Menu

نتراجع.. لا نستسلم

صلاح صلاح

كتب صلاح صلاح

سألني أحد الأصدقاء أيهما برأيك أخطر وأكثر مأساوية: الانهيار المفاجئ الذي حصل في عام النكسة عام 1967؟ أم الانهيار المفاجئ الذي حصل في سورية؟ لا أريد أن أدخل في المقارنة بين المفاجأتين، فكلاهما سيئ، وكلاهما يحمل الكثير من المخاطر والتداعيات السلبية، كلاهما يولد مناخات فيها قدر عال من الإحباط واليأس وخيبات الأمل. فأنا آمل وبقوة أن أرى الجانب الآخر من الصورة، الجانب الذي يرفض الهزيمة وينهض من الكبوة ويراهن على قدرة شعبه لإعادة الثقة بنفسه، والتغلب على كل الصعاب. ينتعش الأمل. ويهزم الإحباط واليأس. ويعيد بناء ذاته من جديد، ويمتلك القوى والصمود. ويبدأ مسيرة التحدي والمواجهة والمقاومة. ولنا في تاريخنا الطويل من الصراع مع أعدائنا ما يعزز هذه القدرة على النهوض ورفض الهزيمة والاستسلام، وأن تبقى الراية مرفوعة حتى نحقق الانتصار مهما طال الزمن، وتعددت الانتكاسات. لنتذكر نكبة 1948 وتبعاتها المأساوية، والتي كانت نتيجة تواطؤ النظام العربي الرسمي مع الحركة الصهيونية برعاية استعمارية تقودها الولايات المتحدة، جيل جديد نهض يرفض الخضوع للأمر الواقع، ويتصدى لمشاريع التوطين والتجنيس التي حاول الأعداء من خلالها حل مشكلة اللاجئين كمدخل للصلح مع الكيان الصهيوني وللاعتراف بوجود دولة إسرائيل وتجاهل القرار الدولي رقم 194 حول حق العودة والتعويض.

 هذا الجيل هو الذي يجد الظروف المناسبة لتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية. وأسست لاحقاً لانطلاق حركة المقاومة الفلسطينية في منتصف الستينيات وشكلت الرد على نكسة 1967 التي خيبت الآمال بالرهان على قيادة الرئيس عبد الناصر بالتحرير والعودة، وعندما توالت الضربات للقضاء على الثورة الفلسطينية من أيلول الأسود 1970 إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وما بينهما، برزت الانتفاضة عام 1987. بزخم جماهيري أذهل العالم بقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود، وتحدي الحركة العسكرية الوحشية، وكل أساليب القمع والاضطهاد لمدة حوالي سبع سنوات. العريق في النضال، اكتشفت الجماهير الفلسطينية وقياداتها. بقيم الثورة ومبادئها وإستراتيجياتها. مبكراً أن اتفاق أوسلو وتوابعه خدعة كبيرة. وتضليل ليس سهلاً إخفاؤه، لهذا انطلقت الانتفاضة من جديد عام 2000، ثم عمليات الدهس والسكاكين التي اعتبرت عمليات فردية بدءاً من عام 2014، وصولاً إلى ما هي عليه اليوم من عمليات بطولية ينفذها الشباب. حملات الراية من كتائب جنين وطولكرم والخليل وعرين الأسود في نابلس ورام الله وحراس مخيم الدهيشة وغيرهم في العديد من مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية. الأمر يتجلى بشكل أوضح فيما أرى أمام الرأي العام العالمي من سياسة تطهير عرقي وإبادة جماعية تمارسها بكل شراسة وعدوانية القوات الصهيونية. والشعب الفلسطيني كطائر الفينيق ينهض من تحت الركام. يتحدى ويقاوم. بشكل أسطوري. ومناضلون يبتدعون المعجزات، ما أثار ليس شفقة وعطف العالم، بل الإعجاب والتقدير والتضامن مع الحق الفلسطيني، الذي أصبح شعاراً يتردد في شوارع وعواصم ومدن العالم: فلسطين حرة. أسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هذه المسيرة في جميع مراحلها بكل قوة وثبات، تطرح رؤية إستراتيجية متكاملة للصراع مع العدو الإسرائيلي، الاستعمار الاستيطاني التوسعي، رؤية تحدد من هو العدو ومن هو الصديق والحليف، رؤية تحدد الهدف النهائي للنضال الفلسطيني تحرير كامل التراب الفلسطيني العربي من البحر إلى النهر، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية. بكامل مواطنيها رؤية تؤكد على أهمية الوحدة وضرورة إنجازها كشرط أساسي من الشروط لإنجاز مهمات حرب التحرير الشعبية. لا يفوت هذه الرؤية الإستراتيجية على البعد القومي للصراع مع المشروع الصهيوني الذي يشكل خطراً جدياً يستهدف كل المنطقة العربية من الفرات إلى النيل، لعل هذا الوعي للبعد القومي في مواجهة الخطر الصهيوني اكتسبته الجبهة من حركة القوميين العرب، التي تمثل نموذجاً على قدرة الشباب على رفض الاستسلام للأمر الواقع، والتمرد على الهزيمة، والتصدي لظواهر البؤس والإحباط، وساهمت في دور مميز في فشل مشاريع الصلح والاعتراف بالكيان الصهيوني التي كانت ولا زالت تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية.

 في ظل. هذا الانهيار الذي تتعرض له سورية ويتشجع العدو الإسرائيلي إلى التوسع باحتلال أراض سورية وتدمير كل البنى العسكرية بغياب الجيش، ومؤسسة عسكرية تحميها، وفي ظل الضربة الموجعة التي تعرضت لها المقاومة في لبنان، واستمرار المجازر التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، وما تولده هذه الأحداث من حالات وخيبات أمل يصبح من الضروري أن نسترجع حالات النهوض بقدرة شعبنا على تجاوز كل المخاطر، ونؤكد بالاستناد إلى تجارب ملموسة، ولا زالت تجسد في آن الواقع اليومي أن المقاومة لن تهزم، وأن القناعة نتيجتها الانتصار وهزيمة الكيان الصهيوني وإنهاء وجوده. لن نتراجع.