سقوطه أرضا بعد انتهاء كلمته أن" إسرائيل دولة إرهابية وقاتلة والتاريخ لن يرحم أحدا من المتخاذلين الذين أن تمكنوا اليوم من تبرير موقفهم إلا أنهم لن يهربوا من الله يوم القيامة عند الحساب."