Menu

في إدارته القادمة  دونالد ترامب  سيبني على مخرجات صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية

عليان عليان

ازدحمت التحليلات والقراءات بشأن  انعكاسات فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب  في الانتخابات الأمريكية على المرشحة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي كمالا هاريس ، فمنها من رأت أن عهد ترامب الحالي سيختلف  عن عهده السابق، وما نجم عنه من  انحياز مطلق وغير مسبوق للكيان الصهيوني ، ومنها من رأت أن فوز ترامب سيلحق أكبر بالقضية الفلسطينية وسيبني على مخرجات صفقة القرن
تفاؤل في غير محله بشأن موقف ترامب من القضية الفلسطينية
الفريق الأول بنى موقفه على عوامل وجزئيات ارتباطاً بما يلي :
1-أن الرئيس ترامب  سيتخذ موقفاً سلبياً من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو كونه هنأ بايدن قي الانتخابات الرئاسية السابقة ، وبالغ في الثناء على دوره ودور الحزب الديمقراطي جراء دعمه العسكري الهائل ل ( إسرائيل) بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 .
2- أن الرئيس ترامب سبق وأن صرح، بأنه سيعمل على إنهاء الحرب في غزة ، لكن هذا الفريق لم يذكر  أو يفسر كيف سينهي هذه الحرب ، هل بالضغط على (إسرائيل) لوقف الحرب أم بمنح نتنياهو الوقت المطلوب لإنهائها بالقضاء على حماس والمقاومة ، ما دفع ( أولاً) الجالية العربية  والمسلمة في أمريكا وخاصة في  ولاية متشيغن وغيرها، لتصب ما يزيد عن 80 في المائة من قوتها التصويتية لصالح ترامب .
وما دفع (ثانياً) أيضا قيادة السلطة الفلسطينية أن تفرك يديها فرحاً بهذا التصريح ، خاصةً بعد الاتصال الذي أجراه رئيس السلطة محمود عباس، لتهنئة ترامب بفوزه في الانتخابات الرئاسية ورد ترامب على هذا الاتصال الذي دام 15 دقيقة بقوله : " سنعمل معاً ضدّ الإخفاقات وسأُنهي الحرب" "و"أن إدارته ستحترم السلطة الفلسطينية ودورها وواجبها الأمني، وأنها لن  تعمل على استهداف السلطة وتقويضها لا أمنيا واقتصاديا" -دون أن يأت ترامب على ذكر الدولة الفلسطينية - مما رفع أجواء التفاؤل لدى رئيس السلطة ، ومنحه قوة الحافز لبذل المزيد من إجراءات التنسيق  الأمني  وتفعيله، وقمع المقاومة في الضفة الغربية .
3- أن الرئيس ترامب سيوازن بين علاقته مع السعودية ودول التطبيع الابراهيمي ،وبين دعمه للكيان الصهيوني ، من أجل ضم دول عربية وإسلامية أخرى لخانة التطبيع الابراهيمي، لا سيما أن هذه الدول، تبحث عن مبرر يغطي اندغامها في معسكر التطبيع ، وهذا المبرر سبق وأن تحدث به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان "بأن تقبل حكومة  (إسرائيل ) بفتح مسار زمني – مجرد مسار - يقود إلى حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية ، ما يذكرنا بالمسار الذي بدأ عام 1993 وحتى اللحظة دون أن يسفر عن أي إنجاز لصالح القضية  الفلسطينية ، بل على العكس شكل غطاءً للتهويد والاستيطان في القدس والضفة الغربية.
4- أن الرئيس ترامب، يسعى جاهداً لضرب  الاتفاق السعودي الإيراني ،  الذي جرى تدشينه في اتفاق بكين في العاشر من آذار/مارس   2023 ، برعاية صينية ،وتم الاتفاق فيه على عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في غضون شهرين.
 ومن ثم فإن أن الرئيس ترامب ، يريد أن يضع  حداً  لهذه العلاقة،  التي تطورت  عبر زيارات متبادلة بين مسؤولين إيرانيين وسعوديين، نجم عنها تفاهمات أمنية من ضمنها الهدنة بين صنعاء والسعودية ، وتصريحات سعودية بأن الرياض لن تكون طرفاً في أي عدوان إسرائيلي على إيران ، وكذلك بداية الحديث عن استثمارات سعودية في إيران .
ومن ثم فإن الرئيس ترامب ، حتى يتمكن من وضع حد  للعلاقة المتنامية بين الرياض وطهران  مطلوب منه ( أولاً) تلبية المطالب السعودية المتعلقة بمسار الدولة الفلسطينية -وليس إنجاز هذه الدولة- بعد أن فرملت معركة طوفان الأقصى التطبيع السعودي الإسرائيلي، الذي كان مقرراً وفق تصريحات بن سلمان أن يكون في الربع الأول من عام 2024 .
