Menu

قراءة بأثر رجعي لقرار التقسيم ومقاربته بحل الدولتين الذي تطالب به قيادة المنظمة والنظام العربي الرسمي

عليان عليان


في ذكرى قرار   تقسيم  فلسطين،  الذي يجري الاحتفال به سنوياً في التاسع والعشرين من تشرين الثاني ( نوفمبر) من كل عام  ، كيوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، يغفل البعض أن قيادة المنظمة وبعض الفصائل في غمرة احتفالاتها السنوية به ، باتت تتماهى منذ سنوات  وبأثر رجعي  مع قرار التقسيم ، بالحديث عن حل الدولتين ، بفارق أن قرار التقسيم على بؤسه  الذي جاء ليشرعن وجود كيان غاصب على أرض فلسطين التاريخية ،عبر تواطؤ أنجلو -أميركي ، تحدث عن دولتين إحداها يهودية تقام على 56 في المائة من فلسطين التاريخية  وأخرى عربية  بواقع 42 في المائة من مساحة فلسطين ، مع الإبقاء على مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية ،  بواقع 2 في المائة .
حدود الدولة العربية  والكيان الغاصب  في قرار  التقسيم 
وللتذكير فإن الدولة العربية وفق قرار التقسيم ، تشمل الجليل الغربي( عكا والناصرة) ومنطقة نابلس وجنين وطول كرم ، وقطاع القدس باستثناء مدينة القدس ، وقطاع بيت لحم باستثناء مدينة بيت لحم ،  وقطاع الخليل  باستثناء الجزء المحاذي للبحر الميت ومدينة يافا ومعظم قطاع اللد والرملة ، والسهل الساحلي جنوب فلسطين ( غزة والمجدل وخان يونس) والجزء الغربي الشمالي من قطاع بئر  السبع( منطقة العوجه - الحفير).
أما دولة الكيان الغاصب ( اليهودية) : "فتشمل الجليل الشرقي( صفد وطبريا) وبيسان وحيفا وقراها ، وتل أبيب والمستعمرات اليهودية الواقعة   على السهل الساحلي ، وقطاع يافا باستثناء مدينة يافا  ، والجزء المحاذي للبحر الميت من قطاع بئر السبع حتى العقبة ( باستثناء منطقة العوجه – الحفير) "  رغم أن العصابات الصهيونية لم تكن تملك  في حينه سوى (5) في المائة من مساحة فلسطين التاريخية ، حصلت عليها من خلال الانتداب البريطاني ومن خلال بعض العائلات الاقطاعية السورية واللبنانية  (1). 
ما يجب الإشارة إليه أن قرار التقسيم الذي رفضه الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية آنذاك  ورفضته الأمة العربية ، وأثار موجة من السخط والغضب، تجلت في مظاهرات وإضرابات عمت العواصم والمدن العربية ، وانطلاق نداءات للتطوع للقتال في فلسطين ، رفضته  أيضاً الجامعة العربية في كانون الأول 1947، وقررت العمل على إحباط قرار التقسيم   والحيلولة دون قيام الدولة اليهودية.


رفض القرار شكلياً
 لكن ما يجب الإشارة إليه هنا ، أن الجيوش العربية دخلت المعركة وكذلك جيش الإنقاذ ،الذي تم تشكيله من قبل اللجنة العسكرية العليا ، من الجنود والمتطوعين العرب فشلت في مهمتها بعد الهدنتين الأولى والثانية ، واستغلال العصابات الصهيونية  لهما لمزيد من التسلح  ولتجاوز المساحة المحددة لها في قرار التقسيم  ، ولتسيطر على  78 في المائة من مساحة  فلسطين التاريخية .
 وتقتضي  الضرورة هنا  في السياقين العربي والدولي  الإشارة  إلى ما يلي : 
 1-أن جيش الإنقاذ وبعض الجيوش  العربية ، حاربت عند حدود قرار التقسيم، ما يعني أن الدول العربية رفضت قرار التقسيم شكلاً ووافقت عليه ضمناً،  وأن قرر الجامعة العربية برفض قرار التقسيم كان لامتصاص غضب الشعب الفلسطيني والأمة العرية .
