Menu

أطفال فلسطين: جيل النّصر الذي لا ينكسر

آية غسان سعيد

خاص - بوابة الهدف

منذ السابع من أكتوبر 2023، ارتكب العدو الصهيوني مجازرَ لا تُحصى بحق أطفالِ فلسطين، حيث قضى أكثر من 17,492 طفلاً، بينهم 211 رضيعاً ولدوا واستُشهدوا في زمن الحرب، و825 طفلاً لم يُكملوا عامَهم الأول. هذه الأرقامُ المروعةُ لا تشمل الوفيات الناجمة عن الأمراض، أو الجوع، أو الأوبئة، التي تفاقمت بفعل الحصار المطبق والمستمرّ على قطاع غزّة.

كيف يمكن أن تُترجِم الكلمات أوجاعَ الطفولة التي لم تُمنح فرصةً للنمو؟ كيف نروي حكايةَ طفلٍ وُلد ليجد نفسه محاصراً بين الجدران الثقيلة للألم، في عالمٍ يَسلُبه البراءة قبل أن يتعلم حتى معانيها؟ لا أراجيح تحمله نحو السماء، ولا ألعاب تنبُت كالزهور بين يديه. بل في كلّ زاوية، هناك طفلٌ صغيرٌ يُجبر على مواجهة أهوال تفوق حدودَ الخيال.

في عيونهم الطفولية، تتجسد صور الموت وتغيب الأحلام. يسألون، بصمتٍ يئن، لماذا تُسرق منهم الحياة؟ لم تكتفِ "إسرائيل" بقتلهم وتعذيبهم، بل زجّت بأطفال فلسطين في محاكمها العسكرية وزنازينها الباردة، مدّعيةً حماية أمنها. في الحقيقة، تسعى لترسيخ استراتيجيات ردعٍ تسحق أحلامَ التحرير في قلوبهم الصغيرة.

بين الأنقاض التي كانت ذات يومٍ منازل، وبين الحطام الذي كان لعباً وأماناً، يعيش أطفال غزّة فصولاً متكررة من الفقد والاغتراب. آلاف الأطفال فقدوا أحد والديهم أو كليهما، تاركين خلفَهم حكاياتٍ مؤلمةً من العزلة والحرمان. وفق التقديرات، هناك أكثر من 35,060 طفلاً باتوا أيتاماً، يحمل كل منهم أثقال الألم وأطياف الحزن، محاطين بصدماتٍ نفسية لا ترحم طفولتهم.

كلما جَفّت الأرض من دماء الأحبة، يقف الطفل الفلسطيني، في تحدٍّ صامت، شامخاً بين الزهور المقتولة، مُرَدداً صرخاته التي لا تنتهي، مُتسلحاً برغبةٍ أن يرى غداً أفضل. فهو يعلم أن الكلمةَ الأخيرة في هذه المعركة ليست للمحتل، بل للأمل الذي يرفض أن يموت في قلب الطفل، في قلبه الصغير الذي لا يزال ينبض بالحياة رغم كلّ شيء.

الطفلُ الفلسطينيُّ ليس مجرد ضحية، بل رمزٌ لقضيةٍ تمتد عبر الزمان والمكان. في قلبه تختبئ ذاكرة الشهداء، وقوة التاريخ، وأحلام وطنٍ يرفض الخضوع والإستسلام.  ومع كلّ خطوة يخطوها، يرسم لوحةً من الصمود، ويروي قصصاً لا يسمعها إلا من يفهم معاني النضال. ففي قلبه، تتناثر الحكايات التي عجزت الجدران عن إخفائها، وحين يهمس باسم وطنه، تتراقص الشجاعة على شفتين صغيرتين، تماماً كما تتراقص الرياح في وجه العاصفة.

هؤلاء الأطفال، الذين يواجهون القصف، والموت، والتشريد، يعيدون تعريف معنى المقاومة. في أعينهم الصغيرة التي لم ترَ سوى الدمار، يلمع بريق التحدي، وفي أرواحهم الهشة، يسكن إصرار شعبٍ بأكمله.

ومما لا شكّ فيه أنّ المحتلين استهدفوا الأرض والإنسان الفلسطينيين معاً، ومن مخططاتهم لاستهداف الإنسان الفلسطينيّ هو نشر الجهل بين الفلسطينيين وسلخُهم عن انتمائهم وثقافتهم العريقة، وغرس القيم الصهيونية في نفوسهم؛ وبالتالي تدمير الروح المعنوية للشباب الفلسطيني وتشويش المفاهيم التي تربى عليها.

صمود هذا الطفل الفلسطيني ليس مجرد تلاحمٍ بين جسدٍ صغير وظروفٍ قاسية، بل هو مقاومةٌ في جوهرها، ومقاومة في أعماقها. هو شموخ الأرض التي تنبض بالحياة رغم الاحتلال، وعزيمة الرياح التي ترفض أن تنكسر. هو الطفل الذي يُعيد تعريف معنى الحياة، ويعلّمنا أنّ في أصغر لحظة، يمكن أن تكون القوة أكبر من كلّ قسوة.

يحكي لنا أهل غزة قصصاً تربطنا بجذورنا، قصصاً تذكرنا بمدننا التي هُجرنا منها: حيفا، عكا، يافا. يروون حكايات النكبة التي شرّدت أجدادنا في 1948، ويرضعوننا، منذ طفولتنا، معنى القضية. لهذا نحن مختلفون، نكبر ونحن نحمل فلسطين في قلوبنا، كما نحمل الهواء في رئتينا.

فعندما يرسم الطفل علم فلسطين على دفاتره المدرسية، أو يهتف باسم الوطن في ساحات اللعب، فإنّه يعلن للعالم أن حريته ليست مجرد حقٍّ فردي، بل واجبٌ وطنيٌ يجب أن يُنتزع بالمقاومة والثورة مهما طال الطريق وصعب، ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها.

ورغم أن الاحتلال سلب منهم كل شيء، لم يستطع أن يسلبَهم الحلم. وفي الحلم، يولد وطنٌ بالدمع والكفاح والدماء.