Menu

رفح أم التطبيع مع السعودية

حاتم استانبولي

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب حاتم استنبولي*

 

هذه المعادلة التي يتم تداولها منذ فترة ويروج لها من قبل بعض المراكز السياسية على أنها المعادلة التي من الممكن أن توقف الإجرام الإسرائيلي الصهيوني المدعوم من إدارة بايدن وحلفائه الصهاينة.

هذه المعادلة تطرح عدة تساؤلات: ما هي المصلحة السعودية في التطبيع مع دولة كل شعوب العالم خرجت لوقف إجرامها وعدوانها على الشعب الفلسطيني؟

لماذا تسعى الإدارة الأميركية لتقديم التطبيع مع السعودية على أنه هدية لدولة جرائم الإبادة الجماعية قاتلة الأطفال من أجل وقف قتلها وإجرامها؟

السؤال الأهم ماذا تبقى لإسرائيل لتقدمه للمملكة السعودية بعد أن تهشمت صورتها الأمنية والعسكرية والأخلاقية والاقتصادية؟

ما هي الفوائد التي من الممكن أن تجنيها السعودية من التطبيع مع إسرائيل؟

الجواب السريع هو صفر مكعب!

السابع من أكتوبر وتداعياته على المنطقة والعالم وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها والانتقال التدريجي للتحول في خريطة القوى ومراكزها تظهر أن الهيمنة الأميركية على العالم بدأت في الانحسار - تصريح بايدن - إن ترؤس أميركا ضرورية للعالم تؤكد أن صورتها تراجعت.

من الواضح أن العالم أصبح مهيئاً لتحولات عميقة بدأت تظهر معالمه من خلال الدور الذي من الممكن أن تلعبه قوى صاعدة دولية وإقليمية تسير مسرعة ببطء لتعزيز نفوذها إن كانت منفردة أو من خلال تكتلات اقتصادية بأبعاد جيوسياسية.

وفي ذات الوقت تسعى الولايات المتحدة جاهدة لمنع هذه التحولات عبر ثلاث محاور،

أوكرانيا، وتايوان، وغزة.

١- المحور الأوكراني تسعى من خِلاله الإدارة الأميركية إلى استنزاف القوة الروسية الأكثر تنافساً في المجال العسكري وفي ذات الوقت تستخدمه من أجل الاستمرار في الهيمنة السياسية والاقتصادية على أوروبا من خلال فصل كل الروابط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجغرافية مع روسيا وإعادة الصراع ما بين الشرق والغرب من خلال التلويح باستخدام التعاون الصيني الروسي كمبرر لتوتير العلاقة الصينية الأوروبية.

٢- المحور التايواني: تسعى واشنطن من خلاله لاستنزاف الصين وتشكيل حلف عسكري في المحيط الهادي مساند لحلف شمال الأطلسي يشكل رادعاً وقائياً لاحتمال الصدام مع الصين حول تايوان.

٣- محور غزة: السابع من أكتوبر كان صدمة مدوية تناثرت بسببه جهود أميركية وغربية وعربية (محور التطبيع) عمل على إنجازها لعقود طويلة من أجل تمكين إسرائيل من التحكم في الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً واجتماعياً وتعليمياً وأخلاقياً ودينياً.

كل هذه العناوين أسقطها فدائيو السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وفرضوا معادلات جديدة ليس فقط في الإقليم بل امتد إلى كل بقاع الأرض في كل العواصم التي أدهشها ما أحدثه فدائيو السابع من أكتوبر الذي أسقط النموذج الرأسمالي الغربي الذي فُرض على المنطقة من خارج سياق تطورها المجتمعي التاريخي وفرض الكثير من الإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على شعوب ودول المنطقة وكان سبباً في تفتيت المنطقة وإحياء صراعات دينية ومذهبية لتقويض البعد الوطني التحرري لشعوب المنطقة لتبرير أسباب نشأته الاستعمارية الإحلالية التي روج لها عبر هلوسات دينية تبرر عمليات الإرهاب الإجرامي ضد الشعب الفلسطيني التي مارستها المنظمات الصهيونية شتيرن وهافانا وغيرها التي كانت ركيزة لقيام الجيش الإسرائيلي الذي عاد إلى أصوله الإرهابية وتحولت ألويته إلى ألوية لفرقهم الدينية تمارس الهلوسة التوراتية التي تبيح القتل والذبح والتدمير والخراب للإنسان والحيوان والبنية التعليمية والخدمية والصحية والغذائية وهذه حقائق بثت على الهواء مباشرة من غزة والضفة.