2-أن الجامعة العربية واللجنة العسكرية  العليا خذلت الثورة الفلسطينية وفي  طليعتها " قوات الجهاد المقدس" بقيادة  الشهيد القائد عبد القادر  الحسيني ، التي حاربت بجدارة القوات البريطانية والعصابات الصهيونية لسنوات طويلة ، وأجبرت (115) ألف يهودي على الاستسلام في مدينة القدس نتيجة حصارهم ،باحتلال مضيق باب الواد وإقفاله ، لكن قوات الجهاد المقدس تعرضت للخذلان ، بعد أن رفضت اللجنة العسكرية العليا في دمشق طلب عبد القادر الحسيني ،بتزويد قوات الجهاد المقدس بالسلاح ، وفي ذاكرة التاريخ أن الحسيني بعد عودته من دمشق خاض معركة القسطل التي استشهد فيها مع عدد كبير من قواته (2)
3-أن الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ، تساوق مع الإدارة الأمريكية وبريطانيا في تجاهل العصابات اليهودية لقرار التقسيم ، وتساوق أيضاً  مع تنكر الكيان الغاصب لاحقاً للقرار  194  الصادر  بتاريخ 11-12- 1948 الذي ينص  على حق العودة والتعويض ، والذي  بموجبه تم قبول (إسرائيل) كعضو في الأمم المتحدة(3) 
حل  الدولة والدولتين 
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية بعد حرب حزيران 1967 ، لم يكن لموضوع الدولة الفلسطينية ، أي ذكر في الميثاق القومي لمنظمة التحرير عام 1964 ،  ولا في أدبيات الفصائل الفلسطينية ، ولا في الميثاق الوطني الفلسطيني المعدل عام 1968 .
لكن المتتبع للمسيرة الفلسطينية ، منذ نهاية ستينات القرن الماضي ومطلع السبعينات - رغم الزخم الكفاحي آنذاك لفصائل الثورة الفلسطينية ، ورغم إنجازاتها المبكرة في بلورة الهوية الفلسطينية النضالية - يكتشف أن هدف التحرير ، استبدل بهدف حق تقرير المصير ،  بمعنى استقلال الضفة والقطاع من الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 .
ويمكن التأريخ جذرياً ، لاستبدال هدف التحرير بهدف الاستقلال في الدورة "12" للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 ، عبر برنامج النقاط العشر ( المرحلي!) الذي أحدث في حينه انقساماً في الساحة الفلسطينية ، بظهور جبهة الرفض للحلول الاستسلامية ، التي ضمت الجبهة الشعبية ، وجبهة التحرير العربية، والجبهة الشعبية- القيادة العامة،  وجبهة النضال  في مواجهة فصائل أخرى في منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح والجبهة الديمقراطية والصاعقة.
وقد رأت كل من فتح والصاعقة والديمقراطية ، بأن مخرجات حرب تشرين 1973 يمكن بدعم من مصر وسورية والجزائر والاتحاد السوفييتي ، أن تفتح الباب لإقامة سلطة وطنية فلسطينية  عبر التفاوض مع الكيان الصهيوني ، متجاهلة أن المخرجات السياسية لحرب تشرين كانت خطيرة جداً ، رغم الانتصارات الهائلة للجيشين المصري والسوري  في بداية الحرب، فهذه المخرجات التي تبدت عبر اتفاق فصل القوات بعد ثغرة الدفرسوار ، وتوافق السادات مع كيسنجر على إخراج الاتحاد السوفييتي من مصر ومن عموم المنطقة، و عبر اتفاق (سيناء 1)  واتفاق (سيناء2) اللذان  شكلا  في مضمونهما ،المدخل الطبيعي لاتفاقيات كامب ديفيد 1979. (4 ) 
بينما رأت جبهة الرفض عبر مذكرة الجبهة الشعبية  ، ومداخلات الأمين العام للجبهة الشعبية د. جورج حبش ، أنها ليست ضد المرحلية في  النضال ، لكن مخرجات الحرب مضافاً إليها دعم الاتحاد السوفييتي وسورية ومصر ، لن تمكننا من الحصول على دولة فلسطينية مستقلة بدون صلح واعتراف بالكيان الصهيوني ، ومن ثم فإن الاعتراف بالكيان الصهيوني خيانة وطنية (5). 
