كتب حمدي فراج*
يجمع الكثيرون أن "عملية" طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر الماضي، لم تكن عملية عادية، روتينية، تقليدية للفصائل الفلسطينية التقليدية التي عايشناها طوال عمرها الذي يتجاوز اليوم خمسين سنة، لكن ما يجب الإجماع عليه اليوم، هو أن الاشتباك مع أصحاب الطوفان (كتائب القسام) الذي دخل شهره الثامن، هو أيضاً ليس اشتباكاً عادياً أو روتينياً أو تقليدياً مع فصائل المقاومة التقليدية، وهذا ما لم تدركه إسرائيل بما تمثل عسكرياً و أمنياً في المنطقة، اعتقدت أنها "ستجتث" حماس وجناحها العسكري في بضعة أسابيع و تعين حكومة عميلة لها (لا فتحستان ولا حماسستان) وكفى المؤمنين شر القتال. لكن القتال استمر، وبدأ في شهره الثامن أنه لا يقل ضراوة عن شهره الأول، ولم نسمع عن سقوط خمسين جريحاً في يوم واحد إلا اليوم، وكذلك عن إصابة ضابط كبير برتبة جنرال، وعن إعادة احتلال جباليا والزيتون بعد إعلان "تطهيرهما"، وعن استئناف قصف بئر السبع وعسقلان بعد توقف عدة أشهر. هذه العوامل مجتمعة هي من جعلت حكومة إسرائيل تعيد إغلاق المعابر على غزة وفرض الحصار الكامل عليها من جديد، وكأننا في الأيام الأولى من الحرب، لكن ولأن الأمر ليس كذلك، فنحن في الشهر الثامن، نرى انفجار العلاقات الإسرائيلية بين السياسي والعسكري على نحو علني وواضح و بدأت بورصة توجيه الاتهامات يتبعها التقصيرات والإدانات و من ثم العقوبات والاستقالات .
لا أحد من الطرفين السياسي أو العسكري، يتحدث عن انتصار، حتى لو كان وهمياً أو شكلياً أو جزئياً، كإعادة المختطفين أو حتى جزء منهم، اعتقال السنوار أو قتله، العكس هو الصحيح، أنهم في المستويين السياسي والعسكري يتحدثون جهاراً نهاراً عن خسائر فادحة يتكبدها الجيش بسبب تخبط المستوى السياسي الذي لم يقرر بعد شكل اليوم التالي للحرب، عن وقف مفاوضات الهدنة، عن اقتحام رفح، بل عن حالة شديدة من الإحباط، تضاعفت عندما صدرت الأوامر بالعودة للقتال في الشمال، (هآرتس تتحدث عن عشرة جنود انتحروا)، أما ما يتحدثون عنه سراً وهمساً، فهو انتصار حماس المتأسس على حقائق دامغة أبرزها صمودها ومقاومتها وشعبها، وهذا القدر الخرافي من التحمل، تحمل الموت والجوع والنزوح، الحقيقة الثانية أن حماس جزء من محور مقاومة متامسك متناغم، والأهم أنه صادق، أكثر بكثير من إسرائيل مع نفسها ومع محورها. الحقيقة الثالثة سقوط ورقة التوت عن عورة إسرائيل أمام ليس فقط جماهير الأرض وبالأخص جامعاتها، بل أيضاً أمام دولها وأنظمتها في الأمم المتحدة. أما الحقيقة الرابعة فهي الوقت، الذي قيل فيه أنه كالسيف إذا لم تقطعه قطعك. وبالمناسبة فقد أطلق نتنياهو على هذه الحرب "السيوف الحديدية"، التي لم تقطع حماس ولا القسام ولا حتى السنوار، والتي قالت فيه صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً أنه "نجح في إحباط انتصار إسرائيل، وأصبح رمزاً لفشل حربها".
*كاتب فلسطيني