على أثر هذه الصدمة تداعت واشنطن وحلفائها لإنقاذ مركزهم الصهيوني من خلال حملة سياسية وعسكرية ومالية وزيارات متتالية لضخ الدعم المعنوي الذي تلاشى خلال أربع ساعات جعلت كل العواصم في العالم تقف لتراقب بداية سقوط أسطورة الحلم الصهيوني الرأسمالي.

هذه الحملة العسكرية والسياسية والإعلامية والمالية التي أطلقتها إدارة بايدن وحكومات لندن وباريس وروما وبرلين تحت تبريرات إعطاء الحق القانوني للاحتلال الصهيوني لممارسة كل أشكال الإجرام تحت مبررات الدفاع عن النفس في تناقض واضح مع جوهر القانون الدولي الذي يتغنون به الذي يقر بشكل واضح أن قوة الاحتلال لا تملك الحق في الدفاع عن النفس بل القوة المُحتلة هي التي لها الحق في الدفاع عن نفسها بكافة الأشكال الممكنة من أجل تحقيق حريتها في حق تقرير المصير.

الحملة الصهيو-أميركية التي أطلقت يد جيش الإرهاب الإسرائيلي لارتكاب جرائم إبادة تخطت البنود القانونية الدولية التي وضعت لوصف الإبادة الجماعية في اتفاقية عام ١٩٤٧ فرضت على محكمة العدل الدولية أن تضيف لها بنودأَ إضافية تفرضها الممارسات الإجرامية الإرهابية لجيش الاحتلال الإحلالي الإسرائيلي الصهيوني التي تجاوزت البنود المنصوص عليها تضعها في عنوان جرائم الإبادة الإنسانية الجماعية في غزة.

هذه الممارسات الإجرامية الإرهابية أشعلت الضمير الإنساني الذي انطلق للتعبير عن رفضه لها حيث بدء بطرح أسئلة جوهرية تطال الأسس القانونية لقيام دولة إسرائيل الإحلالية.

هذا شكل ضغطاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً على الحكومات الغربية التي تداعت لأسباب غير مؤكدة لجرائم ارتكبت في قرية أوكرانية وطلبت من الجنائية الدولية لإصدار طلب ملاحقة للرئيس الروسي.

 

المأزق الصهيو-أمريكي

بعد أكثر من ٢٠٠ يوم على العدوان والتصاعد اليومي بأعداد الشهداء من أطفال ونساء وتدمير كل مقومات الحياة الإنسانية لم تستطع الحكومة الإجرامية الإسرائيلية من تحقيق أي هدف من أهدافها التي وضعت على جدول أعمالها يوم الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣ .

كل هذا وضع الإدارة الأميركية في مأزق أخلاقي وسياسي وعسكري تريد الخروج منه بأقل الخسائر بل تحاول أن تحول مأزقها إلى انتصار سياسي لإسرائيل كهدية لوقف عدوانها وجرائمها الذي أصبح يثقل كاهل المنظومة الرأسمالية الغربية التي أصبحت تواجه تحركات شعوبها من مختلف فئاتها العمرية.

في هذا السياق جاء الاقتراح الأميركي لإعادة إحياء عملية التطبيع مع السعودية مقابل عدم اجتياح رفح لاظهاره كمكسب إسرائيلي وبذات الوقت مكسب سعودي يبرره أنه كان سبباً في إيقاف العدوان على غزة.

