Menu

نهاية المشروع الصهيوني وتنامي المشروع الوطني الفلسطيني (الجزء العاشر)

غسان أبو نجم

خاص - بوابة الهدف

 

كتب غسان أبو نجم*

ان الانهيار الذي لحق بالمشروع الوطني الفلسطيني نتيجة لاتفاقات أوسلو وتطبيقاته السياسية على الأرض كان نتيجة طبيعية لحالة التفرد والتراجع عن الثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني وهذا الانهيار مر بالعديد من المحطات أهمها:

 

المحطة الأولى:

شكل تغيير البرناج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بداية التنازل والتفريط الفعلي بأرض فلسطين التاريخية لتسقط القيادة الفلسطينية المتنفذه وبعض حلفائها من اليسار خيار الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني واعتماد شعار الدولة الفلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ لتُسقط بذلك ثلثي أراضي فلسطين التاريخية بأيدي الصهاينة المغتصبين. ولن أدخل في هذه المقالة بالظروف الدولية والإقليمية التي أحاطت بالمنظمة في ذلك الوقت ولكن ما يهمني هنا النتيجة العملية لذلك الموقف ولتلك السياسات التي أهدرت حق الشعب الفلسطيني بالأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ واعترفت ضمنياً، ولاحقاً علنياً، بالاحتلال كصاحب أرض وحق، وبالتالي مالك دولة على أرض اغتصبها، ورغم محاولات اليمين الفلسطيني تبرير هذه النتيجة وجهود اليسار في صد هذا التدحرج نحو التنازل عبر سلسلة من الخطوات السياسية والتنظيمية مثل تشكيل جبهة الرفض ومحاولات محاصرة القيادة الفلسطينية المتنفذه رغم كل ذلك ظلت الحقيقة القائمة على الأرض هي سقوط أراضي عام ١٩٤٨ من حسابات وبرامج قوى العمل الوطني الفلسطيني بدون استثناء وظل الارتباط بها عاطفياً وجدانياً فقط، وسقط برامجياً وعملياً في الواقع.

من هنا بدأت حلقة التنازلات ليتلوها ارتدادات سياسية لاحقة كإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس والدخول في سلسلة حوارات ولقاءات أسفرت بمجملها على تثبيت شرعية الكيان الصهيوني كواقع معترف بوجوده عالمياً وعربياً وفلسطينياً وأصبح المُحتل من أراضي عام ١٩٤٨ حلماً وقصيدة حنين في أدبيات هذا الشعب.

 

المحطة الثانيه:

لقد أدى الجنوح السياسي الفلسطيني نحو مشاريع التسوية السياسية التي تعددت مصادرها وأطرافها إلى سلسلة من التنازلات حصل عليها الكيان الصهيوني بواسطة أطراف دولية إمبريالية لم تتوانَ عن اصطياد أي موقف للضغط على منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق المزيد من التنازلات عبر إعطاءها الوعود والتعهدات التي أثبتت الأحداث أنها كاذبة ومخادعة ورغم ذلك أصرت قيادة المنظمة على الاستمرار بنهج التنازلات رغم التحذيرات التي وجهها أطراف من اليسار الفلسطيني.

ولم تقف قيادة المنظمة عند حد تعديل البرنامج السياسي للمنظمة وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بل شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية التي كانت المحصلة النهائية لقراراتها تثبيت الكيان الصهيوني وإضفاء الشرعية لوجوده على أرض فلسطين المُغتصَبة ولم تكن لهذه التنازلات أن تتم إلا عبر صفقات ومحادثات سرية قادتها شخصيات فلسطينية مدعومة سراً من أطراف سياسية، كالمحادثات التي كانت تجري في أوروبا والحوارات الأكاديمية التي جرت في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أوائل الثمانيات بين شخصيات أكاديمية فلسطينية وأخرى صهيونية بهدف ردم الهوة بين طرفي الصراع كما أعلن أطرافها بعد انكشاف أمرهم. وهي في حقيقة الأمر محاولات للبحث عن طرق ووسائل لإضفاء الشرعية للمُغتصِب وما يلفت الانتباه هنا أن معظم المحاورين لم يحملوا الصفة الرسمية بوصفهم محاورين باسم منظمة التحرير، مما سهل عملية التنصل منهم عند انكشاف أمرهم من جهة، والتنصل من أي التزام لا يتوافق مع ما يطمح له هذا التيار التفريطي من جهة أخرى.