وحسب  الصحفي  الأمريكي توماس فريدمان في مقال له في صحيفة نيوروك في تايمز  بتاريخ 2 مايو( أيار) 2024 ، فإن تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و(إسرائيل) يتطلب شروطا معينة لتتغطى السعودية بها ، وأبرزها: "الخروج من غزة، وتجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية، والشروع في مسار لإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة ، وهذا الشرط بات مرفوضاً من قبل حكومة الائتلاف اليميني بزعامة نتنياهو ومن  قبل المعارضة الإسرائيلية، بعد أن أقر الكنيست في 18 (يوليو) تموز 2024 قانون رفض إقامة الدولة الفلسطينية.
ترامب سيمضي قدماً في دعمه المطلق للكيان الصهيوني 
الفريق الثاني : الذي رأى أن عهد ترامب الجديد ،،سيشهد مزيداً من الدعم للكيان الصهيوني على كافة الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية ، وسيبني على مخرجات صفقة  القرن التي  جرى الإعلان عنها في يناير (كانون ثاني ) 2021  ، لتصفية القضية الفلسطينية، وقد بنى هذا الفريق موقفه  في هذه  المرحلة بناء على ما يلي :
1-أن الرئيس ترامب ،كان واضحاً في موقفه في مسألة كيفية إنهاء الحرب على غزة ، حين  أبلغ  رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو بما يلي :" عليك أن تنهي هذه الحرب وتفعل ذلك بسرعة ، وعليك  أن تحصل على انتصارك وتجاوزه".. وحين سخر من مطالبة منافسته  "كمالا هاريس"  لنتنياهو بوقف إطلاق النار بقوله : "  أن وقف إطلاق النار سيمنح حماس الوقت الكافي  لإعادة تجميع صفوفها، وشن هجوم جديد، على غرار هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 .
2-كما أن ترامب ، تعهد خلال فعالية لإحياء ذكرى السابع من أكتوبر  في فلوريدا بما يلي:  "بأنه سيدعم حق (إسرائيل) في كسب حربها على الإرهاب"، مضيفا أنه "على ( إسرائيل) أن تنتصر بسرعة، بغض النظر عما يحدث" منتقدا نهج الرئيس الأميركي جو بايدن ونائبته هاريس تجاه الحرب بين (إسرائيل )وحماس باعتباره ضعيفا ومترددا.
وكان ترامب قد قال في أول مناظرة إعلامية بينه وبين الرئيس بايدن  ، قبل انسحاب الأخير من السباق الرئاسي  إن "إسرائيل هي من تريد أن تستمر في الحرب، ويجب السماح لهم بإنهاء عملها ".
3- أن الرئيس ترامب بعد أن  يتسلم مقاليد السلطة له في يناير ( كانون ثاني) 2025 معني بتسديد فواتير الانتخابات إلى حلفائه في (إسرائيل) و للوبي اليهودي " الإيباك" (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية) ، وتسديد هذه الفواتير،  يقتضي منه أن يضاعف الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي ل( إسرائيل) ،على نحو يتجاوز الدعم الهائل والكبير الذي قدمه الرئيس السابق بايدن ل ( إسرائيل) ، ودعمها بشكل مطلق في مواجهة  المقاومة الفلسطينية وحزب الله وإيران وبقية أطراف محور المقاومة.
4- تصريحه في الرابع من ديسمبر  (كانون أول) 2024 "بأنه إذا لم يطلق سراح المحتجزين في غزة قبل تنصيبه في 20 يناير/كانون الثاني المقبل، فسيكون هناك "جحيم" في الشرق الأوسط"....""سيتلقى المسؤولون عن احتجاز الأسرى  ضربات أشد من أي ضربات تلقاها شخص في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية الطويل والحافل". 
5- والعامل الأهم ، الذي يعكس الدعم المطلق من قبل إدارة ترامب  الجديدة ، للكيان الصهيوني بشأن الحرب على غزة  ،والعمل على تصفية القضية الفلسطينية  ، يكمن في اختياره فريق منحاز  بامتياز لحكومة ائتلاف اليمين الصهيوني في إدارته ، ممثلاً بما يلي : 
  اختيار مايك هاكابي، الحاكم السابق لولاية أركنسو مايك هاكابي  سفيراً في (إسرائيل)  وهو من أشد المتحمسين  لضم الضفة الغربية  ،  الذي عن ذلك بقوله : " أن هناك إمكانية أن توافق إدارة الرئيس دونالد ترامب ،على أن تُقدِم حكومة بنيامين نتنياهو على ضم الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية ، والأمر متروك للرئيس الأمريكي/ وترشيح إليس ستيفانيك كسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، التي أعلنت  فور ترشيحها عن دعمها المطلق  للكيان الصهيوني  وأنها ستتصدى بقوة للمعادين للسامية /  وكذلك تعيينه السيناتور ماركو روبيو وزيرا للخارجية الأمريكية ، وتعيين النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا، مايك والتز يتولى مستشاره للأمن القومي، وكلهم منحازون لطروحات اليمين الصهيوني في الاستيطان وضم الضفة  ورفض أي كيان وطني فلسطيني. 