هذا الاقتراح الباطل يراد منه تحويل الإخفاق الاسرائيلي لنصر سياسي يسوق في الداخل الإسرائيلي من جهة ومن جهة أخرى إعطاء المملكة تبريراً أخلاقياً للتطبيع مقابل وقف الإجرام الإسرائيلي ونجاحاً أميركياً في إعادة الاعتبار لمحور التطبيع عبر إضافة الثقل السياسي والمالي والديني للسعودية.

وبهذا تكون خرجت واشنطن بأقل الخسائر في محاولة ترميم تداعيات السابع من أكتوبر.

لكن السؤال ماذا تستفيد السعودية من هذا التطبيع؟

كانت إسرائيل تسوق نفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وكل النظم حولها نظم استبدادية وأنها تملك أفضل منظومة أمنية في المنطقة والعالم وجيشها وأسلحته لا يمكن لأحد هزيمته وكل هذا سيشكل شبكة أمان لمنظومة الحكم الخليجي ومصالحها في مواجهة إيران وحلفائها في المقاومة.

ولكن السابع من أكتوبر أسقط كل هذه الصورة بكافة جوانبها العسكرية والأمنية والسياسية والأخلاقية بل أصبحت العلاقة مع إسرائيل عبئاً ثقيلاً على الدول أمام شعوبها. وقادة إسرائيل أصبح مصيرهم واضحاً بعد كل هذه الجرائم التي ارتكبت في غزة سيكون محاكمتهم أمام المحاكم الجنائية الدولية مهما طال الزمن فهذا مصيرهم.

السعودية أمامها فرصة للاستثمار في سياسة التوازن في المصالح التي أطلقتها، وأية عملية تطبيع سيضعها في موقع تبرير العدوان والإجرام الإسرائيلي الصهيوني.

المملكة ليست بحاجة لحماية إسرائيل التي سقطت هيبتها أمام المقاومين في فلسطين ولبنان وهي لديها من الإمكانيات المادية والسياسية والجغرافية لتكون لاعباً إقليمياً رئيسياً وعالمياً يتجاوز إسرائيل بل من الممكن أن تساهم من خلال هذا الدور في فرض سياسات في المنطقة تضفي إلى قيام الدولة الفلسطينية بدون تقديم تنازلات لتغطية الإجرام الاسرائيلي إذا ما تعاونت مع الصين وروسيا وتعزيز تعاونها الإقليمي مع إيران التي أثبتت أنها ند قوي يمكن الاعتماد عليه في إعادة صياغة المصالح المشتركة لدول وشعوب المنطقة تلعب فيه المملكة مع تركيا وإيران دوراً رئيسياً حيوياً بعيداً عن الوصاية الأميركية التي أثبتت أن همها الرئيسي هو حماية إسرائيل ومصالحها ولا تدخر جهداً في تدمير كل المنطقة من أجل مصالح إسرائيل الصهيونية.

الإخفاق الأميركي الغربي في أوكرانيا إذا ما أضيف له الإخفاق الإسرائيلي في غزة وجبهة الشمال وتطور الموقف الصيني المعلن في تعزيز الشراكة مع روسيا ودعمه للمواقف العربية وتعزيز التعاون السعودي الإيراني كل ذلك يشكل انتصارات بالنقاط المتتالية إذا ما أضفنا لها تراجع النفوذ الأميركي والفرنسي في أفريقيا.

كل هذا يؤكد أن العالم يتجه إلى تعدد القطبية تلعب فيه الدول الصاعدة الدولية والإقليمية دوراً في إعادة الاعتبار للقانون الدولي الذي سوف يحاسب القتلة أطفال ونساء ورجال غزة المحاصرة.

هذه الدماء الفلسطينية سوف تعيد التوازن للعدالة الإنسانية وحريتها وتفتح المجال لمشاركة الشعوب في تقرير مستقبلهم بعد أن أسقطت دماء أطفال ونساء غزة كذب عدالتهم وحريتهم.

 

*كاتب فلسطيني