Menu

فلسطين تفرض نفسها على الانتخابات الأمريكية رغم كل محاولات الإقصاء

د. رباب عبد الهادي

تتناول هذه الدراسة من شقين ننشر شقها الأول في هذا العدد والق الثاني في العدد القادم تحليلاً نقديا لمجريات الانتخابات الأمريكية الرئاسية في نوفمبر\تشرين الثاني الماضي والتي فاز فيها دونالد ترامب على مرشحة الحزب الديمقراطي كامالا هاريس.

 

لم تسجل فلسطين نفسها رسمياً. لم تصرف ملايين الدولارات لشراء الدعايات. لم تجول من بلد إلى آخر تستجدي أصوات الناخبين. لم تتعهد بوعود لن تنفذها. لم تعقد صفقات خلف الكواليس. ولكن فلسطين المسلحه بقضيتها العادلة وصمود شعبها وتضامن العالم معها ,دمها يسيل على كفها حققت في الانتخابات الأمريكية في نوفمبر الماضي حضوراً لم يشهده تاريخ الولايات المتحدة. فبغض النظر عن فوز دونالد ترامب وخسارة كامالا هاريس فقد أثرت قضية فلسطين بشكل مباشر على أجندة حملات الرئاسة ومجلسي الشيوخ والنواب وتصدرت مواقف الفلسطينيين والعرب والمسلمين عناوين الصحف ووكالات الأنباء الرئيسيه على قدم وساق مع المواقف المؤيدة للاحتلال الصهيوني. ففي الماضي كان التركيز على مواقف الصهاينة بذريعة تغطية مواقف الجاليه اليهوديه والذي ادى قصداً وليس عفوياً الى الخلط ما بين اليهوديه والصهيونيه. لم تستنفر كما فعلت مؤسسات اللوبي الصهيوني (هذه المرة علنياً) للضغط السياسي والابتزاز المالي والعنف الجسدي ضد كل من تحدى موقف الحكومة الأمريكية الموالي لإسرائيل واستعمارها الإحلالي الابادي  ولم يستثنى من  ذلك مرشحي الكونغرس والحملات الانتخابية ونشاطات الشوارع والجامعات والكنائس والمساجد والمؤسسات اليهودية المعادية للصهيونية. ورغم ذلك برزت قضية فلسطين واحدة من أهم قضايا العدل الأساسية على بال الناخبين الأمريكيين الذين لا يريدون أن تكون أياديهم ملطخة بدماء الشعب الفلسطيني.,, فكيف نفهم هذا التناقض؟

 

ماذا تعني الانتخابات الأمريكية وهل يملك الشعب السلطة حقاً؟

دعونا في البداية أن نضع الحقائق المجردة أمام أعيننا و نخضعها للتحليل النقدي. فقد أظهرت نتائج الانتخابات أن الفارق بين ترمب وهاريس كان أقل من 2% (مجرد 1.58%) فبينما فاز ترمب ب76,917,038 صوتا أي 50% حصلت هاريس على 74,441,439  أي 48.4%. بمعنى أنه لا فرق يذكر بين الفائز والخاسر. فكيف أعلن ترامب فائزاً؟  أليس من حقنا التساؤل لماذا لم تؤدي هذه الأرقام لعقد جولة ثانية من الانتخابات لاختيار الفائز كون الفرق بين المرشحين لا يذكر حيث أن نسبة تقل عن 2% 1 لا تكفي لإعلان شرعية للحكم. فألا تشير أبسط قواعد الانتخابات التي تعلمناها ونحن طلاب يانعين في الاتحاد العام لطلبة فلسطين أنه في حال تقارب الأصوات النهائية لابد من إجراء تصويت ثاني؟ ولكن الانتخابات الأميركية صيغت بطريقة تعيد إنتاج الوضع القائم و عوامل تحكم انتخاب الرئيس منها أولها تباين أعداد الناس في الولايات التي تصوت. واعتماد المجمع الانتخابي بدلاً من الصوت الشعبي وغيرها مما يضعف هامش الديمقراطية الضعيف اصلا.