قيادة المنظمة والبحث  مجدداً عن تسوية مع الكيان الصهيوني
وكادت الأمور أن تتطور إلى صراع بين الطرفين ، لكن  اندلاع الحرب الأهلية عقب حادثة عين الرمانة عام 1975 ، وزيارة السادات للقدس عام 1977 ، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ،أنهت الانقسام في الساحة الفلسطينية، بتوقيع اتفاق طرابلس الوحدوي،  الذي نص على رفض القرار 242  والانضمام لجبهة الصمود والتصدي عام 1979 ، التي كانت منظمة التحرير الفلسطينية  طرفاً أساسيا فيها.
لكن  القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير ، عادت لتندغم مجدداً في متاهات التسوية ، والبحث عن دولة حتى لو كان ثمنها الاعتراف ب ( إسرائيل) ، فكان أن وافقت على مبادرة الأمير فهد 1981 ، وعلى اتفاق فاس بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982  الذي وقف ورائه  الملك فهد بعد وفاة شقيقه  الملك خالد بن عبد العزيز، وعلى عدم إغلاق الباب أمام مشروع ريغان باستخدام صيغة (اللعم) في دورة المجلس الوطني عام 1982 .
ثم كرت المسبحة تباعاً، بتوقيع ياسر عرفات على اتفاق شباط مع الملك حسين  1985،  الذي نص على موضوع الدولة  الفلسطينية  ، وفق مبدأ الأرض مقابل السلام ، وبالاعتراف بقرار مجلس الأمن 242 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشر عام 1988 .
 واللافت للنظر أن ياسر عرفات لم يأخذ بنصيحة عدد من الشخصيات الفلسطينية والعربية التي جرى  التشاور معها عشية عقد دورة المجلس الوطني بشأن   استثمار انتفاضة الحجارة سياسياً من صمنها محمد حسنين هيكل وإدوارد سعيد وأحمد بهاء الدين ، الذين اقترحوا عليه لمطالبة بدولة في حدود قرار التقسيم  على  سوءته، لكنه لم يأخذ باقتراحهم ، وحبذ صدور " إعلان الدولة الورقي " على الضفة الغربية وقطاع غزة ، بمساحة 22 في المائة من فلسطين التاريخية (6). 
  ثم وقعت القيادة المتنفذة في منظمة  التحرير اتفاق أوسلو  التصفوي  عام 1993 الذي نزل دون سقف الدولة والقبول بحكم ذاتي، واعترف بحق ( إسرائيل) في الوجود،  وأكد على نبذ العنف ، مقابل وعد ببدء المفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية عام 1999  ، والدخول في مفاوضات الحل النهائي بشأن القدس والمستوطنات واللاجئين ، لكن حكومة العدو عندما حل عام 1999 أعلنت " أن لا مواعيد مقدسة" ، وحيث انتهت الأمور بتعامل  ( إسرائيل) مع القضية الفلسطينية كقضية أمنية إسرائيلية ، من خلال السلطة الفلسطينية.
الإدارات الأمريكية وحل الدولتين
ما يجب التأكيد عليه من واقع المسيرة الممتدة منذ توقيع اتفاقيات (أوسلو 1) 1993 و ( أوسلو 2) 1995 ،  وحتى اللحظة الراهنة ، أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع موضوع الدولة الفلسطينية في سياق إدارة الأزمات ليس أكثر ، وأن الكيان الصهيوني استثمر اتفاقيات أوسلو لتهويد القدس ولكثيف الاستيطان في الضفة والقطاع ، وأن النظام العربي الرسمي لم يتوقف عن ترديد المعزوفة البائسة بشأن حل الدولة والدولتين وفق مبدأ الأرض مقابل السلام الذي نصت عليه المبادرة  العربية في قمة بيروت العربية 2002  ،  للتغطية على عجز البعض من أطرافه  ،  وتآمر البعض الآخر على المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية،  بعد أن رفضت حكومة العدو إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع  ، وتكريس هذا الرفض بشكل مطلق  بعد  تصويت  الكنيست بأغلبية ساحقة 18 تموز (يوليو) 2024 على مشروع قرار برفض إقامة الدولة الفلسطينية.
