كلما تأملت مشهد البانوراما الغزاوية التي تجسدت على أرض غزة، أقف حائراً مدهوشاً أمام الصمود الأسطوري لمقاومة الإنسان الغزي في وجه أعتى استعمار إحلال إملائي إبادي لكل ما هو حي مدعوماً بقوة البارود الأمريكي ومسنوداً من الغرب الإمبريالي الاستثماري سياسياً ومادياً وإعلامياً قل نظيره في القرن الواحد والعشرين.
أقف مندهشاً أمام صمود لا شبيه له في هذا القرن الحداثي حيث تتداعى الأسئلة التي تنتمي إلى فصيلة الدهشة، وأتسائل لماذا لا يستسلم الغزيون أمام هذه المقتلة الغير مسبوقه، لماذا لا يستسلم المقاومون!
لماذا لا يرفع الغزيون الراية البيضاء! تجيبني حالاً أم مالك بارود قبل أن استكمل أسئلة الدهشة "ليس لدينا قماش للرايات البيضاء إنما لدينا قماش لأكفان الشهداء.
كيف لهذا الغزاوي الكنعاني أن يتحمل هذا القتل والإباده والتطهير والترحيل والتنقل من مكان مقتول فيه إلى مكان آخر مقتول فيه، وكيف لهذا الغزاوي أن يصمد أمام التجويع المنهج من قبل كيان سادي لا يرحم وهو يرى العالم كله من ذوي القربى وذوي شعارات حقوق الإنسان يتفرجون على قتلهم وجوعهم! وتجيب غزية حرة، لقد ربطنا على بطوننا أحزمة من بقايا ملابسنا المهترئه، فأسكتنا صراخ معدتنا وجوعنا.
كيف للإنسان الغزي أن يصمد أمام مشهد إنعدام وموت الحياة، ولا يتبقى له إلا العيش في خيام بلاستيكية لا تقي برداً ولا حراً، بدون ماء وبدون كهرباء وبدون غطاء أو فراش، خيام تنصب فوق مياه آسنة وفوق ركام وبقايا ما دمره الاحتلال أو بقرب بحر هائج ثوري يستأنس بزرقة مياهه السماوية.
كيف لهذا الإنسان الغزي أن يتعايش مع زحف الموت المتنقل وطقوس دفن الموتى بالاكفان وبدونها، لا مدارس ولا مستشفيات ولا دور عبادة، وصلواتهم لم تتوقف، وجلها صلوات فجر وظهر أمام جثامين الشهداء. ومقابر جماعية بأسماء وبدونها يستوي في داخلها الكبير والصغير والغني والفقير، فكلهم فقراء، والمقاوم واللامقاوم، ملحمة المساواة والعدالة في زمن الموت،
كيف لتلك المرأة الغزاوية المحتشمة أن تلد طفلاً في خيمة ويختلط صراخها وصراخ طفلها على وقع القنابل والبارود، ولكنها طقوس الحرب التي أعادتنا إلى الأيام الغابرة قبل ألف عام، يوم أن كانت الخيمة ملجأ الإنسان.
وكيف لهذه الفتاة الغزية أن تتجاهل البارود وتقيم عرساً وزفافاً بين جموع اللجؤ في مدارس الأنروا وفي زمن الموت الحاضر والمتحفز لنزع الأرواح! وكيف لهذا الطفل الغزاوي أن يتحدث بالسياسة بلغة الكبار والمحللين ويفتي بالدين ويحفظ القرآن ويجيد الفصحى ويحض على المقاومة ويرقص رقصة النصر!
كيف لهذه الإرادة الغزاوية أن تهش بعصاها من قبل مقاوم عنيد طائرة مسيرة أقعدته جراحه على أريكة وسط دمار مخيف، "إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون".
ما هذا المشهد البانورامي الشامل الذي يثير الدهشة ويجسد الصمود ومعانيه في الشخصية الغزاوية، هذا المشهد الذي يشاهده العالم بأسره من بعيد ومن علو، ويمعن النظر في أحداثه وحرائقه. بانوراما حية قد يعجز كل مصورين ورسامي العالم أن يعيدوا إحياءها، فقد تحتاج إلى مساحة غزة عرضاً وطولاً من الجدران والورق المقوى، بانوراما المستحيلة.
تلك الأسئلة الغارقة في الدهشة قد تجد لها جواباً وقد لا تجد، وتلك أسطورة تستدعي فك رموزها ونبش التاريخ للكشف عن عبقرية المكان والإنسان. فما يحدث في غزة هي كوميديا سوداء في ذات المشهد البانورامي فاقت تصورات شكسبير ومسرحياته، لكنها كوميديا تبحث عن النصر وما يستحق الحياة.
غزة فلتة التاريخ، وتبقى غريزة البقاء واستحقاقها هي الجواب الناقص لاسئلة الدهشة، ولكن ما هو مخفي وأعظم فذلك برسم روايات الأدباء والمفكرين وعلماء الاجتماع لفك طلاسم صمود ووجود الكنعاني الغزاوي.

