Menu

الحرب العالمية الثالثة وهزيمة النظام الرأسمالي المتوحش

د. ماري الدبس

"كتبت د. ماري ناصيف - الدبس"

في الرابع من شباط 2021، وبعد أسبوعين على تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، حدد جو بايدن الأهداف الأساسية التي ستسعى إدارته إلى تحقيقها خلال ولايته، والتي يمكن تلخيصها بالاتجاهين التاليين: أولا، الاتجاه العسكري، الذي يتلخّص في  إعادة تجميع حلفاء واشنطن من أجل تطوير إمكانيات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتوسيع رقعته بهدف استعادة السيطرة على العالم؛ وثانيا، الاتجاه الاقتصادي، المستند إلى خطة متكاملة، تشبه إلى حدّ بعيد "مشروع مارشال" الذي وضع إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي هدفت إدارة الولايات المتحدة، يومها، من ورائه إلى بسط سيطرتها الاقتصادية والمالية على العالم أجمع...

المخطط الامبريالي الأميركي

أما الخطة للوصول إلى تحقيق تلك الأهداف، فقد حددت تفاصيلها بدقة، بدءا بتوجيه ضربات قاصمة إلى كل من روسيا والصين، خاصة وأنهما تشكّلان رأس حربة مجموعة البريكس، القطب الناشيء في مواجهة الامبريالية الأميركية، مرورا بتجديد الدور الأميركي في المؤسسات الدولية، وبالتحديد المؤسسات المالية المعروفة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي،  ووصولا - بحسب بايدن -  إلى "أن تقوم الولايات المتحدة بدورها القيادي، مرّة أخرى"... بما يعني تأبيد النظام العالمي ذي الرأس الواحد الذي قام بعد انفجار الاتحاد السوفياتي في نهاية العام 1990 وما تبعه من تمدد السيطرة الامبريالية إلى أوروبا الوسطى والشرقية، تارة عبر تفتيت بعض البلدان الاشتراكية السابقة وضم أجزائها الجديدة إلى الاتحاد الأوروبي، وطورا عبر السعي لمحاصرة روسيا من خلال تمدّد حلف شمال الأطلسي ليطال أغلبية البلدان الاشتراكية السابقة وأفغانستان وفنلندا... هذا، إلى جانب افتعال المشاكل للصين من خلال "انتفاضات هونغ كونغ"، والحملات الأخرى التي تحمل عنوان "حقوق الانسان"، وكذلك محاولات التأثير على أسواق الأسهم وإثارة المشاكل العسكرية لمنع إنجاز خطة "طريق الحرير" الجديدة التي أعلنها الرئيس الصيني شي جينبينغ في ربيع 2019 بمشاركة ممثلين عن 150 بلدا والتي تقضي باستثمار مليارات الدولارات من أجل تنفيذ أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ الانسانية، يشمل بناء الطرقات والسكك الحديدية والمرافيء والمناطق الصناعية التي تؤمن انتقال المنتجات العالمية بين كل قارات الأرض دون أية عوائق.

الحرب العالمية الثالثة من أوكرانيا إلى غزة
إنطلاقا مما تقدّم، ونظرا للأزمة الرأسمالية المتفاقمة، في الولايات المتحدة بالتحديد نتيجة كلفة الاعتداءات الممتدة من العراق إلى سوريا وأفغانستان واليمن، انتقلت الحرب إلى قلب أوروبا بسبب محاولات واشنطن الدخول إلى عقر الدار الروسية من خلال الجبهة الأوكرانية؛ وكثر الحديث عن اقتراب اندلاع الحرب العالمية الثالثة، خاصة بعد الاجتماع الأخير الذي عقدته مجموعة "البريكس"، في شهر آب من العام الماضي، في جمهورية جنوب أفريقيا والذي قيل عنه أنه شكّل تهديدا لاستمرار السيطرة الأميركية على العالم، إن من حيث الاتساع الجغرافي الذي وصلت إليه المجموعة خلال الاجتماع، أم  خاصة من حيث القوة الاقتصادية التي أصبحت تمثلها عالميا، خاصة بعد أن تبيّن أن الجبهة الأوكرانية لم تستطع تحقيق المطلوب منها بالنسبة لإضعاف روسيا، على الرغم من كل الدعم العسكري واللوجستي والمالي؛ بل إنها، على العكس من ذلك، ساهمت في تفاقم أزمة الاتحاد الأوروبي والدول الأساسية فيه إلى درجة تشير فيها التوقعات إلى انهيارات اقتصادية ومالية نتيجة ازدياد التضخم، والغلاء، وتراجع النمو المترافق مع تراجع كبير في معدلات الانتاج، الصناعي على وجه الخصوص.

