Menu

الاستنارة والتجديد في الفكر العربي المعاصر

د. سامي الشيخ محمد

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

 

إذا كانت العقلانيّة والحداثة والتنوير أبرز ثمار المجتمعات الرأسمالية الأوروبية الحديثة، الّتي جاءت على أنقاض المجتمعات الأوروبية التقليدية بما فيها المجتمعات الّتي شهدت ولادة حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، فإنّ بروز تيارات فكريّة عقلانية وحداثية عربيّة معاصرة اتسمت بالاستنارة والتجديد، جاءت على أنقاض فكر حركـة الإصلاح الديني الإسلامي وتعدّ ثمرة من ثمار ولادة البرجوازية الوطنية في حقبة الاستعمار الأوروبي المعاصر للمنطقة العربية، بمعنى أنَّ الحقبة الإقطاعية في المجتمعات الأوروبية الوسيطة، وفي المنطقة العربيّة على الرّغم من خصوصيّة كل منها قد أنتجت في مراحلها الأخيرة فكـراً إصلاحياً دينيّاً مسيحياً في الغرب، وإسلامياً في الشرق، في حين أنتجت الحقبة الرأسمالية في الغرب الحديث، وفي الشرق المعاصر، فكـراً عقلانياً مستنيراً وحداثياً، آخذين بنظر الاعتبار الفوارق القائمة بين المجتمعات الرأسمالية في الغرب، والمجتمعات البرجوازيـة في المنطقة العربية، وطبيعة العلاقة بين البرجوازية العربية، والرأسمالية الغربية .

على أية حال فقد شهدت المنطقة العربية عامّة، و مصر خاصّة ولادة تيارات فكرية وسياسية اتخذت من الاستنارة والتجديد سبيلاً لها في دعوتها النهضوية المعاصرة متجاوزةً في ذلك دعوات زعماء الإصلاح الديني الإسلامي في العصر الحديث، من هنـا سنتناول حركة الاستنارة والتجديد عند أبرز المفكرين والتيارات الثقافية في "مصـر" المعاصرة بوصفها أنموذجاً لحركة الاستنارة والتجديد في المنطقة العربية.

لقد شكّـل كتاب" الإسلام وأصول الحكم" 1925 للشيـخ علي عبد الرّازق منعطفاً هاماً في تاريخ تطور الفكر الإسلامي المعاصـر، ذلك أنّه أوّل من قدّم تفسيراً واضحاً للتمييز بين الجانبين الروحي والزمني ليس في مصر فحسب وإنّمـا في الشّرق العربي أيضاً. إذ شكّل صفعة قويّة لصورة القضاء ومؤسساته الدستورية الزائفـة، ولم يكن موضوع إثارة بعض المسائل الدستوريّة والسياسية وما يتصـل منها بمسألة الخلافة هو الغرض الأساسي من وراء الكتاب، فقـد كان يهدف أساساً إلى فصـل الجانب الروحي عن الجانب الزمني في الإسلام، الرفع من شأن الجانب الأول وتنزيهه عن شروط الصيرورة والتحوّل الّتي لا بدَّ أن يخضع لها الجانب الثّاني، ذلك أنَّ الأوّل متّصل بالرؤية البشريّة لمجتمع صالح تتغير فيه الأحكام بتغيّر الأزمان، ويتوزّع فيه النّاس بالوسائل البشريّة للتشريع. (أنظر د. فخري، ماجد، دراسات في الفكر العربي، دار النهار، بيروت 1982)، فجاء كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ليشكّل جهداً سياسياً في معركة سياسية حامية، بل وضارية، وقائمـة على قدم وساق، فكان تحدياً لعرش وملك بكلّ ما ورائهما من قوّة وإمكانيات، كمـا يجمع على ذلك معظم المفكرين والباحثين وآية ذلك الأفكار الّتي انطوى عليها الكتاب: " أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ولا أعبد إلاَّ إيّاه ، ولا أخشى أحداً سواه، له القـوّة والعزّة، وما سواه ضعيف وذليل". (الإسلام وأصول الحكم ، ص5(

لقد شكّل علي عبد الرازق، بداية مرحلة جديدة من التفكير في حياة مصر، فتجاوز فكر زعماء حركة الإصلاح الديني الإسلامي بمواقفه الاجتماعية والسياسية، بخاصّـة في تحديده لعلاقة الحاكم بالمحكوم، ونفيه لأي شكل من أشكال الحكم الملكـي المطلـق، فكانت آخر صيحة في الإصلاح الديني الإسلامـي هي صيحـة علي عبد الرازق في "الإسلام وأصول الحكم"، إنّها ذروة ما وصل إليه الإصلاح الديني من عقلانيّة في علاقته بمسألة السّلطة. (للمزيد أنظر، د. برقاوي، أحمد، محاولة في قراءة عصر النهضة).