أما بالنسبه لمرشحي الكتل التقدمية المستقلة أو ما أطلق عليهم "البديل الثالث" (عن الحزبين الحاكمين والمحتكرين السلطة) فقد حازوا على 2.9 مليون صوت فقط أي بما يعادل 1.90% من مجمل أصوات الناخبين وهو ارتفاع طفيف جداً من النسبة الضئيله التي حققوها في الانتخابات الماضية عام 2020 والتي لم تتعدى 1.86%. فقد حازت حمله  الطبيبه جيل ستاين بحصة الأسد حيث كسبت 782,323 صوت بما يعادل 51.% وهي طبيبة يهودية معروفة بعدائها للصهيونية ودعمها الواضح لحقوق الشعب الفلسطيني.وهنا من المهم التأكيد بأن التأييد الساحق والحماس لحملات الرئاسيه للدكتورة جيل ستاين كما كان الأمر بالنسبة السيناتور برني ساندرز و كلاهما يهوديان يدحض الادعاءات الصهيونية المغرضة والتي تحاول نعت موجة الحراك الشعبي الأمريكي ضد حرب الإبادة الصهيونية بالعداء لليهود (أو اللاسامية). فقد أظهر استطلاع في ولاية ميشيغان أن 40% من الناخبين المسلمين اختاروا ستاين، بينما حصل ترامب على 18% وهاريس على 12% فقط.

وتجدر الإشارة بأن هناك 245 مليون أمريكي مؤهلين للتصويت في انتخابات 2024 العامة ولكن 90 مليون ناخب منهم لم يصوتوا أي بما يعادل 36.7%. كذلك من المهم الملاحظة بأن نسبة إقبال الناخبين الشباب (18-29 عامًا) كانت 42% هذا العام وهي أقل من نسبة إقبالهم في 2020 (أكثر من 50%) بمعنى تراجع مشاركتهم عن العام الذي فاز به بايدن ضد ترامب ولكنه أقرب من نسبه عام 2016 عندما فاز ترمب بالبيت الأبيض. كما كانت نسبة الإقبال في الولايات المتأرجحة مثل أريزونا وجورجيا وميشيغان أعلى من الولايات الأخرى، حيث بلغت حوالي 50%. وفقًا لاستطلاع مؤسسة Edison Research، شكل الناخبون الشباب 14% من إجمالي الأصوات في 2024، وهو انخفاض عن 17% في 2020 و19% في 2016 . يمكن ان نستنتج ان مشاركة الشباب صناع المستقبل كانت مشاركتهم بالتصويت هذا العام أقل ولكن لا يمكن أن نأخذ فئه الشباب بمعزل عن النوع والعرق والجنسيه والعمل والتعليم وغيرها. وهناك بعض التحليلات اليمينية التي تدعي بأن طلاب الجامعات تقدميين أكثر ممن لا يحملون الشهادة الجامعية ولكن هذا يتناقض مع الحراك الطلابي الفلسطيني والذي ضحى خلاله الطلاب وتعليمهم و مستقبلهم. كذلك فإن التحليل اليميني يستند إلى اعتبار الحزب الديمقراطي تياراً تقدمياً وهذا تنظير ليس دقيقاً حسب هذه تحليل هذه المقالة.

 

لماذا فاز ترامب وخسرت هاريس هل هما وجهان لنفس العملة؟

أما بالنسبة لمحتوى البرامج الانتخابية لكلا من ترامب وبايدن وهاريس, فان مواقفهم المتورطة بالمشاركة والتأييد بالإبادة الجماعية الصهيونية في غزة تترابط مع مواقفهم الأخرى. فدعونا نحلل التي هذه المواقف والسياسات الي احتلت ايضاً سلم أولويات الناخبين. لماذا فاز ترامب بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ اضافة الى الرئاسة الأمريكية بينما خسر الحزب الديمقراطي. وهنا نلفت النظر أن العوامل التي أدت الى فوز ترامب ليست بالضرورة نفس العوامل التي أدت الى خسارة هاريس رغم تشابك الأمرين:

