Menu

تحليلالرد الإيراني: الشفاء من الهزيمة

ثائر أبو عياش

"كتب ثائر أبو عياش"

على مدار عقود طويلة تمكن الاحتلال من هندسة العقل العربي، وخصوصًا الفلسطيني فيما يخص الهزيمة، إذ كان الاحتلال كفكرة استعمارية يعمل على برمجة العقول ضمن سياق كي الوعي عبر جملة واحدة تقول: " إنَّ إسرائيل لا يمكن هزيمتها"، وتأتي هذه الجملة  في مضمار صدام الوعي ما بين المُستعمِر والمُستعمَر التي تحدث عنها الطبيب والمناضل الفرنسي فرانز فانون في كتابة معذبو الأرض، إذ تحدث فرانز عن الهيمنة والخضوع التي يعتمدها المُستعمِر عن طريق ميكانزيم الهيمنة باعتباره القوي، ويتم ذلك عبر قهر المُستعمِر عن طريق الصدمة والترويع، وتفتيت الإرادة الجماعية، وتذويب الشخصية الفردية، مُحققًا بذلك السادية الجماعية في النفسية الجماعية للمُستعمَر.

انطلاقًا مما سبق يأتي الرد الإيراني في السياق الحَفر في التاريخ، وإدانة الظلم، وإقامة الحجة والسخط الأخلاقي اتجاه المعاناة، إذ يؤكد هذا الرد على أن "إسرائيل" بالفعل هي أوهن من بيت العنكبوت كما قال الأمين العام للحزب نصر الله، وأكثر يُفتت هذا الرد نظرية " إنَّ إسرائيل لا يمكن هزيمتها"، حيثُ تمكنت إيران من خلال ردها على إثبات أن هذا الكيان ضعيف وهش، والدليل على ذلك تدخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، ومعهم بعض الدول العربية لإسقاط الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية التي أطلقتها إيران نحو الكيان، وعن تدخل بعض الدول العربية في إسقاط الصواريخ والطائرات الإيرانية تتجلى جدلية هيجل حول السيد والعبد، إذ يقول هيجل: " إنَّ السيد يفرض على العبد الاعتراف به عبر الإنكار، وبهذه الطريقة ينشأ شكل من أشكال الوعي في المهيمن.، إذ يدفع هذا الوعي العبد لأن يتعرف على الآخر على أنه سيد ويتعرف على نفسه على أنه عبد.

في صلب ما سبق يؤسس هذا الرد لنظرية "الشفاء من الهزيمة" التي تحدثنا عنها يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، إذ يأتي هذا الرد امتداد للعلاج من مرض الاحتلال الذي ينهش جسد الشعوب المقهورة، حيثُ على امتداد عقود طويلة فشلت الأنظمة العربية من صناعة مصل يُشفي الأمة العربية تحديدًا من هذا الداء، لدرجة أنها قامت بتسليح جيشها أبان النكبة الفلسطينية عام 1948بأسحلة فاسدة، وعلى مدار هذه العقود أصبح الدواء الذي تستخدمه الأنظمة العربية بحاجة لمصل هو الأخر.

إنَّ ما يُثبت حقيقة "الشفاء من الهزيمة" هي الفرحة الفلسطينية على الرد الإيراني، حيثُ صعد الشعب الفلسطيني وتحديداً في الضفة الغربية على أسطح المنازل لمشاهدة الصواريخ وهي تُعبر سماء فلسطين المحتلة، ولستُ أُبالغ هنا إذا قلت إنَّ هذه الفرحة هي الفرحة الأولى منذ بدء الاحتلال ارتكاب المجازر في قطاع غزة، إذ كانت الفرحة حقيقة على الوجوه، وفي التعبيرات التي يستخدمها الشعب الفلسطيني.