وأخيراً فإن الحديث عن حل الدولة والدولتين ، بعد معركة طوفان الأقصى، وفي ظل حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني بدعم  عسكري مطلق من الولايات المتحدة ومن معظم دول حلف الأطلسي في قطاع غزة، واستشهاد وإصابة ما يزيد  عن 150 ألف فلسطيني يصب في خانة تصفية القضية  ، ومن ثم فإن  المطلوب هو إعادة الصراع إلى مربعه الأول بأنه صراع وجودي  وسمته تناحرية بامتياز ، وأن فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين.
انتهى
المراجع:
1-عبد الباري درة، القضية الفلسطينية ، ط 2 ، عمان ، 1978.
2-المصدر السابق نفسه
3-  من أوراق  ة الندوة  الفكرية والسياسية في الذكرى 62 لاحتلال فلسطين التي  نظمها الملتقى الوطني للنقابات المهنية واحزاب المعارضة الوطنية الاردنية بتاريخ 17/05/2010
4- عليان عليان ،قراءة في توجهات منظمة التحرير نحو التسوية–جريدة الخليج ( الحلقة الأولى)  11 مارس/  آذار 1984، عدد 1793  
5- مداخلة د. جورج حبش، الأمين العام  للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ،ندوة المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجديدة، التي أدارها محمود درويش ،  مجلة شؤون فلسطينية ، عدد 30، ، ص 15-31 – فبراير- شباط1974
6- محمد حسنين هيكل ،  المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل(سلام الأوهام) أوسلو ما قبلها وما بعدها  دار الشروق ، القاهرة ، ط 9 ، 2010 ، ص 205


ورقة بحثية– قراءة بأثر رجعي لقرار التقسيم  ومقاربته بحل الدولتين الذي تطالب به  قيادة المنظمة والنظام العربي الرسمي
بقلم : عليان عليان
في ذكرى قرار   تقسيم  فلسطين،  الذي يجري الاحتفال به سنوياً في التاسع والعشرين من تشرين الثاني ( نوفمبر) من كل عام  ، كيوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، يغفل البعض أن قيادة المنظمة وبعض الفصائل في غمرة احتفالاتها السنوية به ، باتت تتماهى منذ سنوات  وبأثر رجعي  مع قرار التقسيم ، بالحديث عن حل الدولتين ، بفارق أن قرار التقسيم على بؤسه  الذي جاء ليشرعن وجود كيان غاصب على أرض فلسطين التاريخية ،عبر تواطؤ أنجلو -أميركي ، تحدث عن دولتين إحداها يهودية تقام على 56 في المائة من فلسطين التاريخية  وأخرى عربية  بواقع 42 في المائة من مساحة فلسطين ، مع الإبقاء على مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية ،  بواقع 2 في المائة .
حدود الدولة العربية  والكيان الغاصب  في قرار  التقسيم 
وللتذكير فإن الدولة العربية وفق قرار التقسيم ، تشمل الجليل الغربي( عكا والناصرة) ومنطقة نابلس وجنين وطول كرم ، وقطاع القدس باستثناء مدينة القدس ، وقطاع بيت لحم باستثناء مدينة بيت لحم ،  وقطاع الخليل  باستثناء الجزء المحاذي للبحر الميت ومدينة يافا ومعظم قطاع اللد والرملة ، والسهل الساحلي جنوب فلسطين ( غزة والمجدل وخان يونس) والجزء الغربي الشمالي من قطاع بئر  السبع( منطقة العوجه - الحفير).
