Menu

نهاية المشروع الصهيوني وتنامي المشروع الوطني الفلسطيني (الجزء الثالث عشر)

غسان ابو نجم

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب غسان أبو نجم*

 

كان لتراجع المشروع الوطني الفلسطيني وانهيار المنظومة السياسية الجماهيرية، أحزاب، اتحادات طلابية، أُطر نقابية ونسوية، وتراجع حالة النضال الجماهيري في ظل سلطة أوسلو الأثر الأكبر في فتح شهية الاحتلال الصهيوني إلى إطلاق مخططاته التوسعيه لإخضاع المنطقة العربية عبر التطبيع مع الأنظمة العربية وفتح الباب على مصرعيه أمام القادم الجديد (إسرائيل) لتمرير الحلم الصهيوني في التغلغل داخل الجسم العربي لتحقيق حلم أسرائيل الكبرى ووضع المنطقة العربية تحت إمرة هذا الكيان بعد تهيئة الظروف السياسية الملائمة لتحقيق هذا الحلم الصهيوني الأزلي.

والقصة بدأت عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية وشريكها الكيان الصهيوني وبعض وكلائهم في المنطقة العربية لوضع المنطقة في دوامة الفوضى الخلاقة التي ستفضي إلى إسقاط الأنظمة العربية الحاكمة على أيدي جماهيرها وخلق حالة من الحراك الشعبي يحمل قضايا وهموم محقة، مستفيدين من حالة الفساد والفقر والظلم التي عانت منها هذه الجماهير الشعبية طيلة حكم هذه الأنظمة. ولتمرير هذا المخطط عمد مخططو هذا المشروع إلى وضع الآلية التنفيذية لمشروعهم عبر ثلاث محاور رئيسية:

  1. الكوادر البشرية الجاهزة لإشعال فتيل هذا الحراك
  2. المال اللازم لتغطية نفقات المجموعات الحراكيه
  3. توفير ماكينة إعلامية تتولى الترويج والتغطية لأخبار الحراك وتوجيههم ميدانياً وسياسياً، وتهئية الجماهير الشعبية العربية وتهييجها عبر بث أخبار ثبت بالمطلق أن معظمها مفبرك وهذا هو ما يهمنا هنا في هذه المقالة.

لقد أدرك المخططون لمشروع الشرق الأوسط الجديد بأن توافر هذه المحاور الثلاثة سيكون مهماً وكافياً إلى قدر كبير في خلق حالة من الفوضى المفضية إلى قلب أنظمة الحكم الجمهوري بكل تأكيد، فعمدت إلى تدريب كوادر محلية على أيدي ضباط مخابراتها في عدد من البلدان، ومنها بولندا، مهمتها تفجير الأوضاع في بلدانها، مرتكزين على شعارات مطلبية سياسية واجتماعية واقتصادية وتجيش الشارع للخروج بمظاهرات تعم البلاد، تنسق عملها عبر تنسيقيات محلية يشرف عليها واحد أو مجموعة من كوادرها المدربة مخابراتياً، تفضي إلى دفع الطبقات الشعبية المتضررة من سياسات النظام للخروج للشارع والتصادم مع قوى الأمن التي ستعمل على قمع المتظاهرين وإسالة الدماء، ودخول الوضع الأمني في مأزق خطير، يقود إما إلى عزل الرئيس وحكومته، مصر مثلاً، أو إلى هرب الرئيس كما حصل في تونس وليبيا. ولقد لفت نظري تقرير لحزب العمال الشيوعي التركي يشير إلى مخططات تقوم بها وكالة المخابرات الأميركية في تدريب وتجهيز هذه الكوادر.

ولتحقيق شروط هذا التجهيز الميداني تكفلت دول البترول والغاز بأمر من السيد الأميركي، بتمويل كافة متطلبات هذا الحراك بالتهديد تارة، والتخويف بأن يصلها حمى التغيير لمشيخاتها تارة أخرى، فتولت مهمة التجهيز اللوجستي لهذه الحراكات عبر تمويل تدريب وتجهيز الكوادر البشرية والعصابات المسلحة لاحقاً وتسخير قنواتها الإعلامية لتغطية وتحريك وتأجيج الشارع العربي ضد هذه الأنظمة وهذا ما يهمنا هنا في هذه المقالة.