ترامب  سيبني على مخرجات صفقة القرن
وفي التقدير الموضوعي أن موقف الفريق الثاني، هو الراجح، الذي يعكس موقف إدارة ترامب الحالية من القضية الفلسطينية ، بأنها ستبني على مخرجات خطة  صفقة القرن ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار  مواقف إدارة ترامب السابقة من القضية الفلسطينية ،ومن قضايا الصراع في المنطقة  الذي سبق وأن  ترجمه عبر صفقة القرن  ، على النحو التالي :
1-نقل السفارة الأمريكية للقدس واعترافه بها عاصمة أبدية وموحده للكيان الصهيوني.
2- دعم السيطرة الاسرائيلية على معظم الضفة الغربية التي احتلتها اسرائيل عام 1967، وضم الكتل الاستيطانية الضخمة في الضفة الغربية، إلى (إسرائيل) وبقاء مدينة القدس موحدة وتحت السيادة الاسرائيلية.
3- تركيزه على الحل الاقتصادي للفلسطينيين ، وتحسين أوضاعهم المعيشية ، عبر طرح العديد من المشاريع الاقتصادية بتمويل من دول الخليج النفطية، ما يضمن توفير مليون فرصة عمل جديدة ، وخفض معدل الفقر إلى النصف، مما سيؤدي إلى رفع الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد الفلسطيني ، مع توفير 50 مليار دولار للإنفاق في مشروعات للبنية التحتية والاستثمار على مدى 10 سنوات في الضفة  والقطاع والأردن ومصر ولبنان.
4- العمل على تصفية وكالة غوث اللاجئين ( الأونروا) عبر تجفيف مصادر تمويلها ووقف المنحة السنوية الأمريكية لها التي تشكل 30 في المائة من موازنتها بواقع  (365) مليون دولار  .
وفي الذاكرة الزيارات المكوكية التي قام بها مستشاره السابق للأمن القومي  "جاريد كوشنر"  وجيمس غرينبلات-  كبير الموظفين القانونيين لدونالد ترامب   - لكل من الأردن ولبنان وغيرهما لتوطين اللاجئين ومنحهم جنسية البلدان التي يقيمون بها .
5-وقف كافة المساعدات المالية للمستشفيات والمرافق الصحية العربية في القدس .
6-إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن
7- إنجاز منظومة أمنية في المنطقة في مواجهة إيران وأطراف محور المقاومة  تضطلع فيها (إسرائيل )بدور  قيادي.
8- اعتبار هضبة الجولان جزءاً لا يتجزأ من ( إسرائيل) ضارباً عرض  الحائط بقرارات الشرعية الدولية ،  وبحقيقة أنها  أراض سورية جرى احتلالها عام 1967 .
توجهات الإدارة الأمريكية الراهنة
وأخيراً  وفي ضوء ما تقدم ،أعتقد جازماً كغيري من المراقبين ،  بأن الإدارة الأمريكية ستبني على ما أنجزته لصالح الكيان الصهيوني سابقاً ، على حساب القضية الفلسطينية والمشروع التحرري الوطني الفلسطيني على نحو :
1- أنها ستواصل دعم ( إسرائيل) في عدوانها على غزة  لتحقيق أهدافها، ممثلةً بإنقاذ الأسرى الصهاينة لدى المقاومة ، وبالقضاء على حماس والمقاومة  وإنهاء حكومتها ، والحيلولة دون أي دور لها  في اليوم التالي لوقف الحرب.
2- أنها ستتساوق مع موقف  حكومة نتنياهو والمعارضة  الإسرائيلية، في رفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة  والقطاع ، وستتخذ إجراءات ملموسة لتكريس القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني.
3-أنها ستستمر في موقفها الداعي لتصفية وكالة الغوث ( الأونروا) وستدعم موقف ( إسرائيل) بشطب دورها  ، والغاء اتفاقيتها مع وكالة "الأونروا" التي نظمت أنشطتها في غزة والضفة الغربية المحتلة .
4- أنها ستواصل دعمه لعمليات الاستيطان في الضفة الغربية  وتهيئة الأمور لضم الضفة الغربية لاحقاً.
وبهذا الصدد صرح الوزير الصهيوني اليميني المتطرف  بقوله : " حان الوقت في حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجديدة، لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ولقد كنا على مسافة خطوة من فرض السيادة على المستوطنات في بالضفة".
5- أنها  ستعمل على  توسيع  دائرة اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية  " التي أبرمت بين (إسرائيل)  وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب ، لتشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى ، لعزل الفلسطينيين سياسيا وتصفية قضيتهم ،  وللمساهمة في تعزيز نفوذ (إسرائيل) في المنطقة.
لكن هذه التوجهات والإجراءات لإدارة ترامب الجديدة ، ستصطدم بمقاومة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة بدعم من أطراف محور المقاومة ، كما أن المقاومة الفلسطينية من واقع الميدان  قادرة وبدعم حلفائها ، على إفشال خطط ترامب على النحو الذي أفشلت فيه خطط وإجراءات الإدارة الأمريكية السابقة