أما دولة الكيان الغاصب ( اليهودية) : "فتشمل الجليل الشرقي( صفد وطبريا) وبيسان وحيفا وقراها ، وتل أبيب والمستعمرات اليهودية الواقعة   على السهل الساحلي ، وقطاع يافا باستثناء مدينة يافا  ، والجزء المحاذي للبحر الميت من قطاع بئر السبع حتى العقبة ( باستثناء منطقة العوجه – الحفير) "  رغم أن العصابات الصهيونية لم تكن تملك  في حينه سوى (5) في المائة من مساحة فلسطين التاريخية ، حصلت عليها من خلال الانتداب البريطاني ومن خلال بعض العائلات الاقطاعية السورية واللبنانية  (1). 
ما يجب الإشارة إليه أن قرار التقسيم الذي رفضه الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية آنذاك  ورفضته الأمة العربية ، وأثار موجة من السخط والغضب، تجلت في مظاهرات وإضرابات عمت العواصم والمدن العربية ، وانطلاق نداءات للتطوع للقتال في فلسطين ، رفضته  أيضاً الجامعة العربية في كانون الأول 1947، وقررت العمل على إحباط قرار التقسيم   والحيلولة دون قيام الدولة اليهودية.


رفض القرار شكلياً
 لكن ما يجب الإشارة إليه هنا ، أن الجيوش العربية دخلت المعركة وكذلك جيش الإنقاذ ،الذي تم تشكيله من قبل اللجنة العسكرية العليا ، من الجنود والمتطوعين العرب فشلت في مهمتها بعد الهدنتين الأولى والثانية ، واستغلال العصابات الصهيونية  لهما لمزيد من التسلح  ولتجاوز المساحة المحددة لها في قرار التقسيم  ، ولتسيطر على  78 في المائة من مساحة  فلسطين التاريخية .
 وتقتضي  الضرورة هنا  في السياقين العربي والدولي  الإشارة  إلى ما يلي : 
 1-أن جيش الإنقاذ وبعض الجيوش  العربية ، حاربت عند حدود قرار التقسيم، ما يعني أن الدول العربية رفضت قرار التقسيم شكلاً ووافقت عليه ضمناً،  وأن قرر الجامعة العربية برفض قرار التقسيم كان لامتصاص غضب الشعب الفلسطيني والأمة العرية .
2-أن الجامعة العربية واللجنة العسكرية  العليا خذلت الثورة الفلسطينية وفي  طليعتها " قوات الجهاد المقدس" بقيادة  الشهيد القائد عبد القادر  الحسيني ، التي حاربت بجدارة القوات البريطانية والعصابات الصهيونية لسنوات طويلة ، وأجبرت (115) ألف يهودي على الاستسلام في مدينة القدس نتيجة حصارهم ،باحتلال مضيق باب الواد وإقفاله ، لكن قوات الجهاد المقدس تعرضت للخذلان ، بعد أن رفضت اللجنة العسكرية العليا في دمشق طلب عبد القادر الحسيني ،بتزويد قوات الجهاد المقدس بالسلاح ، وفي ذاكرة التاريخ أن الحسيني بعد عودته من دمشق خاض معركة القسطل التي استشهد فيها مع عدد كبير من قواته (2)
3-أن الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ، تساوق مع الإدارة الأمريكية وبريطانيا في تجاهل العصابات اليهودية لقرار التقسيم ، وتساوق أيضاً  مع تنكر الكيان الغاصب لاحقاً للقرار  194  الصادر  بتاريخ 11-12- 1948 الذي ينص  على حق العودة والتعويض ، والذي  بموجبه تم قبول (إسرائيل) كعضو في الأمم المتحدة(3) 
حل  الدولة والدولتين 
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية بعد حرب حزيران 1967 ، لم يكن لموضوع الدولة الفلسطينية ، أي ذكر في الميثاق القومي لمنظمة التحرير عام 1964 ،  ولا في أدبيات الفصائل الفلسطينية ، ولا في الميثاق الوطني الفلسطيني المعدل عام 1968 .