لعب الإعلام السياسي دوراً هاماً وخطيراً في دفع عجلة تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد حتى قبل تطبيقه على الأرض وذلك من توصيف المشروع بالربيع العربي والترويج لهذا المشروع بوصفه طريق الخلاص من الفساد والفقر والظلم الاجتماعي مما جهز جموع الجماهير الشعبية لتقبله لا بل الدفاع عنه بالأرواح والدم ولم يكن هذا ليحدث دون تجهيز الآلة الإعلامية المهولة القادرة للوصول إلى قلب وعقل المواطن العربي والقنوات العربية التي كانت قادرة على لعب هذا الدور المهول هي قناتي الجزيرة والعربية.

تولت قناة الجزيرة بوصفها القناة الأكثر انتشاراً في الأوساط العربية والأضخم من حيث الإمكانيات لهذه المهمة، وتولت إلى جانب قناة العربية الفضائية تنفيذ المحور الثالث في المشروع، وهو محور هام وخطير، فالصحافة تشكل المنفاخ الخطير للجماهير، وللكلمة أثر أخطر من الرصاصة كون الأخيرة تقتل فرداً بينما الكلمة تؤثر على مجتمع بأكمله. من هنا كان من الضروري جداً التحضير والتجهيز الدقيق لهذه الوسيلة من حيث تحضير الكوادر الإعلامية المتخصصة وتجهيز جيش من المراسلين المدربين وتوزيعهم في الميدان وربطهم بغرفة عمليات مركزية في إدارة القناة، تشرف على إدارة وتنسيق عملهم، وكان لعزمي بشارة الدور الهام والأساسي في إدارة عمل هؤلاء وتنظيم حوارات ولقاءات عبر القناة، تعنى بالترويج لمشروع الربيع العربي بوصفه مفكراً عربياً وخبيراً استراتيجياً. وقد استطاع خبراء في العمل الصحفي بكشف الدور الهام لهذه القناة، وأهمهم صحفيون وإعلاميون في تلفزيون الدنيا والإخبارية السورية، حيث كشف هؤلاء عن وجود غرف سوداء تدير وتفبرك الأحداث والمواقف بهدف إثارة الرأي العام، وتحديداً الأحداث في سوريا وتعرض مشاهد ووقائع كاذبة بقصد إحراج النظام من جهة وزيادة حدة النقمة لدى الجماهير من جهة أخرى وهذا ما أثبته عدة تقارير صحفية محلية ودولية.

 

أين دور عزمي بشارة بكل ما حدث ويحدث؟

 

لقد لعب عزمي بشارة دور المفكر الملهم (للثورات) العربية، والفيلسوف الثوري لها، معتمداً بذلك على قدراته الثقافية والذاتية الفذة، والموجه الحقيقي للحراكات القائمة معتمداً على عاملين مهمين:

الأول: قدرات ثقافية وشخصية كرازماتية لها رؤية وتوجه فلسفي سياسي.

الثاني: إمكانات مادية عبر تمويل بترودولار لهذه الشخصية.

 

لقد لعب عزمي بشارة على وتر القومية العربية ردهة من الزمن، وهو يعلم يقيناً أن هذه الفكرة تلامس مشاعر الجماهير العربية التي التصقت روحياً بفكر عبد الناصر، وسوق نفسه رافع لواء القومية العربية، وسوقته آلته الإعلامية على أنه المفكر العربي، وبذل جهوداً كبيرة عبر سلسلة من المحاضرات والندوات واللقاءات المرئية والمسموعة والمقروءة  في معظم بلدان العالم العربي لترسيخ كونه المفكر العربي المُلْهِم، ليطرح نفسه كمرجعية عروبية ثورية لهذه الثورات، ليتسنى له لاحقاً توجيه وعي الجماهير إلى حيث يريد، وهذا في الواقع ليس تحليلاً ناقصاً بل واقعياً.

يتبع...

 

*كاتب فلسطيني