كتب حلمي موسى *
تحتدم الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن صفقة التبادل والتعامل مع قضية إنهاء الحرب. وماطل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في عقد جلسة للكابينت لبحث تفويض الوفد الإسرائيلي ما أدى إلى تأجيل سفر الوفد إلى الدوحة إلى يوم الاثنين. وبرز الخلاف جلياً حينما رفض نتنياهو طلب الوزراء غانتس وآيزنكوت وغالانت للاجتماع لبحث قضايا الصفقة ما دفع غالانت إلى عقد اجتماع قيادي لمؤسسات الجيش ذات الصلة بقضية الأسرى في إشارة لحجم الخلافات. وتتزايد في هذه الأونة التظاهرات المطالبة بإبرام الصفقة واتهام نتنياهو بالمماطلة في إبرامها. وكل هذا يجري في ضوء ما يمكن اعتباره تذمراً أميركياً من السلوك الإسرائيلي قاد إلى أنهاء صياغة مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي لوقف فوري ودائم لإطاق النار خلافاً لرغبة إسرائيل.
وقد عقد وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت مساء أمس (السبت) جلسة خاصة بمشاركة مسؤولين كبار من الجيش والموساد والشاباك حول موضوع جهود إعادة المختطفين لدى حماس في غزة. وقد عقد هذا الاجتماع بعد أن رفض نتنياهو، عقد جلسة للكابينت مساء أمس. وقال مكتب رئيس الوزراء: "لقد أعلن رئيس الوزراء نتنياهو أمس بالفعل أن كابينت الحرب والمجلس السياسي الأمني سيجتمعان اليوم الأحد 17\3\2024 لتوجيه الوفد المفاوض قبل مغادرته إلى الدوحة. إن المطالبة بعقد مجلس الوزراء الليلة ليست أكثر من محاولة مصطنعة لتصدر العناوين الرئيسية."
وكان مقرراً أن يسافر رئيس الموساد ديدي بارنيع إلى الدوحة للتباحث مع رئيس وزراء قطر محمد بن عبد الرجمن آل ثاني ومسؤولين مصريين حول رد حماس، وهكذا صار أن يتوجه رئيس الموساد إلى قطر يوم الإثنين، حيث سيجتمع كابينت الحرب اليوم لبحث صلاحيات الوفد المفاوض الذي يرأسه. وفي وقت لاحق من مساء الغد، من المتوقع أيضاً إجراء مناقشة في مجلس الوزراء السياسي والأمني بأكمله.
ورغم كثرة الردود المتفائلة من جانب مسؤولين أميركيين وأوساط إسرائيلية إلا أن نتنياهو ورجاله يوحون بعكس ذلك. ويقول رجال نتنياهو أن حماس قدمت اقتراحات واهمة وصعبة وأن رد حماس "سيجعل الاتفاق سيئاً للغاية - لذلك لن يحدث". ومع ذلك تنطلق من إسرائيل أصوات متناقضة بشأن ما يجري. فهناك من ينظر لنصف الكأس المليء في رد حماس ومن ينظر عكس ذلك. ويقولون أن رد حماس في جانب يجعل المفاوضات والاتفاق ممكناً لكن هناك جوانب إشكالية أهمها إصرار حماس على انسحاب الجيش الإسرائيلي من المحور الجديد الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه وعودة النازحين. كما تعارض إسرائيل مطلب حماس بأن يتضمن الاتفاق وقفاً دائماً لإطلاق النار ابتداء من بدء مفاوضات المرحلة الثانية.
وربما في إطار سياسة تفاوضية ابتزازية تحاول إسرائيل طوال الوقت الإيحاء أن على حماس تليين مواقفها وتصر هي من جانبها على مواقفها المعلنة. ولهذا قال مسؤول إسرائيلي كبير مطلع على تفاصيل المفاوضات، مساء أمس: "لقد قدمت حماس جوابها، ولكن هنا ينتهي التقدم. هذه مطالب مبالغ فيها ولا تستند إلى أساس، ولن تقود المفاوضات إلى أي مكان". وأضاف: "هذه صفقة سيئة، ليس بالضرورة في معايير الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم مقابل إطلاق سراح الرهائن، ولكن في التغييرات التي تريد حماس إجراؤها ومحو إنجازات الحرب. لن نفعل ذلك". ونقلت يديعوت عن مسؤول إسرائيلي قوله أن التخلي عن السيطرة على شمال القطاع أشد قسوة من اختيار حماس لأسماء الأسرى. وبخلاف ذلك نقلت "إسرائيل هيوم" أنه: "تمت إزالة العقبة الرئيسية أمام تقدم المحادثات"، في إشارة إلى تقرير الوسطاء بأن حماس لم تعد تجعل إنهاء الحرب شرطا للصفقة.
وتشير وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن تقييم وزراء الحكومة هو أن نتنياهو لن يفسد الصفقة إذا كان هناك شيء "حقيقي"، رغم أنه لا يبدو متحمساً بشكل خاص ويخلق انطباعاً بأنه يحاول تأخير القرارات الصعبة. لكن مصادر مهنية قدرت أن نتنياهو في تصرفاته يفعل كل شيء لتجنب التوصل إلى اتفاق. وحسب هذه الوسائل فإن مصادر مطلعة على المفاوضات نقلت رسالة لنتنياهو مفادها أن المغادرة المبكرة للوفد المفاوض إلى قطر أمر مهم، وأنه رغم رد حماس هناك أساس للمفاوضات. قالوا أنه من المستحيل أن تصادق الحكومة الموسعة على مفاتيح المفاوضات وكل خطوة في المحادثات - وإلا فما معنى كابينت الحرب. فرأى جميع أعضاء كابينت الحرب هو أن المفاوضات المباشرة في قطر يجب أن تستمر، وأنه يجب إرسال وفد فوري إلى الدوحة.
