Menu

ما بعد الزلزال

د.سعيد ذياب

كتب د. سعيد ذياب

لا أعتقد أن المنطقة لاتزال تملك ذات الوجه ونفس الانتماء بعد الزلزال الذي أطاح بالنظام السوري في الثامن من كانون الأول، أي أننا بتنا أمام تحول تاريخي كبير وخطير، يفرض علينا البحث عن اتجاهاته وسبل التصدي لمفاعيله.

بدأ التحول في غزة ثم لبنان وسورية، ولفهم هذا التحول علينا تتبع التحولات السياسية الرئيسة التي عاشتها المنطقة.

هذا التحول يتجاوز خطورته حرب عام ٦٧ وما أفرزته كانت من أبرز نتائجه احتلال أراضي ثلاث دول عربية والتي استوجبت الاستعداد لخوض حرب عام 73، التي وبالرغم من انتصاراتها النسبية إلا أنها فتحت الباب واسعاً أمام الدخول في تسويات سياسية وعمليات فصل القوات وصولاً إلى التوقيع على معاهدة كامب ديفيد، التي أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، ورويداً رويداً بدأت دول الطوق تمهد للانسحاب من الصراع، في هذه الأثناء كانت الثورة الإيرانية تحضر نفسها للظهور، هذا الظهور والتفجر فرض على المنطقة الكثير، أهمها التحول في موقفها من الاعتراف وإقامة علاقات مع الكيان إلى دولة ألغت كل ذلك ووضعت إسرائيل في قائمة العدو الرئيسي، منذ تلك اللحظة بدأت الثورة تتلمس طريقها نحو خلق نفوذ ودور في عملية الصراع مع العدو الإسرائيلي.

لقد تنامى الدور خاصة مع ازدياد السلوك العدواني الصهيوني واحتلال بيروت عام ٨٢ وظهور المقاومة اللبنانية الوطنية ولاحقاً الإسلامية ممثلة بحزب الله، وتنامى هذا النفوذ وصولاً إلى تشكيل محور المقاومة من لبنان وفلسطين وسورية و اليمن والعراق، وبات حضور المحور قوياً ومؤثراً في اتجاهات الأحداث، بل شكل الند والعائق للمشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

لم يكن الطوفان إلا البداية للزلزال الذي خلخل العديد من المفاهيم لدى العدو سواء لذاته أو لنظرته للآخر.

حاول العدو أن يجعل من هذا الطوفان فرصة لحرب الإبادة الجماعية وسياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين من خلال الحصار والتجويع ومن خلال استخدامه كل أنواع الأسلحة الأمريكية.

دخلت لبنان واليمن و العراق حرب الإسناد، لكن التحول الأبرز تمثل بدخول حزب الله الحرب كاملاً..

إن نجاح العدو في توجيه ضربات مؤلمة ضد الحزب وذلك بما بات يعرف بقصة البيجر ثم البدء باغتيال قياداته العسكرية والسياسية وعلى رأسها اغتيال سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله، أثر بشكل ملحوظ على قدرات الحزب.

إلا أن الصمود الأسطوري الذي أبداه المقاومون في الجنوب اللبناني في مواجهة التقدم البري الإسرائيلي، أفشل نشوة الانتصار لدى العدو.

بعد ساعة من وقف إطلاق النار، بدأ الزلزال السوري وصولاً إلى ذروة درجاته بسقوط النظام وسيطرة المجموعات المسلحة على مقاليد الأمور.

سورية والمخاطر التي تواجهها

أولى هذه المخاطر أن وحدة الأرض والتراب باتت في خطر سواء لجهة التقسيم أو لجهة توسع القضم "الإسرائيلي" الذي بات يتوسع كل يوم.

ثانياً تعمق الدور والنفوذ التركي والأمريكي والإسرائيلي في توجيه الأحداث في سورية وصولاً إلى التحكم بها.

