كتب حلمي موسى*
منذ امتناع الولايات المتحدة عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على قرار وقف النار الفوري في غزة، فتحت حكومة نتنياهو النار في كل الاتجاهات على إدارة بايدن وكادت تتهمها بـ"دعم الإرهاب" و"اللاسامية". وعبرت إدارة بايدن بشكل لطيف عن امتعاضها من الموقف الإسرائيلي مبدية مفاجأتها بحدته ونسيان كل ما فعلته هذه الإدارة مع إسرائيل خلال هذه الحرب. وقادت المواجهة بين نتنياهو وإدارة بايدن إلى تنامي الانتقادات في إسرائيل لنتنياهو الذي يضحي بالعلاقة مع أميركا وهي ركن أساسي من أركان الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي.
وكان ترحيب حماس بصدور قرار مجلس الأمن على محدودية أثره على واقع الحرب كافياً لاتهام إسرائيل للولايات المتحدة بأنها بامتناعها عن التصويت خدمت حماس وأضرت بالمجهود الحربي الإسرائيلي وتقريباً منعت تحقيق النصر المطلق. بل أَضْفَت إلى ذلك اتهام أميركا بأنها ساهمت في تعثر المفاوضات من أجل صفقة التبادل. وكان مصدر سياسي قد أعلن أن "حماس رحبت بالقرار في مجلس الأمن وتعثرت المفاوضات من أجل إطلاق سراح المختطفين - وهذا يوضح كل شيء". ومع ذلك، ذكر البيت الأبيض أننا "لن نمارس السياسة بشأن هذه القضية الأكثر أهمية وصعوبة، وسنواصل التركيز على الاتفاق على إطلاق سراح المختطفين المتبقين".
وأعلن متحدث باسم الخارجية الأميركية أن رد حماس تم إعداده قبل التصويت في الأمم المتحدة، وليس بعده. ولكن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية أكد أن إعلان حماس "يثبت بوضوح أنها غير مهتمة بمواصلة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق، وهو شهادة مؤسفة على الضرر الذي أحدثه قرار مجلس الأمن". فاضطر البيت الأبيض لإعلان أن القول بأن قرار الأمم المتحدة أضر بالمفاوضات من أجل إطلاق سراح المختطفين ليس دقيقاً. وأعاد الأميركيون تأكيد أن اجتياح رفح سيلحق الضرر بالمدنيين الفلسطينيين وبالأمن القومي الإسرائيلي ويبقي الدولة العبرية معزولة في العام.
وساهمت الصحافة الإسرائيلية في السجالات، ولكنها تقريباً أخذت في الغالب جانب أميركا وحملت على نتنياهو وحكومته. وهكذا كتبت "هآرتس" في افتتاحيتها" أن "نتنياهو رجل الهدم" وأن بوسعه أن يضيف إلى قائمة إخفاقاته "أزمة دبلوماسية مع حليفتها الأقرب، عرابتها في العالم، القوة العظمى الأميركية، التي خرجت عن طورها كي تقف إلى جانب إسرائيل منذ نشبت الحرب. مجلس الامن في الأمم المتحدة تبنى أمس مشروع قرار يدعو إلى وقف نار فوري وتحرير المخطوفين، فوراً وبلا شروط. بخلاف المرات السابقة، أُجيز المشروع هذه المرة لأن الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت ولم تستخدم حق النقض الفيتو".
ورأت أنه بدلاً من أن يعترف مرة أخرى بإخفاقه، يبدي تغييراً فورياً في النهج في الموقف من الولايات المتحدة، يعتذر لمواطني دولة إسرائيل على التسونامي السياسي الذي أوقعه عليها، ويستقيل مكللاً بالعار على سياسته السائبة، التي حملت إسرائيل في 7 أكتوبر إلى شفا الهوة، اختار نتنياهو أن يواصل المهانة واستفزاز الأميركيين. في أعقاب التصويت ألغى نتنياهو سفر الوفد الإسرائيلي إلى واشنطن واتهم الولايات المتحدة بأنها تراجعت عن موقفها الثابت ومست بالجهد الحربي. دون ذرة خجل، اتهم ديوانه الولايات المتحدة بالمس بالجهد لتحرير المخطوفين وتوفير إسناد لحماس. وقد كانوا على مسافة خطوة عن اتهام الأميركيين بدعم الإرهاب، وفقاً للصيغة التلقائية لآلة السم.