في كل حال يقول مسؤولون إسرائيليون كبار أن العائق الأكبر أمام إبرام اتفاق هو مطلب حماس بالعودة إلى شمال قطاع غزة، وهناك قضية أخرى مثيرة للجدل وهي المرحلة الثانية من الصفقة ومطالب حماس بشأن إنهاء الحرب. والعائق الآخر هو مطالبة حماس بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين على أن تحدد هي أسمائهم حصرا. وحتى الآن لم تنقل حماس الأسماء، بل فقط الأرقام والمفاتيح.
وهاجم عضو المجلس الوزاري السياسي الأمني، وزير المالية بتسلئيل سموتريش، بشدة رؤساء المؤسسة الأمنية ودعا نتنياهو إلى منع الوفد من الذهاب إلى الدوحة: "لقد عارضت مغادرة الوفد إلى باريس وقطر في المرة الماضية و ثبت أنني كنت على حق، موقف حماس الوهمي يظهر أن أتباع الصفقة في حكومة الحرب ومؤسسة الدفاع قد ضلوا الطريق، وتصرفاتهم لا تزيد السنوار إلا تشددا، وتجعل عودة المختطفين أكثر بعيد." وبحسب سموتريتش: "لقد حان الوقت للاستيقاظ من المفاهيم والتعلم من الأخطاء. يجب على نتنياهو أن يأمر الوفد بالبقاء في إسرائيل، وأن يدخل الجيش الإسرائيلي إلى رفح على الفور، وتعميق الضغط العسكري حتى القضاء على حماس". وبهذه الطريقة فقط سيكون من الممكن، بعون الله، استعادة المختطفين وإرجاعهم".
من ناحية أخرى، وصل زعيم المعارضة يائير لابيد إلى ساحة المختطفين وقال إن "عدم التوصل إلى اتفاق سيكون صفقة سهلة، لكن صفقة تعيد المختطفين إلى الوطن تستحق الثمن وستحظى بدعمنا الكامل". "النصر دون عودتهم. لا يمكننا المضي قدما دون عودتهم إلى ديارهم". وهاجمت رئيسة حزب العمل ميراف ميخائيلي نتنياهو قائلة: "أنتم تعتقدون أن نتنياهو لا يعيد المختطفين، وأنه لا يدخر جهدا لإعادتهم. وأنه لا يفعل كل ما يمكن فعله لإعادتهم. لكن الحقيقة هي أن الأمر أسوأ بكثير – نتنياهو يمنع عودة مختطفينا ومختطفينا. وكل من يجلس معه في الحكومة نفسها هو المسؤول عن أفظع ما يفعله خلال حياته المهنية”.
من جهة أخرى وربما في نطاق الضغط الأميركي على نتنياهو نشرت الصحافة الإسرائيلية مسودة مشروع القرار الأميركي المقدم لمجلس الأمن بخصوص وقف النار الفوري. وكتبت "معاريف" أن الأحزاب الإسرائيبلية تلقت تحديثاً بشأن مشروع القرار الأميركي يظهر أنه يدعو في مركزه إلى "وقف فوري ودائم لإطلاق النار" في الحرب في قطاع غزة لقد خضع القرار الأميركي المقترح لعدة تغييرات وتصويبات، والآن بات نص القرار في نسخته النهائية التي لم يعد من الممكن تغييرها. ومن المتوقع أن يتم التصويت على القرار المقترح في مجلس الأمن الدولي بنسخته الحالية بالضبط.
وتختلف النسخة النهائية للقرار بشكل كبير عن المسودات السابقة، ومن بين التغييرات الرئيسية، تشديد فيما يتعلق بالنشاط العسكري في رفح، فضلاً عن المطالبة بالبدء بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار فوراً، على عكس النسخة السابقة التي أشارت إلى مخاطر العملية العسكرية في رفح على السكان المدنيين فقط في ظل الظروف الحالية.
وفي المسودة النهائية التي أعدها الأميركيون لتقديمها فوراً للتصويت عليها في مجلس الأمن، يبدو واضحاً التدهور الشديد في الصياغة واللهجة من وجهة النظر الإسرائيلية. لا يتعلق الأمر على الإطلاق "بهذه الظروف أو تلك التي تسمح بإجراء مناورة برية"، ولكن يتم الإعراب عن قلق عميق بشأن إمكانية القيام بعملية برية إسرائيلية في رفح، بل يتم التأكيد على أن مناورة الجيش الإسرائيلي في منطقة رفح تنطوي على خطر حقيقي لانتهاك القانون الإنساني الدولي.
ووفقا للتقديرات في إسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستطلب التصويت على قرارها المقترح في بداية الأسبوع. والقصد هو تسريع التصويت في مجلس الأمن قدر الإمكان، لأنه نابع من خوف الأميركيين من اقتراح قرار آخر منافس، سيكون له طابع سلبي واضح بالنسبة لإسرائيل، وقد يتم الترويج له في وقت قصير.
*كاتب صحفي من غزة