أولاً وبلا شك فأن الولايات المتحدة تشهد فرز واضح بين قطبي اليمين واليسار وشبه اختفاء الوسط لم تشهده منذ نهاية حرب فيتنام وولاية ريغان .ففي ولاية كارتر الراحل بدأنا نشهد التحولات الليبرالية والتدخل الأمريكي الإمبريالي الأمريكي يتصاعد في عهد كارتر وكأن الوقت يجري لإنجاز مهمة "النسيان الجماعي" لجروح حرب فيتنام على المجتمع الأمريكي حتى لو يقلق هذا المجتمع بجروح النابالم وعامل اورانج والأسلحة الكيميائية الأخرى التي ما زالت تظهر على أجساد الشعب الفيتنامي.  ورغم أن كارتر اتجه الى دعم عدالة القضية الفلسطينية إن كان ذلك عبر كتابه الشهير, "فلسطين: السلم أم الفصل العنصري" أو في مراقبة دورتين الانتخابات اليتمة للمجلس التشريعي عام 1996 وعام 2006 والتصديق على نزاهتها لا تمحو دوره في رعاية اتفاقية كامب ديفيد التطبيعية والتي أخرجت اكبر دوله عربيه عن خندق المواجه الاحتلال الصهيوني إلى التواطؤ معه. كذلك لا ننسى أن كارتر أتخذ القرار للتدخل مع السعودية والباكستان للإطاحة بنظام نجيب الله الاشتراكي في كابول وبداية التدخل الأمريكي بتمويل وبناء وتسليح الطالبان لكسب الحرب الباردة. وفي عهد كارتر بدأت الليبرالية الجديدة تسود في دوائر السلطة الحاكمة عندما بدأ الديمقراطيون بالتخلي عن برامج الرعاية الاجتماعية وشرعنة خصخصة الدولة وتوسيع الميزانية العسكرية والصناعات الحربية وجاء ريغان يعمق هذا الاتجاه الأكثر وتجلت هذه السياسات خلال رئاسة كلينتون. وتتضح هنا بؤس وفشل الرؤية التي تطرح خلافاً حاداً بين الحزبين الحاكمين. صحيح ان الحزب الديمقراطي بيدو انعم والطف وأكثر "حضارياً" لكن آلة الدمار والقتل واحدة بغض النظر عمن ينفذها  طرحها

واليوم تتجه الرؤية السائدة (حسب وسائل الاعلام المتماشية مع قياده الدوله) نحو الايديولوجية اليمينية العنصرية وسيادة البيض الأوروبيين والفكر المسيحي اليميني العقائدي الذي يتضمن المسيحيه الصهيونيه والذي يؤمن بحق الأوروبيين البيض في الاستيطان الاستعماري في الشطر الغربي من الكرة الأرضية وحروب الإبادة الجماعية ضد أهل البلاد الأصليين والقضاء على أمم قائمة وإحلال المستوطنين الأوروبيين المستعمرين مكانهم. ونلفت نظر القراء أن انتخاب أوباما المفكر المثقف الأسود مرتين  كان من العوامل التحريضية الدافعة لصعود وتنظيم حركات سيادة البيض العنصرية التي صدمت باختيار الحزب الديمقراطي أوباما كمرشح لرئاسة الولايات المتحدة ومن ثم انتخابه للبيت الأبيض. أما بالنسبة للديمقراطيين فإن اختيار أوباما لم يختلف كثراً عن اختيار كمالا هاريس كبديل عن بايدن. فقد اختار الحزب الديمقراطي اوباما بعد ان فشلت مرشحها المفضل هيلاري كلينتون بالحصول على الدعم الشعبى الكافي ضد أوباما من ناحية وإثبات أوباما التزامه وولائه لليبرالية الجديدة  والقضاء على حلفائه السابقين من السود واليسار الراديكاليين المعادين للصهيونية والتغيير الثوري الذين طالب اللوبي الصهيوني والليبراليون الوسط بإعلان التبرؤ منهم وفعلا فقد أطاعهم ونفذ ما طلب منه

ثانياً: عنف الشرطة وال FBI والفلتان من المحاسبة والعقاب على قتل أهل البلاد الأصليين والشباب السود والملونين والعرب والمسلمين وخاصة الذكور منهم . فان سجل كامالا هاريس معروف عندما كانت مدعيه عامة في مدينة سان فرانسيسكو ومن ثمة ولاية كاليفورنيا فقد دافعت عن رؤوس الأموال والأثرياء ورفضت التدخل في مجموعة من المناسبات لصالح مؤسسات الحقوق المدنية الذين طالبوا بمحاسبة الشرطة وفتح ملفاتها المغلقة وبالمقابل طالبت برفع سلم العقوبات ضد الفقراء والأقليات والحكم عليهم بأحكام طويلة في السجن. فالجميع يعرفها كممثلة عن الحكومة والقانون يتغير موقفها حسب الرياح وليس ثابتاً مهما حاولت في حملتها الرئاسية الادعاء بمواقفها المبدئية كإمرأة سوداء الوقوف بجانب المضطهدين. وقد قدمت هاريس ولاء الطاعة للنظام بما فيهم اللوبي الصهيوني الذي رشحها ودعمها تماما كما فعل أوباما الذي أضحى اليوم مليونيراً يصول ويجول في دوائر الأثرياء