لكن المتتبع للمسيرة الفلسطينية ، منذ نهاية ستينات القرن الماضي ومطلع السبعينات - رغم الزخم الكفاحي آنذاك لفصائل الثورة الفلسطينية ، ورغم إنجازاتها المبكرة في بلورة الهوية الفلسطينية النضالية - يكتشف أن هدف التحرير ، استبدل بهدف حق تقرير المصير ،  بمعنى استقلال الضفة والقطاع من الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 .
ويمكن التأريخ جذرياً ، لاستبدال هدف التحرير بهدف الاستقلال في الدورة "12" للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 ، عبر برنامج النقاط العشر ( المرحلي!) الذي أحدث في حينه انقساماً في الساحة الفلسطينية ، بظهور جبهة الرفض للحلول الاستسلامية ، التي ضمت الجبهة الشعبية ، وجبهة التحرير العربية، والجبهة الشعبية- القيادة العامة،  وجبهة النضال  في مواجهة فصائل أخرى في منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح والجبهة الديمقراطية والصاعقة.
وقد رأت كل من فتح والصاعقة والديمقراطية ، بأن مخرجات حرب تشرين 1973 يمكن بدعم من مصر وسورية والجزائر والاتحاد السوفييتي ، أن تفتح الباب لإقامة سلطة وطنية فلسطينية  عبر التفاوض مع الكيان الصهيوني ، متجاهلة أن المخرجات السياسية لحرب تشرين كانت خطيرة جداً ، رغم الانتصارات الهائلة للجيشين المصري والسوري  في بداية الحرب، فهذه المخرجات التي تبدت عبر اتفاق فصل القوات بعد ثغرة الدفرسوار ، وتوافق السادات مع كيسنجر على إخراج الاتحاد السوفييتي من مصر ومن عموم المنطقة، و عبر اتفاق (سيناء 1)  واتفاق (سيناء2) اللذان  شكلا  في مضمونهما ،المدخل الطبيعي لاتفاقيات كامب ديفيد 1979. (4 ) 
بينما رأت جبهة الرفض عبر مذكرة الجبهة الشعبية  ، ومداخلات الأمين العام للجبهة الشعبية د. جورج حبش ، أنها ليست ضد المرحلية في  النضال ، لكن مخرجات الحرب مضافاً إليها دعم الاتحاد السوفييتي وسورية ومصر ، لن تمكننا من الحصول على دولة فلسطينية مستقلة بدون صلح واعتراف بالكيان الصهيوني ، ومن ثم فإن الاعتراف بالكيان الصهيوني خيانة وطنية (5). 
قيادة المنظمة والبحث  مجدداً عن تسوية مع الكيان الصهيوني
وكادت الأمور أن تتطور إلى صراع بين الطرفين ، لكن  اندلاع الحرب الأهلية عقب حادثة عين الرمانة عام 1975 ، وزيارة السادات للقدس عام 1977 ، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ،أنهت الانقسام في الساحة الفلسطينية، بتوقيع اتفاق طرابلس الوحدوي،  الذي نص على رفض القرار 242  والانضمام لجبهة الصمود والتصدي عام 1979 ، التي كانت منظمة التحرير الفلسطينية  طرفاً أساسيا فيها.
لكن  القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير ، عادت لتندغم مجدداً في متاهات التسوية ، والبحث عن دولة حتى لو كان ثمنها الاعتراف ب ( إسرائيل) ، فكان أن وافقت على مبادرة الأمير فهد 1981 ، وعلى اتفاق فاس بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982  الذي وقف ورائه  الملك فهد بعد وفاة شقيقه  الملك خالد بن عبد العزيز، وعلى عدم إغلاق الباب أمام مشروع ريغان باستخدام صيغة (اللعم) في دورة المجلس الوطني عام 1982 .
ثم كرت المسبحة تباعاً، بتوقيع ياسر عرفات على اتفاق شباط مع الملك حسين  1985،  الذي نص على موضوع الدولة  الفلسطينية  ، وفق مبدأ الأرض مقابل السلام ، وبالاعتراف بقرار مجلس الأمن 242 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشر عام 1988 .
