كتب ناجي صفا*
"إسرائيل" أخطأت التقدير عندما بالغت في عرض قدراتها وضربت القنصلية الإيرانية في دمشق، الأمر الذي أحرج إيران تجاه حلفائها وأصدقائها في العالم، فقررت مغادرة حالة الصبر الاستراتيجي. آخذة بعين الاعتبار موقعها ودورها الجيوسياسي في المنطقة والعالم، وإن السكوت على تمادي إسرائيل يمكن أن يشجعها على رفع وتيرة تصديها لإيران .
إذن لم يكن أمام إيران إلا أن ترد على العدوان الصهيوني للاعتبارات الآنفة الذكر وتتعلق بهيبة وسمعة ومصداقية إيران، وهنا بدأت الحسابات الدقيقة للمجريات وما يمكن أن ينبثق عنها من تداعيات، سيما أن الولايات المتحدة كانت قد أعلنت أنها لن تدخل الحرب لكنها ستدافع عن إسرائيل.
وجدت إيران نفسها بين خيارات صعبة وخطيرة، فهي لا تريد أن تستفز أميركا، وفي نفس الوقت تريد أن تثأر لكرامتها فكانت الضربة المدروسة التي تجنبت السكان والبنى الاقتصادية واقتصرت على ضرب القواعد العسكرية التي شاركت في الضربة على القنصلية، أعطى ذلك إيران غطاءً شرعياً دولياً أنها تتصرف بموجب القانون الدولي والمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة وحق الدفاع المشروع عن النفس .
تصرفت إيران بإدراك وحس بالمسؤولية كبيرين في طريقة تعاطيعها مع عربدة الكيان ولقنته الدرس اللازم بأن يفهم أنه تجاوز الحد وأن عليه أن يدفع الثمن .
لقد كسرت إيران التابوهات التي وضعت حول إسرائيل وأخذت بعين الاعتبار التحالف الدولي المؤيد والداعم لإسرائيل لذلك كانت الضربة مدروسة عسكرياً واستراتيجياً بما لا يفجر حرب واسعة في المنطقة، وهي بذلك أرست قواعد اشتباك جديدة وأبعاد استراتيجية لم تكن متوفرة .
لقد أعادت إيران الأحجام إلى طبيعتها وإلى مستواها بحيث باتت الحسابات مختلفة كثيراً عن السابق، وباتت التهديدات التي تطلق ضد إيران مجرد كلام في الهواء لن يجد الترجمة الفعلية لها بعدما أكدت إيران حضورها كدولة إقليمية عظمى في المنطقة وطرفاً رئيسياً في إرساء قواعد التفاهمات في المستقبل سواء في المنطقة أو على مستوى الساحة الدولية .
لا شك أن ١٤ نيسان شكل مفصلاً تاريخياً في إعادة صياغة التوازنات الدولية والإقليمية وكرس ثوبت يصعب تخطيها، كما كرست ضربة ٧ أكتوبر اهتزازاً شديداً لبنية وهيبة الجيش الإسرائيلي يسعى منذ ستة أشهر لاستعادتها دون أن يفلح رغم المجازر التي كرسته دولياً كدولة مجرمة .
*كاتب سياسي لبناني