أمّا ترامب، فقد لمسنا عنصريتة خلال حملته الانتخابية الأولى, والتي تضمنت العديد من التصريحات المثيرة للجدل حول العرق الأبيض. وقد تصاعدت هذه المواقف بعد فوزه بالرئاسة عام 2016 حيث تبنى أفكارا تدعم  تفوق العرق الأبيض حيث دافع ترامب عن العنف العنصري خلال ولايته الرئاسية الاولى 2016-2020 بالتصريح بأنه لا يرى اختلافاً ما بين العنصريين الذين طلبوا بسيادة البيض الأوروبيين وآمنوا بنظرية الإحلال "Replacement Theory" العنصرية  من ناحية ومن ناحية أخرى المتظاهرين ضد العنصرية في مدينة شارلوتسفيل والتي سقط ضحيتها صبيه دهسها أحد العنصريين وعرف المعادين للفاشية بعد ذلك بأنهم "Anti-fascist" أو Antifa" حيث نعتهم مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI بالإرهابيين بينما قال يائير نتنياهو ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن اليسار الأمريكي وأنتيفا يمثلون خطراً أكبر على إسرائيل من اليمين العنصري الأبيض المعادي لليهود كونه كان وما زال من مناصري نظرية "الاستبدال". وقد صرح ريتشارد سبنسر أحد زعماء العنصريين الأمريكيين لقناة 12 العبرية "أنا صهيوني ابيض" مثلكم. إضافة لذلك فان ترامب حرض العنصريين اليميني التمرد اليميني العنصري في العاصمة-واشنطن في 6 يناير 2021. وتجدر الاشارة ان المتمردين في واشنطن حملوا اعلام اسرائيل وشاه ايران والنظام العنصري في الهند. وسواء كانت حملة هاريس ام ترامب فهنا تبرز أهمية دراسات المقارنة من منظور المستعَمرلتحليل أشكال وتركيبات الاستعماري الاحلالي الاستيطاني الأوروبي العنصري في فلسطين وجنوب إفريقيا و جزيرة السلحفاة .ثالثاً من الأسباب المباشرة لفشل الحزب الديمقراطي بهذه الانتخابات وفوز ترامب (وهنا وجه التقاطع بينهم) نقض فريق بايدن-هاريس مجموعة من الوعود التي تعهّدا بها خلال حملتهما الانتخابية عام 2020 ومنها إلغاء سياسات ترمب العنصرية والشوفينية والتعسفية داخل وخارج الولايات المتحدة بدعم المهاجرين وإغلاق مراكز اعتقال الاسر والاطفال وتحسين الأوضاع الاقتصادية بإلغاء قروض الطلاب الجامعيين وتطوير شبكة التأمين الصحي وتخفيف مآسي المعتقلين والسجون والمساهمة في تحسين السياسات المناخية والبيئية ,والتعاون الدولي, وحماية حقوق المرأة ومحاسبة الشرطة والشفافية وغيرها. اضافه أن القوى الليبرالية الوسطية كانت تتوقع أن تلغي إدارة بايدن قرارات ترمب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ودعم وكالة الغوث الدولية (الأونروا) وفتح مكتب فلسطين في العاصمة الأمريكية-واشنطن وإعادة الاتفاقية النووية مع إيران (ليس لحبها لفلسطين ولكن لتجنب خطوات تصعد من الصراع في منطقتنا وبالتالي تهدد المصالح الأمريكية) ورفع الحصار الشديد عن كوبا. ولكن تقاعس بايدن وهاريس في كافة هذه المجالات عزز من فقد ثقة الناخبين بايدن وهاريس ان كان بالتصويت أو بالتبرع  لحملاتهم الانتخابية. ناهيك عن فشل بايدن الذريع في كسب المناظرة ضد ترمب مما دفع قيادة الحزب الديمقراطي باتخاذ قرار تنحيته كمرشح رئاسي واستبداله بكاميلا هاريس وهذا  ليس حبا بهاريس صانعي القرار بالحزب الديمقراطي ليسوا غرباء عن التركيبة الأمريكية العنصرية والنوعية ولكنهم اضطروا لإنقاذ ما يمكن انقاذه في آخر لحظة  لإيجاد بديل عن ترامب الذي خوفوا الناخبين به.