ثالثاً تراجع الدور الإيراني والضعف الشّديد الذي أصاب المحور.

وبشكل خاص بعد الضربات العنيفة التي استهدفت الجيش السوري وكل عناصر ومكونات قوته، بما مهد للخطوات الأولى أمام الشرق الأوسط الجديد.

القضية الفلسطينية والضفة الغربية

في الوقت الذي يمارس العدو كل مكنونات إجرامه بحق غزة فإن عينه على الضفة الغربية حيث يجري بروفاته للتدمير والتهجير والضم انتظارًا لمجيء الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب لتوفير الغطاء السياسي للضم.

هذه المخاطر تضيف للشعب الفلسطيني ومقاومته تحدياً جديداً وكبيراً، خاصة بعد تصريح ترامب أن "إسرائيل" صغيرة ولا بد من توسيعها.

و الأردن بحكم الجغرافيا والتداخل الديمغرافي بات يرى نفسه أمام مخاطر جدية تهدده وتهدد الشعب الفلسطيني.

التطبيع وزلزال سورية

إذا كان طوفان الأقصى قد نجح في جرف الكثير من الأوساخ ونجح في فرملة الاندفاعة التطبيعية وما سمي بالسلام الإبراهيمي، جاء الزلزال السوري بكل تداعياته ومؤشراته على أن باب التطبيع بات مفتوحاً على مصراعيه، بعد أن تمت إزاحة العقبات من طريقه، وأصبح الهدف "الإسرائيلي" بالتطبيع مع الدول العربية والإسلامية، واندماجها في الإقليم وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية!!!

"إسرائيل" تنتظر الجائزة الكبرى بالتطبيع مع العربية السعودية وبتدخل فاعل من ترامب وإدارته.

لقد أثبتت الأنظمة العربية حرصها على التطبيع والتمسك به بالرغم من الحرب الإجرامية "الإسرائيلية" التي تشنها على غزة ولبنان، وتوسع احتلالها للأراضي السورية.

ما يعني كل ذلك أن هذه الأنظمة قد حسمت خياراتها بالتخلي عن الشقيق والانحياز بل الشراكة مع العدو في حربة ضد الشقيق، وهذا يضعنا أمام مهام ذات طبيعة إستراتيجية ترتبط بثقافتنا وباقتصادنا وبسيادتنا.

الزلزال السوري ومحور المقاومة

إذا ما علمنا أن من أهداف المجموعات المسلحة بالإضافة إلى المثلث الأمريكي والإسرائيلي والتركي لإسقاط النظام في سورية هو ضرب محور المقاومة وتأثيره على تطور الصراع، عندها سندرك أن المحور قد تلقى ضربة كبيرة، قد يكون من الصعب تعويضها، فسورية بما تشكله من أهمية جغرافية ولوجستية يجعل من خسارتها خسارة إستراتيجية حاسمة.

كان من الأسباب الهامة التي أوصلت المحور إلى هذا الحال هو حالة التردد وما يعرف بالصبر الإستراتيجي هذا الحال الذي استغله العدو جيداً واستثمره بشكل واضح في حربه ضد كل مكونات المحور.

ومهما يكن من أمر فإن المقاومة قادرة على استعادة فعلها والارتقاء به والاستفادة من الأخطاء التي وقعت بها، وستستمر لأن المقاومة رد طبيعي على الاحتلال ما دام موجوداً وهي فكرة تتعمق وتزداد القناعة بها وبضرورتها، بالإضافة لعنجهية العدو وجرائمه وإصراره على التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني.

فلسطين والزلزال

فلسطين هي الأكثر تضرراً من الزلزال السوري ومن تداعياته وتفكيك المحور وما ينتظر القضية الفلسطينية من مشاريع تصفية بطلها ترامب الذي سيبارك ضم الضفة الغربية وإعطاء الشرعية للمستوطنات ومد الكيان بكل عناصر الدعم وممارسة الضغوط للتطبيع السعودي الإسرائيلي.