وخلصت الافتتاحية إلى أن نتنياهو لا يمكنه أن يتهم إلا نفسه. فالأميركيون خرجوا عن طورهم كي يوضحوا لإسرائيل بأن صبرهم نفد. التوتر ارتفع حول إمكانية العملية في رفح. معارضة بايدن القاطعة لعملية واسعة هناك طرحت في حديثه مع نتنياهو، كما طرحت في زيارة غانتس إلى واشنطن وفي زيارة وزير الخارجية أنطوني بلينكن إلى القدس . كما أن نائب الرئيس (كاميلا هاريس) أطلقت أمس تحذيراً في مقابلة أجرتها مع شبكة "IBC" لكن شيءً من كل هذا لم يمنع نتنياهو، وزراءه ورجاله من أن يستخفوا بالدعم الأميركي: "إذا اضطررنا، سنفعل هذا وحدنا"، بربر نتنياهو فيما أن آخرين بثوا الرسالة إياها بصياغات أخرى، وكأن إسرائيل ليست متعلقة بالولايات المتحدة وبدعمها." وقالت "لقد أصبح نتنياهو مشكلة لإسرائيل. فهو يكشفها أمام مخاطر استراتيجية من شأنها أن تجبي ثمناً باهظاً على نحو خاص".
أما في يديعوت أحرنوت فكتب كبير المعلقين السياسيين، ناحوم بارنيع، تحت عنوان "ملوا منه - نتنياهو يضحك الأميركيين" ماذا فكر نتنياهو بنفسه. أنه إذا ما أنزل موظفين اثنين من الطائرة في مطار بن غوريون ستفزع أميركا وستستخدم من الآن وصاعداً الفيتو على كل مشروع قرار مناهض لإسرائيل في الأمم المتحدة؟.
وأضاف: "لقد طلب الرئيس بايدن من نتنياهو أن يرسل الوفد كي ينقل رسالة بواسطته" أميركا تستخدم على كل عملية في رفح تعرض للخطر حياة ورفاه مليون ونصف نازح وصلوا إلى هناك من شمال القطاع. ليس أقل من مقلق ذاك الجانب الإنساني تقلقها الصور والشهادات التي ستبث من هناك. إسرائيل هي عبء انتخابي في حملة انتخابات قاسية. بايدن لا يمكنه أن يسمح لنفسه مزيداً من الصور القاسية، مزيداً من موجات المظاهرات. الجناح اليساري في حزبه يهدد بتركه ومعه ملايين الناخبين الشبان.
اذا كان ديرمر وهنغبي لا يأتيان فقد جاء غالنت. هو سينقل الرسالة. وإذا كان هذا أيضاً لن يجدي نفعاً فإن الرسالة ستنقل بوسائل أخرى: فرض شروط على استخدام الذخائر والطائرات الأميركية، توسيع العقوبات على المستوطنين، وربما أيضاً الإعلان عن إعادة تقويم للعلاقات بين الدولتين. تعلق إسرائيل بأميركا أعظم مما كان في أي وقت مضى. ومثلما في كل علاقات تعلق، فان كل خطوة هي رسالة.
أحد هذه الأفعال كان القرار بعدم استخدام الفيتو على الدعوة لوقف النار في مجلس الامن. ليس للقرار نفسه معنى عملي. فقد جاء الامتناع لإسعاد الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي وللإيضاح لنتنياهو بأنه يوجد ثمن للتمرد. الإدارة لا تعطي بعد اليوم إسرائيل شيكاً مفتوحاً في الأمم المتحدة وفي المؤسسات الدولية. كل شيء مفتوح للدراسة: لا شيء تلقائي. وكذا الـ 14 مليار دولار التي وعد بها بايدن إسرائيل لم تقر في الكونغرس بعد: كل شيء في الهواء.
وخلص إلى أن " المفارقة هي أن الهجوم الإسرائيلي الكبير على رفح هو بمثابة بيضة لم تفقس بعد. لقد سبق لنتنياهو أن طرحه للتنفيذ الفوري قبل شهر، وذلك فقط كي يبقي على قيد الحياة وعده بالنصر المطلق. في الجبهة لم يحصل منذئذ أي شيء: لم تعد أرض بديلة لنقل النازحين، لم يتم الحصول على موافقة من مصر على نشر القوات على طول الحدود، لم تحشد القوات لخطوة برية. كله حكي. الأميركيون يعرفون الحقائق، بالطبع: هم بحاجة لرفح للسبب ذاته الذي يجعل نتنياهو يحتاجها: للإثبات بأنهم يفعلون شيءً ما، باستثناء أنه العكس."
