كانت مجلة (الهدف) من المجلات الرصينة التي نتابعها بشغف، وننتظر منتصف الثمانينيات صدور العدد الأسبوعي منها بفارغ الصبر، فعدا عن إرثها التاريخي العريق منذ تأسيسها على يد الشهيد الأديب غسان كنفاني ، كان يكتب فيها معظم الكتاب المتنوّرين من الفلسطينيين والعرب. وكان حلماً بالنسبة لي ولكثيرٍ أو قليلٍ من جيلي أن ننشر فيها.
ولم يكن للتطرف الفكري الشيوعي أو الديني مكان واسع في ثقافة المجلة وفكرها، ولم ينزاح خطها عن بوصلة فلسطين التي لم تعد القضية المركزية لعدد من المثقفين والمجلات الفكرية بعد قليل، فضمّت معظم النتاج الفكري والأدبي اليساري والقومي والاشتراكي والإسلامي الوسطي المعتدل وقبلت الجسد الفكري على صفحاتها، وحاورته والتقت معه في قواسم كثيرة: فلسطين تجمعنا.. عداؤنا للصهيونية يجمعنا.. الخلاص من الاحتلال والتحرر لا خلاف عليه والنقاش بعد ذلك في الوسائل.
لذلك لم يعرف فكر مجلة الهدف التطرّف الحادّ يميناً أو يساراً، ولم يتردد معظم المثقفين والمبدعين بالكتابة فيها، من مثل مظفر النواب أو سعد الله ونوس أو عبد الرحمن منيف أو صادق جلال العظم أو جمال الباروت أو أي مفكّر أو أديب آخر والقائمة تطول، كنتَ تجد القومي والليبرالي ومن يشرب الخمر ومن يذهب للصلاة.. وتجد على صفحاتها الشباب والشابات المتعددي الاتجاهات فكراً وشكلاً (من ترتدي الحجاب ومن ترتدي الجينز) ومن ينشر قصة قصيرة أو قصيدة في مجلة الهدف قد ينشر غيرها في مجلة أخرى: الحرية وإلى الأمام أو مجلة فتح أو حتى مجلة الطلائع أو مجلة الكاتب الفلسطيني أو مجلة الكرمل والبيادر... صحيح أنّ الاصطفاف السياسي كان موجوداً في كل مكان بل حتى داخل البيت الواحد إلا أنّ هذا الاصطفاف لم يكن حاداً وخاصة بين المثقفين الذين اصطفوا جميعاً تحت مظلة واحدة هي فلسطين، على الرغم مما فعلته أوسلو أول التسعينات التي وسّعت الشرخ الحاد في الاصطفاف السياسي والثقافي، واستشعر معظم المثقفين أنّ فلسطين التاريخية مهددة بالتلاشي مع انتشار مصطلحات جديدة من مثل: الواقعية السياسية ومرحلية الحل والقرار المستقل، وبدأ يصل إلينا في منتصف التسعينيات مجلة جديدة اسمها (راية الاستقلال) ذات ورق مصقول وملون وتطبع في بيروت أو قبرص ولا أدري مَن كان يشرف عليها ويموّلها، لكنها لم تعش طويلاً ربما بسبب ما تروِّج له من أفكار، وربما بسبب التمويل المالي، إلا أنّ مجلة الهدف صمدت وكان لها الصدى الأوسع لدى المثقفين الذين لم يألفوا بعد فكرة تلاشي حق العودة إلى حيفا وعكا ويافا وطبرية والجليل..
وأذكر أني عندما نشرت أولى مراجعاتي النقدية في مجلة إلى الأمام أواخر الثمانينات لم يطلب مني رئيس تحريرها آنذاك أن ألتزم خطهم أو توجههم، وكذلك الحال وفِي الفترة نفسها لم يطلب مني رئيس تحرير مجلة فتح أي التزام بالموقف السياسي للمجلة، وكنت قد قدّمتُ لنائبه الرائع (شوقي أبو شعيرة) (كان قد جمعني معه وفِي مخيم اليرموك صديق كاتب وصحفي موهوب هو نافذ أبو حسنة) قدّمتُ له قراءة نقدية لمجموعة قصصية صادرة حديثاً وقتها بعنوان (النحنحات) وهي لقاص وأديب سوري دمث اسمه (إبراهيم صموئيل) كان قد خرج لتوه من السجن في سورية وكانت مجموعته تسجيلاً يومياً لما جرى لذلك المعتقل في الزنزانة.. والحال نفسها مع مجلة الحرية ومع رئيس تحريرها حين قدّمتُ له دراسة عن القاص الكبير يوسف إدريس لتنشر ضمن ملف كبير أعدته مجلة الحرية ساعة وفاته مطلع التسعينات، وقد حرّر ذلك الملف نخبة من الكتاب الفلسطينيين والسوريين، وقال لي رئيس التحرير وقتها: لقد قرأت لك شيئاً في إلى الأمام وفتح ولم يبدِ أي اعتراض أو مساومة..