رابعاً رغم استبدال بايدن بهاريس فان محاولة إنقاذ مرشح الحزب الديمقراطي بتوظيف أبرز شركات الدعاية والإعلام وصرف مليارات الدولارات لتسويق هاريس وترويجها كسلعه براقة لبيعها لكافة فئات المجتمع الأمريكي أينما كانوا باّت بالفشل.وبرأيي ربما كان هذا من أكبر الأخطاء التي اقترفها الحزب الديمقراطي والذي يدلل على ابتعاده عن القاعده الشعبيه وهمومها رغم أن هذا العامل لم يدرج في أي من التحليلات من قريب أو بعيد. ولكن إذا ابتعدنا عن القراءة السطحية تعمقنا في تقشير البصلة طبقة بعد الاخرى كما قال محلل علم الانسان كليفورد جيرتز فنرى انه تحت الطبقة السطحية ربما هناك شعور في الوعي الداخلي يتقلقل عندما نقرأ بأن اليمين يطالب بإلغاء مناهج  المدارس والجامعات الأكاديمية التي تدرس تاريخ الاستيطان والاستعباد  الدمويين للولايات المتحدة حتى لا يتضايق الأطفال وطلاب الجامعات البيض والصهاينة من تاريخ اجدادهم  ونتعرض في نفس الوقت لحملة الحزب الديمقراطي لتسويق كامالا هاريس وهي امرأة سوداء بدون التطرق لأي ملاحظات نقدية  لمعنى تسويق "بيع وشراء" امرأة سوداء  – احد حجارة الأساس لنظام العبودية واستلاب انسانيتهم والسيطرة على كل جزء من كيانهم وخطفهم واستعبادهم. لقد سمعنا بالفعل انتقادات نسويه تقليديه هنا وهنا للتعليقات على ملابس هاريس واحذيتها ولكن لم نسمع انتقادات لأسس بناء الدولة الأمريكية الاستيطانية العنصرية الإحلالية. هل خطر ذلك على بال هاريس؟

هل نجح الحزب الديقراطي بتسويق هاريس كسلعه بّراقه لما اعتبره قاعدته الشعبيه؟  

وهناك عوامل أخرى ساهمت في فشل تسويق صورة هاريس في استقطاب الأصوات التي كان الحزب الديمقراطي يعتمد عليها تاريخياً. في البداية لابد من التشكيك في رواية الحزب الديمقراطي الخيالية بأنه فعلا يمون على قاعدة شعبية. فكون نسبه عاليه (تتقلص) من الطبقة العاملة والفقراء والمسحوقين يصوتون وصوتوا  في هذه الانتخابات لصالح الحزب الديمقراطي لا يعني أن الحزب يمون عليهم. فقد مرت ايام عز الحزب إن كانت في صعود الحركة التقدمية والاشتراكية والشيوعية وكون الحزب جزءاً منها او خلال الستينات عندما برز الحزب مرة أخرى يؤيد الحقوق المدنية رغم أنها ُفرضت عليه ورغم بروز تيارات اخرى مثل اليسار الجديد وحركات الفهود السود وغيرهم . ولكن تبني الحزب الليبرالية الجديدة وتخليه عن الكثير من البرامج الاجتماعية وسع مساحة الاغتراب بين ما يسمى بقاعدته الشعبية التاريخية وقيادته. وبث أوباما الروح في امكانيه الحزب العودة إلى العهد الذهبي ولكن فشل القيادة في تحمل مسؤوليتها داخل الحكم وخارجه والوقوف بوجه ترامب خلال الانتفاضة السوداء افقد قواعدها الثقة بها. وإنما يدل هذا التصويت على شيء فإنما يدل على ان تصويت ما تسميه قيادة الحزب الديمقراطي بالقاعدة التاريخية الشعبية لصالحها كان واضحا انه خوفا من تسليم مقاليد الحكم لترامب وليس بالضرورة ثقة باريس او الحزب الديمقراطي. وهنا  تنطبق نظرية "الأقل شرا من بين الشرين." 