لم تقف محاولات هذا التيار الذي بدء يوسع قاعدة تغلغله في أوساط وجسم الحركة الوطنية الفلسطينية، ولم تقف عند اللقاءات الثنائية واللجان الحوارية عند هذا الحد، بل بادر إلى تحشيد مجوعات وأفراد في جسم الحركة الوطنية ومن كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني لتسييد فكرة الحوار والتفاوض وتحييد دور السلاح بحجة إعطاء دور للعقلاء كما أسمتهم السيدة الأميركية، خاصة أن السلاح الفلسطيني تم تشتيته في عدة عواصم عربية بعد اجتياح لبنان مما أعطى للتيار التفريطي فرصة كبرى لتمهيد الطريق أمام مزيد من التنازلات والتفريط.

 

المحطة الثالثهة:

لقد أدى اندلاع الانتفاضة الشعبية في كافة أنحاء فلسطين وعلى كامل ترابها إلى حالة من توحيد الوجدان الشعبي الفلسطيني بين كافة مكونات المجتمع الفلسطيني في حالة فريدة أعادت حالة الوعي الوطني وضرورة وقف الهدر المجاني للمواقف السياسية من قبل فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وأن فلسطين كلٌ لا يتجزء، وأن المُغتصِب الصهيوني تجب مقاومته في كل مدينة وقرية فلسطينية من البحر إلى النهر. وأدى هذا التلاحم إلى إسقاط شعار الفصل بين أبناء الوطن الواحد (فلسطينيو الداخل وأبناء غزة والضفة) لتعيد الانتفاضة الشعبية إلى الواجهة اسم فلسطين التاريخية ووحدة الأرض والشعب وجاسرت بذلك التيار التفريطي وفرملت حالة الدحرجة التي بدء بها، ولو التقط أبناء التيار اليساري وقواه هذه الحالة التي فرضتها الانتفاضة وانتقدت نفسها ومواقفها وتراجعت عن برامجها التي تنازلت فيها عن أرض فلسطين التاريخية لأخذت القضية الفلسطينية منحى مختلفاً تماماً. ولكن يبدو أن هناك أطراف داخل اليسار الفلسطيني كانت تلهث خلف التسوية السياسية باعتبارها أسهل وأقصر الطرق لتحقيق مكتسباتها الطبقية الضيقة.

ولم تدم الحالة طويلاً، فبعد أن نجحت الانتفاضة الشعبية على الأرض، بدء النهج التفريطي باستغلال مكتسباتها لتحقيق تسوية سياسية، ولكن بشروط أفضل، ورجع إلى دائرة الوهم السياسي. وكان مؤتمر مدريد عام ١٩٩١ والذي نقل حالة الصراع إلى مصاف دولية وتم بحضور دول عربية وعالمية وبدور أوروبي فاعل، بالإضافة إلى ممثل عن الكيان المُغتصِب الصهيوني، ليكون بذلك ممثليين اثنيين عن فلسطين التاريخية أحدهما مفرط والآخر مُغتصِب، ليكتسب المُغتصِب الصهيوني صفة شرعية فلسطينية عربية عالمية، بأن له الحق بما اغتصب وأن الطرف الآخر الفلسطيني عليه الاعتراف بهذا الحق، وكان له ما أراد وخرج المغتصب الصهيوني منتصراً وفرض وجوده وشروطه على المجتمع الدولي وخرج الطرف الفلسطيني مهزوماً.

 

يتبع...

 

*كاتب فلسطيني