كتب غسان أبو نجم*
لعب منظرو الشرق الأوسط الجديد دوراً خطيراً ومدمراً في كي وعي الجماهير العربية ودفعها باتجاه التأييد المطلق لحالة الحراك الشعبي ضد أنظمة الظلم والاستبداد مستغلين بذلك تعطش هذه الجماهير للحرية من جهة وطموحها في تحسين أوضاعها المعيشية التي سادها الفقر والبطالة والاستغلال الطبقي إضافة للقمع السياسي ولكن ما يهمنا هنا
أين دور عزمي بشارة بكل ما حدث ويحدث؟
لقد لعب عزمي بشارة دور المفكر الملهم (للثورات) العربية، والفيلسوف الثوري لها معتمداً بذلك على قدراته الثقافية والذاتية الفذة، والموجه الحقيقي للحراكات القائمة معتمداً على عاملين مهمين:
الأول: قدرات ثقافية وشخصية كرازماتية لها رؤية وتوجه فلسفي سياسي.
ثانياً:إمكانيات مادية عبر التمويل البترودولار لهذه الشخصية.
لقد لعب عزمي بشارة على وتر القومية العربية ردهة من الزمن وهو يعلم يقيناً أن هذه الفكرة تلامس مشاعر الجماهير العربية التي التصقت روحياً بفكر عبد الناصر، وسوق نفسه رافع لواء القومية العربية وسوقته آلته الإعلامية على أنه المفكر العربي، وبذل جهوداً كبيرة عبر سلسلة من المحاضرات والندوات واللقاءات المرئية والمسموعة والمقروءة في معظم بلدان العالم العربي لترسيخ كونه المفكر العربي الملهم ليطرح نفسه كمرجعية عروبية ثورية لهذه الثورات، ليتسنى له لاحقاً توجيه وعي الجماهير إلى حيث يريد وهذا في الواقع ليس تحليلاً ناقصاً بل واقعياً ويكشفه عزمي بشارة بنفسه ففي معرض توصيفه للثورات العربية. رفض عزمي بشارة أي دور للأحزاب والقوى السياسية حتى المعارضة للنظام بلعب دور في هذه الثورات مطلقاً عليها (ثورة الشباب) وهذا المصطلح أطلقه عزمي بشارة للتعبير عن رفضه المطلق لمشاركة أو قيادة حزب لهذه الثورات. ولا أدل على هذا الموقف لقاء عزمي بشارة مع الجزيرة نت في حوار أجراه معه حسين جلعاد بتاريخ ٢٠١٦/٣/٢٤ (ومن هنا تنبع أهمية تعبير الشباب الذي انتشر أيضاً للتدليل على أن المقصود ليس حزباً بعينه) وفي نفس المقابلة ذكر عزمي بشارة (أعلن الشعب عن نفسه دون وسطاء ولا ايدلوجيا وفي الحالتين المصرية والتونسية هما ثورتان بدون شك) هذا الموقف لم يصدر من شخص عادي بل من مفكر له باع طويل بالآيدلوجيا واطلاع واسع على تجارب الثورات العالمية ويعلم جيداً أهمية ودور الحزب القائد في الثورة أي ثورة ولكن بشارة يريدها ثورة بلا رأس ولا آيدلوجيا حتى يبقى رأس الثورة في قطر وتل أبيب وهذا بالضبط ما عبر عنه برنار ليفي ومهندس ثورات الربيع العربي حين قال: "علينا إطلاق التمرد الشعبي وحرمانه من الفكر الذي يوجه سديمته فيتحول إلى فوضى يتحكم بها فلاسفة الثورة الحقيقيون في الغرب" وهو ما أراده ليفي وعزمي لتبقى التوجيهات لهذه الثورات بيد المتمركزين في قطر، ولأن عزمي بشارة يعلم جيداً أن الثورة إذا أمسك بقيادتها حزب أي حزب يصبح هذا الحزب هو المرجعية لا عزمي بشارة ولا أسياده ليفي ومعلميهم في تل أبيب ويعلم جيداً أيضاً أن أي ثورة بدون آيدلوجيا وحزب قائد لها هي الفوضى بكل أشكالها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية وتضع البلاد على حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والصراع السياسي وأحياناً العسكري، وهذا ما حصل بالضبط وكما خطط له عزمي بشارة ومعلميه في تونس و مصر وليبيا وهذه الفوضى دفعت هذه البلدان إلى حافة الانهيارات.