 واللافت للنظر أن ياسر عرفات لم يأخذ بنصيحة عدد من الشخصيات الفلسطينية والعربية التي جرى  التشاور معها عشية عقد دورة المجلس الوطني بشأن   استثمار انتفاضة الحجارة سياسياً من صمنها محمد حسنين هيكل وإدوارد سعيد وأحمد بهاء الدين ، الذين اقترحوا عليه لمطالبة بدولة في حدود قرار التقسيم  على  سوءته، لكنه لم يأخذ باقتراحهم ، وحبذ صدور " إعلان الدولة الورقي " على الضفة الغربية وقطاع غزة ، بمساحة 22 في المائة من فلسطين التاريخية (6). 
  ثم وقعت القيادة المتنفذة في منظمة  التحرير اتفاق أوسلو  التصفوي  عام 1993 الذي نزل دون سقف الدولة والقبول بحكم ذاتي، واعترف بحق ( إسرائيل) في الوجود،  وأكد على نبذ العنف ، مقابل وعد ببدء المفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية عام 1999  ، والدخول في مفاوضات الحل النهائي بشأن القدس والمستوطنات واللاجئين ، لكن حكومة العدو عندما حل عام 1999 أعلنت " أن لا مواعيد مقدسة" ، وحيث انتهت الأمور بتعامل  ( إسرائيل) مع القضية الفلسطينية كقضية أمنية إسرائيلية ، من خلال السلطة الفلسطينية.
الإدارات الأمريكية وحل الدولتين
ما يجب التأكيد عليه من واقع المسيرة الممتدة منذ توقيع اتفاقيات (أوسلو 1) 1993 و ( أوسلو 2) 1995 ،  وحتى اللحظة الراهنة ، أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع موضوع الدولة الفلسطينية في سياق إدارة الأزمات ليس أكثر ، وأن الكيان الصهيوني استثمر اتفاقيات أوسلو لتهويد القدس ولكثيف الاستيطان في الضفة والقطاع ، وأن النظام العربي الرسمي لم يتوقف عن ترديد المعزوفة البائسة بشأن حل الدولة والدولتين وفق مبدأ الأرض مقابل السلام الذي نصت عليه المبادرة  العربية في قمة بيروت العربية 2002  ،  للتغطية على عجز البعض من أطرافه  ،  وتآمر البعض الآخر على المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية،  بعد أن رفضت حكومة العدو إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع  ، وتكريس هذا الرفض بشكل مطلق  بعد  تصويت  الكنيست بأغلبية ساحقة 18 تموز (يوليو) 2024 على مشروع قرار برفض إقامة الدولة الفلسطينية.
وأخيراً فإن الحديث عن حل الدولة والدولتين ، بعد معركة طوفان الأقصى، وفي ظل حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني بدعم  عسكري مطلق من الولايات المتحدة ومن معظم دول حلف الأطلسي في قطاع غزة، واستشهاد وإصابة ما يزيد  عن 150 ألف فلسطيني يصب في خانة تصفية القضية  ، ومن ثم فإن  المطلوب هو إعادة الصراع إلى مربعه الأول بأنه صراع وجودي  وسمته تناحرية بامتياز ، وأن فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين.
انتهى
المراجع:
1-عبد الباري درة، القضية الفلسطينية ، ط 2 ، عمان ، 1978.
2-المصدر السابق نفسه
3-  من أوراق  ة الندوة  الفكرية والسياسية في الذكرى 62 لاحتلال فلسطين التي  نظمها الملتقى الوطني للنقابات المهنية واحزاب المعارضة الوطنية الاردنية بتاريخ 17/05/2010
4- عليان عليان ،قراءة في توجهات منظمة التحرير نحو التسوية–جريدة الخليج ( الحلقة الأولى)  11 مارس/  آذار 1984، عدد 1793  
5- مداخلة د. جورج حبش، الأمين العام  للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ،ندوة المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجديدة، التي أدارها محمود درويش ،  مجلة شؤون فلسطينية ، عدد 30، ، ص 15-31 – فبراير- شباط1974
6- محمد حسنين هيكل ،  المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل(سلام الأوهام) أوسلو ما قبلها وما بعدها  دار الشروق ، القاهرة ، ط 9 ، 2010 ، ص 205