من خلال دراسة حملتها الانتخابية يتضح هو أن تجاهل هاريس و حملتها لتاريخ العنف العنصري الاستعماري الأمريكي الذي استهدف الرجل والمرأه المستَعمرين والشعوب السمراء و شعوب العالم الثالث. فقد تحدثت هاريس طويلاًعن العنف ضد المرأة و كررت الادعاء الصهيوني بأن المقاومة الفلسطينية اغتصبت نساء اسرائيليات يوم طوفان الأقصى ولكنها هاريس التي ادعت التزامها بالنسوية لم تتطرق مرة واحدة إلى التعذيب الذي تواجهه المرأة والرجل الفلسطيني في زنازين الاعتقال الصهيوني  بما فيه الاغتصاب و التعنيف الجنسي. ورغم تكرارها للدعاية الصهيونية انتظرنا من هذه النسوية التي كانت تأمل في قيادة الولايات المتحدة أن تتطرق  إلى تاريخ وحاضر العنف الاستعماري والمجتمعي الذي يعتبر أن كل ذكر ملون واصلي ومستَعمر يولد وكان  جزء من كيانه الطبيعي اغتصاب المرأة البيضاء و الاوروبيه والامريكيه ويستاهل الشنق الاعدام والقتل. وكما نعلم فان هذه  ركيزة من ركائز الخطاب الاستعماري الاستشراقي الإسلاموفوبيا العنصري. فلماذا لم تقم رائدة الإنسانية بإدانة هذا الخطاب الاستعماري العنصري بل الذي ُيتهم فيه الرجل الاسود والاصلي والملون والعربي والفلسطيني والمسلم دوماً بالعنف وكأن ذلك  جزء عضوياً من تركيبته الإنسانية بينما يتم الحديث مطلقاً عن الخطاب الاستشراقي والعنصري. أي أنها لم تقدم تحلالاً متكاملاً للعنف الذي يؤثر على حياة غالبية أفراد المجتمعات المستعمرة و المهمشة والفقيرة وإنما اكتفت بتحليل كلاسيكي عرضته الحركة المرأه الليبرالية الاوروبيه والامريكيه و تبنته بعض مؤسسات الطبقة المتوسطة من النساء الليبراليات كمقياساً لتقدم المجتمعات.  

وأخيرا وليس اخراً فيبدو أن تسويق هاريس كامرأة أمريكية من الطبقة المتوسطة من أصول سوداء وهنديه ليس صدفة بما فيه التركيز على كونها أمريكية وليس من العالم الثلاثاء لتأكيد ذوبان في الهوية الأمريكية "بشوية" بهارات كافية لترويجها بين الملونين ولكنها قليلة "الشطة" حتى لا تشكل خطرا على بياض امريكا واذا كان هناك شك فلديكم زوجها الثري الصهيوني لتبييض صورتها .وتكتمل الرساله عندما يتقزم تاريخ والدتها فيمسح نشاطها كطالبه في جامعة بيركلي تعارض سياسياً الإمبريالية والحرب الأمريكية في فيتنام .كذلك الأمر بالنسبة لوالدها الذي تم أيضاً مسح تاريخه رغم وربما بسبب كونه بروفيسور جامايكي يساري ماركسي لانه ممنوع في هذا البلد العنصري أن يكون الرجل الأسود ممتد القامة رافضاً للرأسمالية وتبعات الاستعمار وخنوع المجتمع الابيض الفوقي. وربما هذا المحو يحقق هدفاً اخراً وهو تحويل الأنظار عن كون هاريس ليست من عائله فقيره او من الطبقة العاملة وانما كلاهما (كاوباما) حاملا شهادة الدكتوراه ويعملان في جامعتين بمعاشات وظروف عمل متقدمة.

وحتى لا يتم الخلط ابداً فكان تسويق هاريس لنفسها بصورة المرأة السوداء المثالية (سكر خفيف) من الطبقة المتوسطة التي استطاعت امها تحدي المستحيل لتحقيق ما يسمى "بالحلم الأمريكي" ودعمت أسرتها بدون إسناد رجل وهو جانب آخر من الرواية المطلوبة من المرأة السوداء التي نهضت من آلام العبودية لتنقذ نفسها بشكل فردي–المعجزة التي لا تتم الا في امريكا بلد الاحلام والمعجزات والفرص الثانيه. فهذه معضلة أساسية وهي التركيز على الحلول الفردية بدلاً عن الحلول الجماعية التي تتطلب بناء حركات التغيير الجذري.