من زاوية ليست بعيدة عما سبق يأتي الرد الإيراني أيضًا في سياق تكامل "وحدة الساحات"، حيثُ محور المقاومة يدحض كل النظريات المشككة حول قدراته وإمكانياته في مواجهة الكيان الصهيوني، وأكثر يدحض هذا الدور كل النظريات التي كانت تقوم بوضع العصا في الدولاب فيما يخص الدور الإيراني وعلاقتها في محور المقاومة، ومن جديد يعود هذا الرد إلى ما قلناه سابقًا للأنظمة العربية: " إذا كانت إيران تكذب فيما يخص تهديداتها حول الاحتلال، ماذا قدمتم أنتم غير التطبيع  والخيانة، والمشاركة في الهزيمة، وأكثر إنَّ الرد على الكذب الإيراني يكون بمقاومة الاحتلال، وليس عبر الخنوع لهُ، وقهر الشعوب العربية، وتعميق الديكتاتورية في الحكم".

انطلاقًا من المناقشة السابقة يُجمع المحللين والمراقبين للمشهد أن الرد الإيراني يؤسس لمرحلة جديدة في العالم وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وأكثر يُجمع هؤلاء المحللين والمراقبين أن إيران لأول مرة تقوم بقصف الاحتلال من خلال أراضيها، وفي سياق هذا الإجماع يؤكد الرد أن إيران لم تُقدم الدعم المالي والخبرات واللوجستيات للمقاومة فقط، بل تُشارك على أرض الميدان في القتال ضمن معركة طوفان الأقصى.

بالإضافة إلى ما سبق ُثبت الرد الإيراني أن الميدان هو الساحة التي تحسم معسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء، وهذا الإثبات تجلى من خلال الرد الإيراني بشكلٍ واضح، إذ بات وعلى رأس السطح مكشوفًا من هو في المعسكر الرأسمالي، ومن هو في معسكر المقاومة، حيثُ لا حياد في الحرب، وإنَّ استجداء الحقوق من فم الثعلب لعبة خاسرة حتمًا في النهاية، إذ يكشف الرد الإيراني أن الأنظمة العربية هي التي كانت تكذب طوال عقود الصراع مع الاحتلال، وإنَّ إيران التي أغلقت سفارة الاحتلال أبان الثورة الإسلامية عام 1979 وفتحت مكانها سفارة فلسطين، هي التي كانت صادقة، وما بين الكذب والصدق نُكرر الميدان هو الغربال داخل لعبة الصراع.

أخيرًا وليس أخرًا وبالعودة إلى "الشفاء من الهزيمة" لقد تمكن الطوفان الإيراني من إثبات أن الحلم في الحرية يمكن تحقيقه، حيثُ وعلى الملأ تُعبر الصواريخ والطائرات المسيرة أجواء سماء فلسطين المحتلة لتضرب عمق الكيان الصهيوني رغم الستار الحديدي الذي أقامه النظام الرأسمالي للدفاع عن الاحتلال، وأكثر يقلب هذا الرد الطاولة ليدحض نظرية أن "إسرائيل" تمتلك أقوى جيش في المنطقة، وفي سياق متصل قد تبدلت ثقافة الهزيمة التي تم الترويج لها على مدار سنوات الصراع مع الاحتلال، لثقافة المقاومة والانتصار مع هذا الرد، هذه الثقافة التي بدأت بالتحول تدريجيًا حسبما أعتقد منذ حرب تموز عام 2006 ما بين الاحتلال والمقاومة الإسلامية في لبنان "حزب الله"، حيثُ بدأت الأجيال التي عشش فيها ثقافة الهزيمة عند قراءة وسماع أحداث التاريخ تشهد أحداث تقول "إنَّ إسرائيل يمكن هزيمتها"، والفرحة على الرد الإيراني تحديداً في فلسطين المحتلة هي الشاهد الحقيقي على أن الأجيال بدأت بالفعل بالشفاء من الهزيمة، وأكثر بدأت تخطو نحو الانتصار.