Menu

٧ أكتوبر: تحول عسكري استراتيجي يفقد إسرائيل وظيفتها وضرورتها الإمبريالية

اسحق أبو الوليد

لم يأتي هجوم ٧اكتوبر الذي نفذته المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية " حماس" من الفراغ او مقطوع الجذور عن عشرات السنين من الكفاح والنضال، وشكل قفزه نوعيه في استراتيجية الهجوم والدفاع الثوري المسلح عكس مستوى عالي ومتقدم من التحضير والتخطيط ومن الترابط الوثيق بين أطراف محور المقاومة ومركزه ايران، الذي يخوض حربا ذات أبعاد استراتيجية، ستغير العديد من المفاهيم والنظريات التي كانت تتبناها وتأمن بها مراكز قوى إمبريالية عالميه والأنظمة المرتبطة بها والتابعة لها. 

ان الحرب الدائرة رحاها في غزة وعلى غزة هي ككل الحروب عبر التاريخ، أي هي " السياسة بلغتها العنيفة " كما يعرفها لينين ، وتندرج في إطار الحروب الغير  عادلة، التي تبداها وتخوضها أنظمة ذات طبيعة عدوانية استعمارية توسعيه لتكريس الهيمنة ونهب ثروات وخيرات الشعب والبلد المعتدي عليه. وقد سجل التاريخ ان أكثر الحروب وحشيه هي حروب الإبادة الاستعمارية، التي خاضها النظام الرأسمالي بقيادة بريطانيا للسيطرة على كافة المرافق الحيوية البرية والبحرية العالمية، وخاصة على بلدان ما سمي بالعالم الجديد، التي كان يدعي اكتشافها ويلجأ إلى إبادة سكانها الأصليين بحجة أنهم " حيوانات  متوحشة" وغير بشرية وأن الأراضي الجديدة هي " أرض ميعاد " منحها " الله " لشعوبه المختارة، أي لهم. هكذا، وتحت هذه الحجة قضى الاستعمار الرأسمالي، الانجلو - أسباني، على أكثر من ١١٠ مليون انسان من السكان الأصليين في فيما يعرف اليوم بالقاره الأمريكية. ليس هذا فقط بل مسح حضارة شعوبها، التي كانت جزء أصيل من الحضارات الإنسانية الجميلة والمتطورة كما يقول الكاتب والمؤرخ الأمريكي من أصل فلسطيني منير عكش. 

ومما لا شك فيه ان حروب النهب والسلب الاستعمارية لعبت دورا رئيسيا في تطور ونمو وانتصار النظام الرأسمالي العالمي من جهة ومن وازدياد حدة التناقضات الطبقية الداخلية، واستعار حدتها بين أنظمته المتطورة التي خاضت حربين عالميتين مدمرتين للبشرية ولحضاراتها وقيمها لفرض قوة مهيمنة تتحكم بمصير البشرية .

في خضم هذا الصراع العالمي بين الأنظمة الرأسمالية لتقاسم النفوذ وفرض الهيمنة، انتصرت ثورة أكتوبر الاشتراكية الروسية بقيادة لينين مما أسس لصراع تناحري جديد بين نظامين متناقضين يسعى كل منهم للانتصار على الآخر والقضاء عليه، مما سرع الخطى العملية للإمبريالية البريطانية أكثر من أي وقت مضى إلى استكمال إقامة كيان استعماري إحلالي في فلسطين غريب عن الأمه العربية ومن خارجها، لضمان السيطرة الكاملة عليها وعلى الوطن العربي، لما يمثله من أهميه اقتصادية وأمنية استراتيجية دفعت الرئيس الأمريكي العجوز بايدن ان يصرح في أشد أيام العدوان الصهيوني على غزة أنه " لو لم تكن اسرائيل موجودة لأوجدناها " في تأكيد جديد منه على الأهمية الاستراتيجية  " لإسرائيل " كأداة ووسيلة إمبريالية تخدم وتؤمن مصالحها أكثر أهميه من كونها دوله لليهود تحميهم من وهم وخرافة العداء للسامية. 

أيضا، كشفت الحرب  الفلسطينية " الإسرائيلية " في غزة عن الوجه الآخر للصهيونية في الوطن العربي وأسقطت الأقنعة التي استمرت لعقود تغطي أوجه العملاء والأنظمة العميلة وأكدت لمن كان لديه بعضا من الشكوك أن " إسرائيلية " وصهيونية الأنظمة العربية، وخاصة النفطية، التابعة، للإمبريالية بمن فيهم السلطة " الفلسطينية " القابعة في المقاطعة، لم يكن وليد اللحظة، بل هي وليدة استراتيجية إمبريالية صهيونية عمرها عقود عملت على الدمج الموضوعي والتكامل الغير معلن بين هذه الأطراف والعدو الصهيوني، التي هي أيضا وقفت مذهولة ومصدومة، من هول ما أحدثه هجوم ٧ أكتوبر الاستراتيجي من خطر وجودي وأمني على الكيان عليها. 

هذا الهجوم الذي قادته وكانت راس حربته حركة المقاومة الإسلامية " حماس "  فتح الطريق وكسر كل الحواجز التي كانت ترفع أمام المقاومة وبرنامجها لمنعها من خوض حرب تحريرية وطنية حقيقية وبكافة المقاييس، ونقل، موضوعيا، النضال الفلسطيني المسلح من حالة الدفاع الإيجابي إلى حالة الهجوم الاستراتيجي، وما حجم الخسائر البشرية والدمار المادي الذي لحق بالقطاع الصامد والإبادة الجماعية إلا " الثمن " الذي لا مفر منه لتحطيم عنجهية واستراتيجية عدو فاشي نازي مجرم لا يعبد ولا يقدس إلا المدفع ورأس المال والإعلام وسائله الأساسية لتكريس وجوده اللاشرعي ، والتي كسرها شعبنا وخاصة في غزه بصبره وصموده ورصاص مقاتليه ودماء شهدائه .

إن الدمار والمجازر التي سببها الكيان الصهيوني ليس صدفة ولا بسبب أهواء أو مزاج هذا المسؤول الصهيوني أو ذاك، ولا لأن المجرم نتنياهو يدافع عن موقعه الحكومي أو عن ائتلافه أو للتهرب من المحاكمة، انها تتم بقرار من الإمبريالية  َوالصهيونية العميقة لا لبس فيه. إن الكيان الصهيوني ارتكب من المجازر والمذابح في فلسطين ولبنان وسوريا و مصر ما يؤكد طبيعته العدوانية النازية، ولسان حاله يقول إنه كلما  فقد الثقة بنفسه وأصبح على يقين بزواله الحتمي ستزداد شهيته للقتل والإجرام في محاولة منه التأجيل يوم سقوطه بعض الوقت، ولكنه لا يعلم على ما يبدو أن الوقت قد فاته ولن يعود إلى الخلف.

ان بدأ العد التنازلي لوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، في ظل تراجع النفوذ الامبريالي عالميا وفي منطقتنا أيضا سيعفيها من ضرورات عدة بما فيها الضرورة " الإسرائيلية " التي لن تبقى لها رساله تؤديها إلا رسالة الاستعداد للرحيل عن هذه الدنيا، وهذا لا يعني أننا سنقف أمام بيوتنا لنرى " جنازة " الكيان الصهيوني تمر من أمامها، لأنها بدون تصعيد النضال ومراكمة الانجازات من جديد والبناء على ٧ أكتوبر وتطويره وتكراره والتي يحتاجها النصر النهائي، لن نراها تمر.