أما التحوّل المفصلي في حياتي النقدية فكان عندما نشرتُ لأول مرة في مجلة الهدف قراءة نقدية لمجموعة قصصية للقاص الغزاوي (غريب عسقلاني) أهداني إياها كاتب غزاوي كان يقيم في المخيم (رجب أبو سرية) التقيته في بيت صديقي الشاعر المبدع (ماهر رجا) وقال لي خذ اقرأ لكاتب من غزة، وقد فوجئت بالكاتب والمجموعة واحتفلتُ وفرحتُ حيث كان لقائي الأول مطلع التسعينات مع نتاج أدبي قادم من فلسطين/ غزة، فكتبت عنها بفرح شديد ولم أقسُ عليها بالأحكام وعندما تحدثتُ عنها مع القاص الأديب الأنيق أحمد سعيد نجم (وكان نائب رئيس تحرير مجلة الهدف) أشار عليّ أن أنشرها في الهدف (التي استقرت مكاتبها في المخيم آنذاك) وقدّمها لرئيس التحرير أو المشرف على القسم الثقافي وقتها الدكتور فيصل درّاج فوافق على نشرها.
وطلب د.فيصل دراج لقائي بعد ذلك ونصحني بأن أقدّم قراءات ومراجعات نقدية أخرى عن ذلك الأدب القادم من فلسطين تحديداً، ووعد بتزويدي بكل الإصدارات الأدبية الحديثة القادمة من فلسطين، وذكّرني بالجهد المبكر الذي قدّمه الشهيد غسان كنفاني حيث كان أول مَن عرّف بمحمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي وتوفيق فياض وراشد حسين وغيرهم، وقد راق لي ما قاله بل دفعني إلى التهام كتاب كنفاني أولاً (الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968) وجعلني أبحث وأتقصّى عن كل ما يُنتج في فلسطين قطاعها وضفتها وجليلها..
وقد أعدتْ مجلة الهدف عدداً سنوياً خاصاً في الذكرى السنوية الثالثة للانتفاضة الأولى (1991) حرّره نخبة من الكتّاب الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعرب، وطلب مني د.فيصل مادة نقدية شاملة بعنوان (القصة القصيرة الفلسطينية والانتفاضة)، فكتبتُ مادة طويلة نوعاً ما (ست صفحات) تناولتُ فيها المبنى والمعنى في عدد من النتاجات القصصية التي صدرت عن انتفاضة الحجارة، وأذكر من بين تلك المجموعات ما أصدره الأديب الراحل رشاد أبو شاور ومجموعته (الناس والحجارة)، وللطرافة كانت المكافأة المالية مجزية جداً وقتها (2000 ليرة سورية) وهو مبلغ محترم احترتُ ماذا أصنع به، فنصحني الرائع أحمد سعيد نجم بشراء النسخة الجديدة الكاملة من الموسوعة الفلسطينية التي طُبعت حديثاً في بيروت في ستة أجزاء وهي غير الإصدار الأول، وثمنها حوالي خمسين دولار فوافقت فأوصى لي على نسخة، وكانت أهم كتاب أفرح لشرائه في حياتي كلها..
أعود لأقول لقد كان د.فيصل دراج يعلم أنني أكتب في مجلات ربما لا تتوافق مع خط الجبهة الشعبية الفكري لكنها تلتقي جميعاً على فلسطين وتحريرها وضرورة إبراز دور الثقافة والمثقف العضوي (حسب تعبيره وتعبير غرامشي الذي أفاض في الحديث عنه في جلّ كتبه ومقالاته)..
لقد كانت هذه حال مجلة الهدف، حالة ثقافية متنوعة ومتدفقة، ومشهد صحي معافى من العقد الفصائلية المقيتة، شعارها ما فرّقته السياسة تجمعه الثقافة.