ولكن "هآرتس" عادت وكشفت القلق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من المساس بالعلاقات مع أميركا. وأشار المراسل العسكري للصحيفة عاموس هارئيل إلى أن "الجيش الإسرائيلي في الحقيقة يغرق الجمهور في إسرائيل بصور وبيانات للمتحدثين من الميدان في قطاع غزة. ولكن التطورات الأكثر أهمية في هذه الأثناء تتم مشاهدتها بعيداً عن ساحة القتال. الحرب في القطاع تقلصت إلى قتال في معركتين لوائيتين – العملية في مستشفى الشفاء والعملية الأصغر التي بدأت في مستشفى الأمل في خانيونس. ولكن وجه المعركة ستمليه الآن أحداث أخرى على رأسها شبكة العلاقات الصعبة بين الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل. أمس هذه تحولت إلى قطيعة مكشوفة بعد أن امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو من أجل إسرائيل. ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أعلن عن ذلك بصورة غير مسبوقة بأنه ينوي إلغاء سفر بعثة سياسية إلى واشنطن.
واعتبر هارئيل أنه لم يكن من المفاجيء أن تهديد إسرائيل لم يغير موقف الرئيس. يبدو أن بايدن سيتدبر أمره أيضاً بدون هذه الزيارة. السؤال هو كيف ستتدبر إسرائيل أمرها. في قيادة جهاز الأمن. يوجد قلق كبير من تفاقم سوء العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتدهور في مكانة إسرائيل الدولية. الخوف، الذي يشارك فيه كل من يتلون المناصب الرسمية، هو من أننا في بداية إجراءات ستستمر لسنوات وسيكون من الصعب وقفها. وهي من شأنها أن تعرض إسرائيل للمقاطعة وتقديم ضباط للمحاكمة في لاهاي وبرود العلاقات مع دول صديقة. نتنياهو نجح في إغضاب الإدارة الإميركية وحكومات صديقة أخرى في الغرب مرة تلو الأخرى خلال 15 شهراً من حياة حكومة اليمين المتطرفة التي شكلها في نهاية 2022. الاستياء في الغرب ازداد مع ازدياد تعقد الحرب في غزة ورفض نتنياهو مناقشة التسوية السياسية لليوم التالي للحرب.
في المحادثات مع نظرائهم الإسرائيليين اشتكت الشخصيات الرفيعة الأميركية من أنهم لا يعرفون ما الذي يريده رئيس الحكومة، لكن الحقيقة هي أن رغبة نتنياهو واضحة جداً. ففي وضعه الحالي البقاء السياسي هو الآن قيمة عليا، وإذا كان استمرار الحرب حتى من خلال الادعاءات المتزايدة ضد إسرائيل على خرق قوانين الحرب الدولية، هو الذي سيضمن بقاءه في الحكم فهو مستعد لذلك بالضبط. كل الوسائل مباحة، وضمنها كما يبدو تأخير آخر لعقد صفقة التبادل. هذا السلوك يثير الشكوك لدى معظم أعضاء كابينت الحرب تجاه خطوات نتنياهو فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة، وفيما يتعلق بالعملية المخطط لها في رفح وبخصوص المفاوضات حول الصفقة.
وكان لافتاً أن رئيس تحرير هآرتس ألوف بن كتب مقالة بعنوان "نتنياهو يحاول تمديد الوقت حتى عودة ترامب لكن أزمة اللاجئين في شمال القطاع لن تنتظره". ورأى أن "في مركز المفاوضات الحالية بين اسرائيل وحماس تقف مشكلة اللاجئين. هل ستسمح إسرائيل للفلسطينيين بالعودة إلى شمال القطاع، الذي تم طردهم منه في بداية الحرب، أم أنه سيتم طردهم من هناك إلى الأبد والمنطقة تبقى تحت سيطرتها. من هذا النقاش يشتق أيضاً النقاش العام الحالي في اسرائيل: هل نعيد شمال القطاع للفلسطينيين مقابل المخطوفين، كما تطلب أحزاب الوسط. أو نتنازل عن المخطوفين ونتمسك بالأرض كي نقيم عليها مستوطنات يهودية، حسب موقف اليمين المتطرف."
*كاتب صحفي من غزة

