" كتب موسى جرادات"
منذ السابع من اكتوبر ولحظة بدء الحرب وحتى هذه اللحظة ، كشفت الحرب المتواصلة على غزة ان هناك لحظة انكشاف واضحة في بنية دولة الاحتلال في كل مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتتجلى عملية الانكشاف بجملة من التعبيرات العامة والتي يمكن لحظها بصورة مباشرة ودون الحاجة الى الغوص والتحليل وربط المعطيات ببعضها البعض .
فعلى الصعيد السياسي ، حاولت القيادة السياسية في دولة الاحتلال ، توظيف الحدث في السابع من اكتوبر ، خدمة لأجندات معدة مسبقا وتتعلق بالسعي الحثيث إلى التخلص من أعباء القضية الفلسطينية ، تخلصا نهائيا ، عبر استثمار لا متناهي ، وتحت مظلة أن الحرب وجودية وتتعلق بمصير دولة الاحتلال ، فكل الخطاب السياسي الذي يبرر استمرار الحرب ينطلق من هذه النقطة ويدور حولها ، وبالتالي فإن السلوك الإجرامي المتوحش يجد مشروعية لمبرراته خدمة لتلك الأجندة .
وعلى هذا المنوال يمكن تفسير الخطاب السياسي الصهيوني ، الذي رأى بهجمات السابع من اكتوبر فرصة لا تعوض ، ليس فقط التخلص من المقاومة الفلسطينية بل عبر التخلص من الشعب الفلسطيني ، وذلك لتحقيق طموحاته القصوى في انجاز مهمة الحركة الصهيونية بكل أبعادها .
لكن ما يستوجب التوقف عنده ، أن هذه الآمال والطموحات جاءت في ظل وجود أزمات بنيوية تعتلي النظام السياسي لدولة الاحتلال ، عبرت عنه حالة الترهل السياسي والصراع الحزبي وأزمة قيادة منذ أكثر من خمس سنوات مضت ، وجاءت أيضا في ظل حالة من التفكك والاستقطاب المجتمعي وبالتحديد على قضايا جوهرية تمس هوية الدولة ، وفي المقابل الصراعات الهوياتية للتشكيلات المجتمعية بين علماني ومتدين وبين شرقي وغربي ، ومع هذا كله تجند الكل الصهيوني وفي حالة اجماع كلي على تأييد كل ما يجري من عمليات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين .
فهل كان هذا الإجماع القائم اليوم هو محاولة للخروج من الأزمات الداخلية ؟ هذا السؤال ربما تكشف إجابته ، عن الكيفية التي يسلكها صناع القرار داخل دولة الاحتلال ، في تقديم التبريرات لكل هذا السلوك المتوحش والهمجي.
ومن السخف القول إن استمرار الحرب وإطالة أمدها مرتبط إلى حد بعيد بأزمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فتشخيص المسألة ، يقلل إلى حد بعيد فهم الأبعاد الحقيقية الكامنة وراء هذا التغول الغير مسبوق ، ونحن نجد في المقام الأول انصياعا كليا لكل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية لكل قرارات نتنياهو الماضي بها حتى النهاية ، ولو كان الأمر مرتبط فعلا بأزمة شخصية ، لرأينا كوابح فعلية من قبل مؤسسات الدولة ، التي تمضي قدما في تنفيذ تعليماته دون توقف ، صحيح أن هناك ضجيجا إعلاميا لكنه لم يصل حد الوقوف في وجه هذه السياسات .
يعني هذا أن الخطاب السياسي والسلوك على الأرض متناسقان لدرجة أن الداعم الغربي وبالتحديد الأمريكي مازال حتى هذه اللحظة يشكل حائط صد دفاعي عن دولة الاحتلال في كل المحافل الدولية ، فالفعل الجرمي في غزة لم يأتي فقط من حالة انتقام لما جرى في السابع من اكتوبر ، ولم يأتي أيضا من وجود أزمة لنتنياهو ، أو فائض القوة لدولة الاحتلال ، بل جاء في سياق تقاطع المصالح الأمريكية الغربية مع دولة الاحتلال ، في سبيل إعادة تشكيل المنطقة وإخضاعها كليا ، تكون فيه دولة الاحتلال المركز الأساسي والفاعل الإقليمي رقم واحد ، ولتحقيق هذا الهدف ، لا بد من تدمير المقاومة في غزة تدميرا كليا ، بحيث تصبح عبرة لكل حركات المقاومة في المنطقة ، وما لا تستطيع عليه دولة الاحتلال تتكفل به الولايات المتحدة الأمريكية ؛ وعملية توزيع الأدوار واضحة للعيان وتجري أمام الجميع ، يضاف إليه التخلص من الفائض السكاني لقطاع غزة ، وإخضاع الباقي للزمن العبري ، هذا المنطق الواضح ، معلن ونجد في خطابات نتنياهو وقادة الاحتلال تعبيراته العملية ، فالدولة الفلسطينية المزعومة والموعودة والاعتراف الغربي بها ، هي مجرد مخرجات لهذا الفعل الإجرامي المفضوح والواضح بكل تجلياته ، فلا وعد بسيادة ، ولا وعد بحدود ، ولا وعد بأي شيء قطعي وملزم .
وأمام تلك المعطيات يمضي نتنياهو وخلفه دولة الاحتلال في طريق الحرب حتى النهاية ، فلا خلافات جوهرية لأهداف الحرب داخل النظام السياسي لدولة الاحتلال، ومن لا يريد قراءة هذا المشهد على هذا النحو ، فهو ما يزال يعيش توهمات السلام المزعوم ، الذي لم يبقى منه شيء.