وهناك مسألة تبسيطية اخرى جادلت ضدها النظرية النسوية السوداء الماديه وليس الهوياتية وهي أن النوع لا يعوض عن العرق ولا عن الاقتصاد ولا يمحوه ولا العرق يعوض عن النوع والوضع الاقتصادي الاجتماعي كلهم مرتبطين ببعض مؤثرين على بعض، وكأن النساء كلهم أو العمال يؤمنون بنفس الموقف كأسنان المشط, او أن كلاهما منفصلان عن بعضهما تمامًا. فهذا يتناقض مع شمولية العدالة، حيث يتم النظر إلى القضايا بشكل مجزأ بدلًا من العمل على إيجاد حلول شاملة. بالإضافة إلى ذلك، فإن إهمال التأكيد على أن كل قاعدة انتخابية تختلف عن الأخرى، وأن هاريس وبايدن لا يخاطبان قاعدة واحدة. كانت احدى مشاكل الديمقراطيين ؛ فقد ابتعدوا كثيرًا عن ما كانوا يدعون بانها قاعدتهم الشعبية. فلديهم نوع من الاستعلاء لأنهم يمثلون ويتعاملون مع الطبقة المتوسطة بل الثرية، وليس مع الطبقات العاملة. ورغم أن معظم النقابات العمالية الرئيسيه أيدت حملة هاريس الانتخابية لتأكيد الابتعاد عن ترامب فليس هذا دليلاً ان كافة العمال يؤيدون مواقفها فبعض النقابات الرئيسية رفضت تأييدها لأن برنامجها لم يعبرعن مصالح الطبقة العاملة وهذا لم يحصل  من قبل مما يجعلهم غير قادرين على الوصول إلى القاعدة. فهم في الواقع لا يعرفون هموم هذه القاعدة ولا يفقهون احتياجاتها. وفي طريقي للمشاركة بمؤتمر اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز في مدينة ديربورن عاصمة العرب الامريكية التقيت بزعيمه سوداء في نقابة العامة لعمال المدن التي عبرت عن سعادتها باستبدال بايدن الزعيم التقليدي الأبيض بهاريس المرأة السوداء ولكن قبل أن أكمل سؤالي "وماذا عن فلسطين. ماذا عن الاباده الجماعيه؟ "قاطعتني قبل ان اقول "في غزة" لتقول "ولا يهمك. انا متأكده انها ستصلح الأمور"  وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هاريس كانت في جهة وقاعدتها من النساء السود اللواتي تأملن بها  خيرا في جهه اخرى .

والواضح أن الحزب الديمقراطي لم يتعلم من التاريخ ليحاول على الاقل تغطية جذور العنصرية المتغلغلة في أساسه، فلم يستفد من الأخطاء التي ارتكبتها هيلاري كلينتون في عام 2008 عندما استخدمت سياسة التلميح العنصرية في الانتخابات الرئاسية ضد أوباما، فقالت أنها أقرب الى من يرتدون القبة الزرقاء من الطبقة العاملة أي عمال المصانع البيض الذين كانوا يحتكرون العمل بسبب العنصرية التي حجبت الأعمال التي توفر التأمين الصحي والأجور الافضل نسبياً قبل ان تحقق حركات الحقوق المدنية انجازاتها. ومن ناحيه ثانيه  فان هيمنة الليبرالية الجديدة والتي ادت الى اغلاق المصانع باستثناء الصناعات الحربية والعسكرية والنفط والتي يرتدي عمالها زي واحد والتي تشكل غالبيتها من العمال السود والسمر.

وبالنسبة لترامب فإنه يستند في تعبئة غوغائيه جماهيرية تحتفل بالجهل وشرعنة عصابات البلطجية ومنحهم رخصة العنف المنظم ضد من كافه من يصفونهم بـ الأعداء وخاصة قوى اليسار والفكر النقدي وحراك الحركات الاجتماعية. ويبدو أن خطة حراكه تستقي كثيراً من ممارسات وموسوليني وفرانكو وهنا ننتظر ماذا تقوم به حركة المعارضة اليسارية بكافة تكويناته.

 

سجل الحملتين التاريخي وفشلهما

الواقع أن لا ترامب ولا فريق بايدن|هاريس كانوا بقدر المسؤولية خلال الأزمات الحادة فقد استهترت هاريس في عز معركتها الانتخابية. ففي أوائل أكتوبر من هذا العام–أي قبل أقل من شهر من الانتخابات–فشلت حكومتها في تقديم المساعدة لضحايا السيول في أفقر مناطق نورث كارولينا والجنوب الأمريكي. فقد أعلنت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA) أنها تحتاج إلى 9 مليارات دولار لمواجهة الأوضاع الطارئة . وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن تلقيها مبلغ 8.7 مليار دولار من الدعم العسكري الأمريكي، وفقًا لتقرير "الصوت اليهودي للسلام"  JVP. .أما ترمب فلم ينسى احد رفضه الاستجابة لحالة الطوارئ القاسية بعد اعصار ماريا القاتل في بورتوريكو.وكعادته ادعى ترامب بأن لا أحد مثله في دعم بورتوريكو رغم اكتشاف الفضيحة وهي يرمي أمام شاشات التلفزيون ورق التواليت (تنظيف القمامة) على الجماهير في الجزيرة المستعمَرة بدلاً من المساعدات لحكومة امريكيه استعمارية تدعي بأن مصلحه الشعب تهمها.

