"كتب إيهاب غسان"
جاء بيان حركة فتح على النقيض من تاريخ الحركة التحرري في المقام الأول، لكونه يعبر عن مصالح السلطة والبحث في سبيل استمراريتها، البيان ينطوي على جُملة من المغالطات التاريخية والسياسية والتي لا تقوم على رؤية سياسية تحررية تتسق والمرحلة الراهنة التي يشهد فيها الشعب الفلسطيني في غزة إبادة جماعية ومخططات فعلية للتهجير القسري في كافة أنحاء فلسطين التاريخية.
مغالطة في الوصف
بدأ البيان بمغالطة تاريخية وذلك بوصف يوم 7 أكتوبر بـــ "المغامرة غير المحسوبة"، وبالتالي تفريغ ذلك الحدث من مضمونه الثوري وتجريده من هدفه التحرري الذي قام من أجله طوفان الأقصى، وذلك بعد أنّ وصلت القضية الفلسطينية مرحلةً واجهت فيها خطر التصفية مرّة وللأبد في ظل تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني وتكثيف حملات الاعتقال وعمليات الاغتيال في الضفة الغربية دون رادع، وتصعيد الاعتداءات على الأسرى ومحاولات فرض حقائق جديدة تناسب المشروع الاستيطاني في القدس .
وعلى المستويين اللإقليمي والدولي، كان العمل جارياً على توسيع رقعة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتغييب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني عن أجندة السياسة الدولية، في هذا السياق، كان الاتجاه السائد يتناول القضية الفلسطينية كمسألة حدود، وأراض "متنازع عليها"، ولكن الطوفان أثبت أنّ فلسطين أرضاً وشعباً وحدة واحدة لا تتجزء، وأنّ الهدف هو تحرير الأرض والإنسان، ليس من باب المثالية والمبالغة في الأمل، ولكن من باب الضرورة التي تُحتم النضال ضد المستعمِر.
مغالطة في الفعل و"ردّ الفعل"
جاء البيان "رداً" انتقادات وجهتها المقاومة على التفرد بتشكيل حكومة جديدة بطريقة انتقائية وإقصائية، والحقيقة أبعد من ذلك، وأنّ هذه الحكومة تمّ تشكيلها استجابةّ لضغوط خارجية وفي سياق الترويج لخطة "اليوم التالي للحرب في غزة"، وهذا التعبير بذاته وتجلياته يأتي من خارج الحدود والأجندة الوطنية – التحررية وينطوي على خطوات من شأنها التقليل من حجم الحدث في 7 أكتوبر، بالإضافة إلى تجاوز المسألة الأساسية في هذا الوقت، وهي وقف الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وفي وقت يكون المطلوب فيه إنجاز الوحدة الوطنية –مع مراعاة شرط وطنية الوحدة- على أسس تحررية، يأتي قرار تشكيل حكومة جديدة بما يحمله من مبررات يأتي في غير مصلحة الرواية الفلسطينية، وكأنّ ما يحدث ليس بإبادة جماعية، بل مجرد "مشاكل إدارية" تتطلب حكومة "تكنوقراط". بالإضافة إلى ذلك، فإن الإدعاء بأنّ رئيس السلطة هو "صاحب الحق" في تشكيل الحكومة يتناقض مع الحقائق والتي تُفيد بأن ولاية الرئيس قد انتهت منذة عام 2009.
مغالطة في الأدوار
على الرغم من أنّ المقاومة وجهت النقد إلى السلطة وطريقة تشكيل الحكومة، إلّا أنّ الرد أتى من حركة فتح، وبكلمات أخرى فإنّ السلطة تقرر وفتح ترد، وهذا ما يطرح التساؤل حول استمرار السلطة باستغلالها لتاريخ الحركة النضالي، وهذا ما يعبر أيضاً عن النهج الإقصائي الذي تتبعها قيادات الحركة، ويُعد ذلك مؤشراً على الثقافة السياسية السائدة في المناصب القيادية للحركة والمتمثلة بالنخبوية والتفرد.
وقد يكون الهدف من هذا النهج المتمثل بتقديم الحركة على السلطة تغييب مسألة جوهرية وضرورية في هذه المرحلة، وهي مناقشة حقيقة مصطلح "الانقسام"، فمن المشاهد التي أعاد انتاجها طوفان الأقصى بصورة واضحة، كان موقع السلطة في خارطة القضية الفلسطينية والتي أظهرت انصياعاً لمشاريع وأجندة الاحتلال وفي هذه الحالة، لم تعد مسألة انقسام، بل تعاون وشرط استمرار للاحتلال، وبالتالي فإن استخدام حركة فتح بتلك الطريقة الهدف منه تغطية السؤال عن موقع وموقف السلطة.
ما قبل المغالطات وما بعد الطوفان
للنظر في موقع السلطة لا بُد من تسليط الضوء على نهجها القمعي –والذي يشكل أحد مداخل فهم المغالطات، فمنذ السابع من أكتوبر وما قبله انخرطت السلطة بكل ما تبقى لها من قوة ونفوذ في قمع المقاومة وحاضنتها الشعبية في الضفة الغربية، في خطوة بلا شك أنها محسوبة وبالانحياز التامّ إلى نهج أوسلو التطبيعي الذي يصب بالدرجة الأول في الحفاظ على مصالح الاحتلال ومخططاته الاستيطانية والتوسعية.
أوسلو ذلك النهج الذي كُل ما استنفذ قواه، ظهرت فواعل وعوامل إقليمية ودولية تسارع إلى إعادة انتاجه ليبقى مشروع السلطة أداةّ طيعة بيد الاحتلال وحلفائه، ولعلّ هذه المرحلة لا تتطلب فقط انتقاد ذلك النهج، بل أنه بات من الضرورة بمكان محاكمته محاكمة تاريخية ووطنية تحت عنوان المقاومة، وغير ذلك، فإن استمرار هذا النهج، في الوقت الذي يشهد فيه الشعب الفلسطيني إبادةّ جماعية ومخططات التهجير القسري، لا يعد إلّا مشاركة في إيجاد حلول للأزمة التاريخية للكيان الصهيوني.

