ثمّة أحداث يُؤرّخُ بها لكونها تُؤذنُ بتجاوز واقع مجتمعيّ راهن، وتشكيل واقع مجتمعيّ جديد، فيه تجاوزٌ واضحُ المعالم للواقع الراهن، وتأثيرٌ عميقٌ في حياة الناس. وتزداد أهمّيّة الحدث باتّساع دائرة المتأثّرين به، والمتفاعلين معه.
ومن هذا القبيل الحدث الجلل (طوفان الأقصى)؛ فما قبله مغاير كثيراً لما بعده؛ إذ ابتدأ (صباح 7/10/2023) بسواعد (حماس/كتائب القسّام)، وشاركت فيه سريعاً (الجهاد الإسلامي/سرايا القدس ) وفصائل فلسطينيّة أخرى في غزّة والضفة الغربيّة، ولقي مؤازرةً مقاومةً عمليّةً في لبنان وسورية والعراق واليمن؛ فهذا الحدث يؤرَّخُ به لكونه بعيدَ الغور، من جهة التكوين، وبعيدَ التأثير من جهة الفاعليّة والشمول.
أمّا بعد الغور فيأتي من سياقين: أوّلهما سياق عامّ، هو سياق مقاومة المشروع الصهيونيّ قبل قيام الكيان (سنة 1948م)، وبعده، وثانيهما سياق خاصّ، هو سياق خصوصيّة المقاومة في قطاع غزّة؛ فالإنجاز الذي تحقّق صباح 7/10/2023 وما تبعه من صمود مقاوم بكلّ مقاييس البطولة هو تتويج لأفعال تراكمت كمّاً ونوعاً استجابة لما يوجب مقاومة العدوان الصهيونيّ للتحرّر منه.
فقد تطوّرت هذه الأفعال من دائرة صنع الوعيّ الفلسطينيّ الوطنيّ وتعرية ما يناقضه إلى دائرة تحصين هذا الوعيّ وتعيين صدقه بأفعال مقاومة عمليّة أثمرت عمليّة (طوفان الأقصى) المباركة؛ فهي تتويج لعمل دؤوب، استمرّ أكثر من عشرين عاماً من صناعة الوعي، وإنشاء مدينة مقاومة تحت أرض غزّة، مدينة من الأنفاق شكّلت شبكة اتصال ومساندة ومباغتة وتحصين، إضافة إلى تهريب ما أمكن من السلاح إلى قطاع غزّة، وإنجاز تصنيع حربيّ بسيط، لكنّه رادع ومؤذ كثيراً للعدوّ، مع تأهيل عالٍ للعنصر البشريّ معنويّاً بامتلاكه عقيدة قتاليّة لا تهزم، ومادّيّاً بالتدريب المتقن على استخدام ما بيده من السلاح، وكذلك التنسيق مع محور المقاومة الذي قدّم الدعم الماديّ والمعنويّ والعلميّ في سياق وحدة الهدف، وحرّية العمل وفق الظروف الممكنة.
وأمّا بُعْدُ تأثير الحدث واتساع دائرته فأمران لا يُجادل فيهما العقلاء، ولكنّهم يتباينون في توصيف كلّ منهما، في مداهما القريب والبعيد؛ ففي المدى القريب كان حدث (طوفان الأقصى) في بدأته واستمرار صموده الشعبيّ والمقاوم في غزّة حدثاً مدوّياً في العالم كلّه؛ لأنّه أظهر على نحو فاضح هشاشة التكوين المخابراتيّ والعسكريّ والمجتمعيّ للكيان الصهيونيّ، واستدعى ذلك مسارعة الولايات المتحدة الأمريكيّة ومن يلوذ بها، إلى نجدته وإعلان الحماية لوجوده الذي تضعضع، وآذن بإمكانية السقوط، وفي مقابل ذلك ظهرت قوّة المقاومة وجرأتها ونجاحها في إنجاز المهمّة على نحو حطّم أسطورة الجنديّ الصهيونيّ العقديّة والعسكريّة والأخلاقيّة.
وفي المدى البعيد للصراع الفلسطينيّ - الصهيونيّ أحيا (طوفان الأقصى) القضيّة الفلسطينيّة انطلاقاً من أنّها بقيت أصلاً حيّة في نفوس أبنائها وعقولهم، ومن أنّ ما فعله الصهاينة ومن يلوذ بهم لتغييب الوعي الفلسطينيّ والعربيّ والعالميّ صار قشّة في مهبّ رياح المقاومة.
ثمّة وعي جديد عالميّ رسميّ وشعبيّ بأنّ (إسرائيل) كيان مغتصب لدولة فلسطين، ويرغب في تهجير من بقي من سكانها لاستكمال استعمارها واستيطانها من قبل المستوطنين المجلوبين إلى فلسطين من بقاع العالم المختلفة، وقد أنتج هذا الوعي الجديد مطالبات قويّة بمنع التهجير، وبوجوب العمل لإقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس، وفق المرجعيّة الدوليّة التي بها تأسست شرعيّة قيام الكيان الصهيونيّ الذي رفض عمليّا حلّ الدولتين، ثمّ أعلن بعد (طوفان الأقصى) رفضه لهذا الحلّ؛ فهو يريد فلسطين كلّها (من المية إلى المية) خالية من أهلها، وأهلها يريدونها (من المية إلى المية) خالية من الصهاينة نازيّي القرن الحادي والعشرين.
الصراع مستمر، و(طوفان الأقصى) قال كلمته: إنّا لمنتصرون،

