التاريخ يلتهم الوقت المملوء بالحكايات المؤلمة، والحقيقة تتجرع السم بملء إراداتها أمام مشاهد الموت، والأخير لم يبق بعده شيء يمكن الحديث عنه خصوصًا الصمت المطبق عما يجري في فلسطين، أما عقرب الساعة ما زال عاجزًا عن البوح عمن سرق ثواني الوجود والفرح وتحقيق الأحلام، ولكن وحدها البندقية وهي سيدة المقاتل تبحث بين الركام، وهدير الحرب عن ضبط الإيقاع من جديد عبر الرصاصات، لعلها بذلك تؤكد أن هناك بشرًا يستحقون البقاء والأحلام والمستقبل، ولذلك ترفض الرصاصات داخل دوامة الساعة الملعقة على الحائط المدمر فكرة تغيير الوقت والحقيقة.
من صُلْب الكلمات السابقة يرحل الشهداء مؤكدين أن العالم لا يسحق العدل فقط بحقارة كل يوم كما قال الأديب والشهيد غسان كنفاني ، بل أيضًا يسحقون الحقيقة والفضيلة والأخلاق، وأكثر يرحلون الشهداء في سبيل منح الأحرار ليس الحرية فقط أيضًا، بل ليمنحوا الأحرار الحقيقة، تلك الحقيقة التي تقول: في وقت الكذب الذي يمتهنه العالم، يكون قول الحقيقة عملًا ثوريًا، وإن سر الحقيقة أنها قاسية في معظم الأحيان، ولذلك علينا إلا نُقيم للحقيقة نصبًا تذكاريًا، بل ما مطلوب انتزاع الحقيقة من فم الثعلب، واستعادتها للوجود، وذلك لا يمكن أن يحدث دونمَا مواجهة الموت من مسافر صفر.
يصبح الدَّم قربانًا للوداع على عتبات الحقيقة، إذ هناك يختلط الصراخ مع الدموع، بل وتختلط الأحلام والتضحيات مع الامتحان الأبدي لحق البقاء، فضلًا عن ذلك تؤجل الحياة في الإدراج ليعلوها الغبار، ولتكتشف الأمهات والآباء أيضًا بعد سنين أن دفاتر الحياة قد تم نسيانها للأبد، إذ وحدهم الذين رحلوا في خضم الحياة كانوا يستحقون الحياة، وبرحيلهم أصبحت هذه الدفاتر لا تستحق الخربشة على صفحاتها.
إذا موجع الرحيل من أجل الحقيقة، تلك هي الحقيقة التي نكتشفها أمام الخبر الأول والأخير، بل الخبر الأبدي الذي يقول: " أبنك شهيد"، إذ أمام هذا الخبر اكتشفت أم الشهيد "نيهل بريغيث" دفعة واحدة وللمرة الأولى أن الحكاية قد أصبحت فعلًا حقيقة، وتبدل المشهد، حيثُ طفلها نيهل قد سبقها إلى النهاية، وهي من كانت تُسابق الزمن إلى تلك النهاية حتى يخطو طفلها إلى الحياة، ولكنها لم تكن تدرك أن الكذب قد سرق حذاء الحقيقة دونمَا حسيب أو رقيب، وأخذ الأول يركض منتشينًا فوق جثث الأطفال والنساء، وأكثر فوق قصص الغصة الفلسطينية، بل وفوق الألم والدموع والحسرة، ومشاهد الوداع، إذ الكذب يدوس بحذاء الحقيقة العدل بالمجازر والإبادة في فلسطين.
انطلاقًا من المناقشة السابقة يمكن القول علينا أن نحصد الحقيقة من فوهات أمهات الشهداء، حيثُ الحقيقة هنا تتربع على العرش، ويُنطق بها ملاذ أخير في محاورة الفقدان ولحظة الوداع، وفي هذا السياق تقول أم الشهيد "نيهل بريغيث": " القدس للشعب الفلسطيني أحنا الشعب اللي قدمنا أولادنا، وقدمنا الدم"، وعليه يجب أن نتمسك بهذه الحقيقة مع رحيل كل شهيد، إذ هنا نصبح أكثر حرية، ويتبدد الوهم، ويكبر الأمل، ويصبح النصر أكيد.
إن قيمة كلماتنا السابقة عن الحقيقة تتبدد أمام مشهد الرحيل الأبدي لطفل لم يبلغ السابعة عشر، حيثُ هذا الطفل تجرأ ببراءة الطفولة ومشى نحو خلوده الأبدي مواجهًا الموت القادم نحوه عبر الرصاصات، إذ أن "نيهل بريغيث" كان مصممًا على البحث عن الحقيقة، فقط تعرض لإصابة قبل استشهاده بشهرين ونجا بأعجوبة، ولكنه عاد إلى الشارع عند أول مواجهة، ولكنه كان عائدًا وهو يُلقي ما قاله الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" في قصيدته "أيها المارون بين الكلمات العابرة"، إذ قال درويش: " أيها المارون بين الكلمات العابرة، منكم السيف، ومنا دمنا، منكم الفولاذ والنار، ومنا لحمنا، منكم دبابة أخرى، ومنا حجر، منكم قنبلة الغاز، ومنا المطر، وعلينا ما عليكم من سماء وهواء، فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا".
في الحديقة الخلفية للحقيقة التي كان يبحث عنها نيهل عبر العودة توجد الحقيقة ذاتها، إذ الحقيقة قائمة كقوة، القصد في الحديقة الأمامية والخلفية، حيثُ يكمن حقيقة الوجود، والأمان على سرير النوم دون الخوف من قنابل الغاز، وأكثر حقيقة الحياة، والفرح...، حيثُ لا يمكن أن يكون للحقيقة أشياء مضمرة، إذ داخل ثقل الحقيقة يوجد ثقل الوداع والألم والقهر والظلم بالنسبة لعائلات الشهداء، وأما بالنسبة للعالم المتفرج على عذابات الشعب الفلسطيني يوجد داخل خفة الحقيقة خفة الكذب والخداع والقتل والإبادة والصمت...
أخيرًا وليس أخرًا إن كلماتنا السابقة ليست إلا حبسة* سببها حجم الوجع الذي يتولد أمام مشاهد القتل، وأكثر لم تعد قصص الشهداء يمكن احتواءها بالكلمات، إذ الاختناق الصادر عن الصمت هو عنوان الموقف، ولكن تبقى هناك حقيقة واحدة رواها الشهيد نيهل بريغيث بالدم تقول: "يومًا ما ستأتي رياح الحقيقة لتعصف رماد الكذب الذي يُغطي وجه العالم"، وفي سياق منفصل لم يكن نيهل مغرمًا بالموت من أجل الحقيقة، بل بأسلوب الرحيل، إذ الموت هو الحقيقة الأزلية، والامتحان الأبدي، حتى يتفوق فيه نيهل كان يُطارد الحقيقة الضائعة، إذ الحقيقة هي الثابت في المعادلة، والكذب هو المتغير، ولأجل ذلك من السخافة التوقع أن الاحتلال سوف يتعامل بالحقيقة، إن ذلك يتعارض مع حقيقته الأبدية كاستعمار، وعليه استشهد نيهل وكل الشهداء لانتزاع الحق بالحقيقة.
_____
*الحبسة (Aphasia): تُعرف بحسب علم النفس ومن الناحية الطبية هي عدم القدرة على الكلام، إذ هي حالة تؤثر على قدرة الشخص على التواصل والتعبير والكتابة وفهم اللغة المنطوقة أو المكتوبة.