من هنا، كان لا بد من فتح جبهة جديدة تؤمن لواشنطن وحلفائها، ولذراعها العسكري، استعادة بعض من أوراق فقدتها، إن في أميركا اللاتينية أم في أفريقيا، ومن هيبة مرّغت في أوحال أوكرانيا.  فظنت إدارة بايدن أن الانتصار الأسهل يمكن أن يكون في فلسطين المحتلة، خاصة بعد تهافت الأنظمة العربية لخطب ود الكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معه من خلال ما سمي ب"صفقة القرن"، على حساب القضية المركزية وبحجة أن أمد الحروب طال ولا بد من الوصول إلى سلام طال انتظاره... سلام سيؤدي (حسب الدعاية الأميركية – الخليجية المشتركة) إلى "إنعاش اقتصاد المنطقة، ومنح الفرص لشعوبها، من ضمنهم الفلسطينيين، لعيش حياة أفضل"... ولا ننسى في هذه العجالة من التذكير بالمشروع الامبريالي الأميركي للسيطرة على منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية، بالاضافة إلى وضع اليد، بالتعاون مع الصهاينة والنظامين اليوناني والقبرصي، وبعض الشركات التنقيب على البترول، على الغاز المتواجد في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وبالتحديد في المياه الاقليمية لقطاع غزة.

حساب الحقل... وحساب البيدر
غير أن حساب الحقل لم يأت على حساب البيدر. إذ أن المشروع ووجه بمقاومة شعبية في أكثر من بلد عربي، وفي فلسطين بالتحديد. وأتت معركة طوفان الأقصى لتظهر ازدياد هشاشة الجيش الصهيوني، بعد المواجهات الممتدة من العام 1982 وحتى يومنا هذا، إن في قطاع غزة والضفة الغربية أم في لبنان. كما أن الجرائم الوحشية التي ترتكبها القوات الصهيونية ضد المدنيين العزّل، وبالتحديد القتل المتعمّد للأطفال والنساء، وما أثارته من ردود فعل شعبية، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، وما يبحث اليوم في محكمة العدل الدولية باتجاه إثبات ارتكاب الكيان المغتصب جريمة الابادة الجماعية، قد أدّت كلها إلى إسقاط القناع عن أوجه قيادات الحركة الصهيونية ومن هم وراءها... ونعني بهم كل المتعاقبين على الحكم في واشنطن، أكانوا من الجمهوريين أم من الديمقراطيين، وكذلك قيادات الأنظمة الرأسمالية في أوروبا الذين حصلوا أو يحاولون الحصول على حصة، ولو ضئيلة، من "الكعكة" البترولية والغازية الجديدة...

هذا الاستنتاج المتعلّق بالمتغيرات التي طرأت على الرأي العام العالمي تجاه الموقف من القضية الفلسطينية، مرفق بالعزلة التي وصلت إليها واشنطن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والتي اضطرتها إلى استخدام الفيتو مرارا وتكرارا لمنع إمرار مشاريع قرارات ليست في صالحها ولا في صالح الكيان الصهيوني، يؤكد انطلاق بداية النهاية للمشروع الامبريالي – الصهيوني الجديد للسيطرة على العالم. غير أن هذا الاستنتاج لا يعني أن النهاية في متناول اليد قريبا.

من هنا، لا بد من التشديد على كيفية تطوير كل أشكال مقاومة الاحتلال وعلى توسيعها لتشمل كل العالم العربي، بحيث تعمل على الاطاحة باتفاقيات "السلام" مع العدو، بدءا من اتفاقية كمب دايفيد ووصولا إلى اتفاقية أوسلو وكل الصفقات التي تأمنت بفعلهما... وهذا يتطلّب، أولا وأخيرا، توحيد النضال الذي تخوضه أطياف المقاومة على الأصعدة كافة، وبالتحديد الوحدة الميدانية لفصائل المقاومة الفلسطينية.