وبالنسبة لفلسطين فلم تعلق كاميلا هاريس على وسائل القمع المنظم، ولم تعقب على فاشية الاحتلال ونازيته بالرغم من إصدار الخارجية الأمريكية وزيرها الصهيوني تصريحات وتقارير تثبت ذلك. وفي حين هاريس أعربت عن قلقها بشأن الوضع في غزة، ولكنها سارعت في كل مرة إلى التصريح بأن لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها. كذلك تبنت هاريس الخطاب الصهيوني الذي يربط دوماً ما بين كفاح الشعب الفلسطيني وكره اليهود هذا الخطاب المشوه الذي منح صبغة حكومية بين النساء والسود لرواج السردية الصهيونية التي تمكّن أعداء الشعب الفلسطينيين من رسم خط مستقيم ما بين المحرقة النازية ضد اليهود والمقاومه الفلسطينيه.

وكذلك فإن دعم ترامب لليمين المتطرف كان واضحا من خلال تحالفاته, مثل التحالف المسيحي لدعم إسرائيل CUFI) Christians United for Israel) ،بالإضافة إلى دعمه الكبير للصهاينة اليمينيين .وأكبر مثال على ذلك الملياردير الراحل شيلدون أديلسون وزوجته ميريام أصحاب صحيفة "إسرائيل هيوم" المؤيدة لنتنياهو, والتي كانت تعتبر خرقة من الصحافه الصفراء, وأضحت  الآن من كبرى الصحف بإسرائيل.

حملة ترامب هذا العام أظهرت بوضوح العنصرية التي كانت سمة مميزة لخطابه حيث تجلى ذلك في تصريحه خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة قبل انسحاب بايدن حين وصفه بـ "السيء كالفلسطيني" و"لقد أصبح مثل الفلسطينيين – لكنهم لا يحبونه (أي الشعب) لأنه فلسطيني سيئ للغاية، إنه شخص ضعيف".ويعتبر ترمب أن الولايات المتحدة  اليوم "دولة محتلة" من قبل المهاجرين الملونين من العالم الثالث، وهو يعكس رؤية استعمارية استيطانية قامت على إبادة أهل البلاد الأصليين,استعباد الأفارقة، والتمييز ضد الشعوب الملونة. كما يعارض ترمب حقوق العمال والمهاجرين ويعتبرهم تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.

وبينما وصف ترمب هايتي والدول الأفريقية ببلدان "البراز" كان آخر دليل العنصرية الفاضحة التي لا تحتاج القراءة من وراء السطور. فلم تكن جملة عنصرية واحدة فقط يستطيع ترمب أن يهرب منها باعتبارها استثنائية كما يفعل الزعماء الصهاينة وإنما ترددت على لسان مجموعة من المتحدثين في مهرجانه الجمهوري في إحدى أكبر قاعات مدينة نيويورك . فقدم الضيوف عروضا فكاهية عنصرية استهزأت بالشعب البورتوريكي والفلسطيني الاقليات الاخرى. فوصف الكوميدي توني هينتشكليف الجزيره بورتوريكو "بجزيرة عائمة من القمامة" "ينشغل الشعب اللاتيني بها بإنجاب الأطفال". وربما لا يفهم الكثير ما قصده بذلك الا أن هذه المقولة ليست غريبة عن الشعب الفلسطيني حيث يعتبر المفكرون الصهاينة في مؤتمراتهم الاستراتيجية مؤتمر هرتسيليا للشؤون الأمنية مثلاً "المشكلة الديمغرافية" من أخطر ما يواجه إسرائيل. أما رودي جولياني الذي كان عمدة بلدية نيويورك ورفض بعد أحداث 11 سبتمبر تبرع الراحل ياسر عرفات بالدم فقد قال أن الفلسطينيين يشكلون "خطرا" وأضاف "يتعلم الفلسطينيين قتلنا وهم في سن الثانية" "لا أحد يريد فلسطينياً في الأردن. لا أحد يريد فلسطينياً في مصر., ولكن هاريس تريد أن تجلبهم لكم".

وبالعودة للتاريخ لعدة عقود من الجدير بالذكر التشابه بين مهرجان ترامب الحالي ومهرجان النازيين في 1939 الذي شجع على التفوق العرق الأبيض وعلى معاداة اليهود.  هذا يشير إلى دور هذه المهرجانات في إثارة تأجيج العنصرية وكون الولايات المتحدة تربة خصبة الأيديولوجيات العنصرية التي توجه السيطرة على السلطة.