إيران والزلزال السوري.

مما لا شك فيه أن من الأهداف الرئيسة للزلزال هو دفع إيران للانكفاء نحو ذاتها وهذا يعني أن القوى المعادية ستستكمل عدوانها وضغوطها مستهدفة المقاومة العراقية والمقاومة اليمنية.

ما يجري التركيز عليه كما قلنا هو عودة إيران إلى داخلها وإعادة النظر في كيفية التعامل مع الملف النووي إما بممارسة أقصى درجات الضغوط على إيران أو اللجوء إلى الحرب.

أي أن الحرب ليست مستثناة من السيناريوهات المحتملة في التعامل مع إيران.

لكن على الرغم من الضربات الموجعة التي تعرض لها المحور بقصد تفكيكه وإضعاف تأثيره إلا أن المقاومة لا تزال تثبت صمودها وقدرتها على الفعل في فلسطين غزة والضفة، واليمن الذي لا يزال يدمي العدو بصواريخه الفرط صوتية.

في ظل هذا الحال الذي وصلنا إليه سيكون السؤال الطبيعي هو ما العمل؟ الذي طالما سألناه لكننا كنا نتجنب البحث الجدي الذي يقودنا إلى الإجابة الصحيحة.

في سياق البدء بالبحث عن الإجابة لم أجد أفضل وأدق مما ختم به الفيلسوف الكندي آلان دونو كتابه (نظام التفاهة) أن الرد بأن نكون (جذريين) من خلال هذه الرؤية يجب أن ننطلق في بحثنا عن ما العمل.

أولاً: العودة إلى التمسك بالطبيعة الاستعمارية للكيان وبأنه مشروع استعماري استيطاني وعنصري لا ينشد إلا التوسع واحتلال المزيد من الأرض وإبادة شعوبنا أو استعبادها إن تعذر ذلك.

إن إشكاليتنا الفعلية تكمن بالوهم الذي تسرب إلينا، أنظمة وأحزاباً وقوى سياسية بأن هذا الكيان يمكن أن يجنح للسلام، لكنه لم يبادلنا إلا بالمزيد من التنكر لحقوقنا والإمعان في تنفيذ مشروعه.

ثانياً: التردد في طبيعة المواجهة.

تلك الرؤية قادتنا إلى نوع من التردد في طبيعة المواجهة من ناحية وقادنا إلى المبالغة في تقدير قوة العدو أو المبالغة في ضعفه.

هذا التردد والخطأ في تقدير القوة للعدو قاد إلى خيارات خاطئة بين الاستسلام أو غياب الاستعداد الجدي.

ثالثاً: على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية أثبتت لنا أنها ليست منحازة فقط للكيان بل ترى فيه مشروعها والتعبير الأوضح لثقافتها، فإننا بين الفينة والأخرى قبلنا ولا نزال بأن نتعامل معها كطرف محايد وهذا كذلك ما فاقم وعمق من أزمتنا.

من هنا فإن التفكير الراديكالي هو الذي سيشكل لنا المدخل لبناء القوة لمواجهة مشاريع العدو ببناء شرق أوسط جديد لا مكان فيه للمقاومة ويمكننا من مواجهة حملات الإبادة المتواصلة للشعب الفلسطيني من قبل العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.

نحن أمام مرحلة مفصلية عدونا يستهدف وجودنا كاملاً وعلينا أن نستعد لنخوض معركة الوجود موحدين.

لقد واجهت أمتنا الكثير من التحديات وبرغم الظلام الدامس استطاعت الأمة تجاوز تلك اللحظات.

فأمتنا وبالاستناد إلى تراثها وبالاستناد إلى المقاومة وما رسخته من ثقافة ستكون قادرة على الحفاظ على هويتها العربية في مواجهة كل الهويات المذهبية والجهوية التي تحاول القوى المعادية زرعها بيننا، وستنهض من كبوتها.