ولم يقف حجم المخطط عند هذا الحد بل لم يكن إحداث هذه الفوضى هو لمجرد الفوضى بل لتحقيق ما أراده السيد الأميركي الصهيوني، وهو إغراق المنطقة، كل بلد على حدى بهمومها الخاصة وإدخال اقتصادها في غرف الانعاش لتسارع إلى طلب المساعدات الأميركية كما حدث في مصر وتونس وتفتيت الأخرى وإخضاعها لولاءات جهوية مناطقية مسلحة كما حدث في ليبيا من أجل نهب ثرواتها وسهولة السيطرة عليها عبر منع قيام دولة مركزية قوية تعنى بشؤون البلاد.
ولم تقف حدود هذا المشروع عند هذا الحد من الفوضى والتخريب بل تعداه إلى تجزئة الوطن العربي عبر إشغال كل بلد بهمه الخاص وإعلان تبعية كل بلد من بلدانها إلى الطرف القوي الذي يستطيع مساندته في أزمته بعد تفتيت كل معاني ومضامين التضامن العربي والروح القومية العربية، مما مهد الطريق أمام انتفاء الوحدة العربية في الواقع رغم هشاشة القائم وضرب أي مشروع نهضوي جديد للعديد من السنوات وهذا ما طمح له مهندسي هذا الربيع العربي.
ولم يقف حدود التأثير لهذا الربيع العربي عند البلدان التي اجتاحتها حراكات فعلية كمصر وتونس وليبيا بل لقد عانت وتعاني بلدان مثل الأردن ولبنان اقتصادياً عبر أزمة خانقة عاشها اقتصادها أسبابه كثيرة، أقلها انعدام التجارة البينية بين العديد من البلدان التي اجتاحتها الحراكات وضرب القطاع السياحي في عدد آخر لانعدام الأمن، وعانت دول الخليج العربي ارتدادات هذا المشروع حيث نجح مهندسو هذا الاتفاق في اقناع دول خليجية بأنها في دائرة الخطر وبالتالي عليها الاستقواء بحليف استراتجي أكثر قوة وفاعلية للحفاظ على مشيخاتها وتقديم كل ما يطلب منها من دعم لهذا المشروع الربيعي العربي عبر تمويل كل ما هو ضروري لإنجاحه، وهذا ما حدث فعلاً.
ثالثاً: التمويل البترودولاري للربيع العربي
لقد نجح مهندسو مشروع الشرق الأوسط الجديد في الحصول على الدعم المالي المهول لإنشاء إمبراطورية إعلامية هي الأقوى على مستوى الوطن العربي، وكان لهذا الدكتور الشاب ابن الجليل ومدير أبحاث فان لير الصهيوني في القدس دوراً كبيراً في تحقيق حلمه بإدارة وتوجيه مؤسسات إعلاميه كالجزيرة والعربية وإنشاء مؤسسات إعلامية ضخمة كالعربي الجديد والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومركزه قطر. وسخر هذه المؤسسات لخدمة مشروع الربيع العربي وافتتح فروع ومراكز للأبحاث في العديد من الدول العربية للترويج لسياساته وإفشال أي مشروع لقيام أحزاب قوية تكون بديلة للموجه العام للحراكات وإن حصل ذلك أن تكون ضمن إطار فلسفته وفلسفة برنار ليفي ولقد نجح في شراء العديد من الكوادر الإعلامية والصحفية المدربة وسخرها لخدمة مشروعه.
ختاماً لقد لعب عزمي بشارة وبدعم وتمويل مهندسي مشروع
الربيع العربي دوراً مهماً في تسهيل وتعزيز مشروع الشرق الأوسط الجديد وضرب حلم الأمة العربية التي تصل أصلاً من توجهاتها القومية. بل وأنكر وجودها باعترافه بصراحة عبر كتاباته مثل كتاب أن تكون عربياً في أيامنا وكتابه في المسألة العربية مقدمة لبيان ديمقراطي عربي أو عبر لقاءات له مع الجزيرة نت حيث صرح قائلاً (قلت في الكثير من المواقع بما فيها كتبي الأخيرة أنني لا أتبنى الخطاب القومي كآيدلوجية) مكشراً عن أنيابه وسالخاً جلده القديم ومرتمياً في أحضان مشيخات الخليج العربي ينفذ سياسات أسياده في تسهيل إجراءات التبعية الكاملة للإمبريالية العالمية وتحقيق حلم برنار ليفي الصهيوني في تقسيم وتفتيت الوطن العربي ودفعه باتجاه الهاوية وتحقيق الحلم الصهيوني في السيطرة الكاملة على المنطقة العربية ودفع أنظمتها إلى الارتماء في أحضان عدوها الأزلي، الكيان الصهيوني.
*كاتب فلسطيني

