Menu

سنعيد أشعة الشمس إلى طبيعتها

مروان عبد العال

.jpg

الهدف الإخبارية

مرّ عام طويل وجرى في النهر دماء كثيرة، ومياه كثيرة، واختلطت الألوان والرايات والعناوين والأسماء، لتبقى بين الأرواح روحك ومع الأسماء يبقى اسمك، الرفيق أحمد بدير، نفتح معاً صفحة من الرواية المتواصلة، وأنت العائد بعد عام مستكملاً درب الرفاق ومستقبلاً حشود الشهداء، من يعرفهم ولا يعرفهم، وعلى مدار عام وحرب، تارةً كأنه يفتح لهم باب السماء، وتارةً تحتضنهم براكين الأرض، وتارةً أخرى تحلق معهم في فضاء بأكمله على عدة جبهات الكرامة، وكل واحدة منها قد تعني لك كل شَيء. وفي ذلك المشهد المستمر والدامي اللانهائي، من حلقات الجنون والمطاردة، والنزوح والجوع والعطش وذبح الأطفال وتدمير بيوت وحرق خيام وإبادة مستشفيات بكل طواقمها من مرضى وجرحى وأطباء.

لست الأخير يا أحمد

ترحل وأنت من شعب لا يرحل، ومازال الوحش يطلق النار على الأغصان الميتة، على العصافير، عدو العدسات وآلات التصوير يكره الصحافة، يقصف الستار والمسرح والأبطال والمخرج والمتفرجين بموجات من نار ودم، ولكنه لن يفقأ عين الحقيقة، فصول التراجيدية الإنسانية تحكي قصة ناس اعتنقوا الحياة ببطولة وتضحية وصمود وسمو ودخول إلى وجدان كل ما هو آدمي. ولكن الستارة لا تقفل قبل أن تكتمل المذبحة.

لست الأخير يا أحمد

منذ عام صعدت أنفاسك إلى السماء المرصعة بالنجوم والشهداء. ونحن نعد الأشهر والأسابيع والأيام والساعات والدقائق وكلما نفتح بوابة الهدف لا نعثر على الكلمات التي تشبهك، بعد أن تحولت فجأة إلى طلقات رصاص، تم تفريغها في حقل رماية بعد جولة حرب قاتلة، ربما لهذا السبب أخفيت قلمك السيال ولكنه ظل ينزف بالحبر الأحمر. تماماً كما يكتب العاشق البطل قصيدة حبٍ بفوهة مسدسه.

لكنك لم تعد الأخير

لذا قررت أن أضع إحباطي جانباً، وأحشو المسدس وأنزف قلبي فوق الورق. وبدلاً من الرصاصة، أطلق أحرفاً نارية على كتاب صغير يحتوي تلك الأخبار العاجلة التي كنت أتطلع مع كل قذيفة إلى قراءتها.

أدركت أن الخبر العظيم هو أنت، ولم تترك بوابة الهدف لأنها تجذبك إلى الرواية الحقيقية. تجلس داخل فقراتها وأقسامها وبين أسطرها، تنصب خيمة وترحل، وأنت تعيش أحداثها ولا تكتب لنا الخبر الأخير، قبل أن تتمكن على عجل من العودة إلينا ثم إلى البيت!

ولست وحدك يا أحمد

لقد قررت إنقاذ الصفحات المتبقية وخاصة تلك المخبأة خلف الزناد. كيف ذلك؟ وقصة الصغير الضائع يحتجزك رهينة. ولكن أجمل شيء أن تحرر بنفسك تلك النصوص الحربية على وقع الموت اليومي وأنت تكتبها وتتطلع إلى قراءتها.

لقد صنّف جفانيتسكي البشر بقوله "الناس كالكتب، شخص تقرأه شهر، وآخر شهرين، وثالث تفهمه بعد عام، وهناك من لا تجد ضرورة لقراءته أبداً".

يوم قررت يا أحمد أن تحمل كل شيء معك، نضالك وعبوسك، فرحك وغمازاتك، حزنك ودموعك، مخاوفك وصمتك. تقطيع الإرسال وسرعة الخبر، الذي استحال إلى ثورة، هو رفض الكل. خبر لا يفارقنا وكتاب في رواية تستحق أن تقرأها دوماً، لأنك من صنف الرفاق الذين يكتبون كلمات لا تنتهي أبداً.

تنقش حكايتنا فوق رمال غزة المجبولة بطهر الشهداء والأشلاء وال قطر ات المنثورة على شواطئها، غداً ستنبت زهراً يانعاً من مجد وعزة وعنفوان، لا تيأس في موت الليل. لا ضوء يرشد، مع نبض القلب وفي عدم انتظام ضربات القلب، وعزلة خانقة. ثم يأتي الظلام ولكنه يرحل أيضاً.

تؤدي صلاتك كدقات عميقة تقرع جدران الإنسانية، لدرجة لأنها ما تبقى لنا في هذه الصحراء، خطوة بخطوة، نركض نحو الفجر وأقدماك كحوافر حصان لا يهدأ، يسبح في الريح. يكشف الأفق عن نفسه، ليبدأ يوم جديد.

صرخة قلب نقي واضح، من أجل أولئك الذين يفرون من البلاد إلى البلاد، بروح تبحث عن عودتها الأبدية. وإذا كنا سئمنا الانتظار فمثلك يعلم الأجيال طريقة جديدة للبحث عن الوجود وعن إشارات المرور الخفية في العالم اللامرئي.

يا أحمد الجبهاوي والغزاوي والفلسطيني والعربي والإنسان المطلق إلى ما بعد الأسماء أنت اختصار الوفاء والأشياء والحروب، أقسمت يوماً أن نستعيد أشعة الشمس إلى طبيعتها.