فالوعي الّذي تمتع به علي عبد الرازق، شكّل تقدماً ملموساً، وتجاوزاً ظاهراً للواقع الاجتماعي والسياسي السائد في عصره بكل جوانبه، فقد اتخذت مسألـة الديمقراطية وضعاً جديداً في عصر ليس له طاقة على احتمال حرية الفكر والتفكير، في عصر غارق في سبات من الجمود الفكري وهيمنة المظاهر الكاذبة باسم الدين الإسلامي وشعائره، ناهيك عن الموقف النقدي من مسألة الخلافة، فهو يرى أنّه مادامت القوّة هي الأساس الّذي ارتكزت عليه الخلافة فكيف يقال إنّها تقوم على مبدأ الإقناع والشّورى وأنّهـا تتصف بصفة دينيّة أو إلهيّة... لأنَّ تاريخ الخلافة يثبت بما لا يدع مجالاً للشّك أنَّ الخلفاء منذ علي بن أبي طالب إنّما اعتلوا سدّة الخلافة بالسّيف في وجه مقاومة العناصر المختلفة. (أنظر، دراسات في الفكر العربي، ص 281 (

أمّا طه حسين بوصفه أديباً ومفكّراً مجدّداً، اتّخذ من العقل وسيلة في محاكمته لكافة الأمور والظّواهر، فأيقن بأنَّ السّبيل الوحيد للخروج بالأمّة من مستنقع الجهل والتّخلّف هو تنوير العقول ونشر العلم والتّعليم، فتقدم الأمم يقاس بمقدار تطور وانتشار المعـارف والعلوم الإنسانيّة فيها، وأهميّة التعلّم والعلم تكمن في كونهما أساسين ضروريّين لتمكين الشعب من ممارسة الحرية والديمقراطيّة بصورة حضاريّة راقية .

من هنا نظر العديد من الأدباء والمفكرين العرب إلى طه حسين بوصفه رائداً للتنوير في الأدب العربي، إذ يربط بوضوح بين مطلبي الحرية والديمقراطية من جهة، والتعليم من جهة أخرى، الأمر الّذي يدعو إلى ضرورة أن يتعلّم الشّعب إلى أقصى حدود التّعلّم، ففي ذلك وحده الوسيلة إلى أن يعرف الشّعب مواضع الظّلم، وإلى أن يحاسب هؤلاء الّذين يظلمونه، ويذلّونه، ويستأثرون بثمرات عمله .

أمّا مادّة التّعليم فينبغي أن تخدم رقي العقل وصقل الوجدان، والإيمان بالحرّيّة والديمقراطيّة، والعمل على تحقيق الآمال الوطنيّة، واللافت أنَّ طه حسين قد جهر بالقول: إنَّ الثّقافة لا تزدهر في ظلّ الاستبداد الاجتماعي والسياسي، ولا تحيا إلاَّ في جوٍّ مـن الحرّيّة الاجتماعيّة والسياسية، ولهذا كانت مشاركته في العمل الشّاق في أرض يتخوّفها الكثيرون من المستطيعين بأنفسهم، غير المحتاجين إلى المعونة الماديّة في حياتهم. (أنظر، القلماوي، سهير، مجلة الكاتب، العدد ،168، القاهرة) .

وممّا لا شكَّ فيه أنَّ الحياة الفكريّة في عصر حكم البرجوازيّة المصريّة أخذت تتّجه نحو النّماء والتّطوير مع مجيء طـه حسين إلى ميدان الحياة الفكريّة، إذ أصبح للعقل مكانة مرموقة قياساً بعهود سابقة، وبدلاً من أن تتوجّه جهود المفكرين المعاصرين إلى إصلاح الدّين ممّا ألمَّ به من بدع وشوائب، فقد انصبّت على إصـلاح العقل والارتكان إليه في تسيير أمور الحياة، بمعنى بعد أن كان الدّين إمام المفكّرين الإسلاميين كما هو الحال عند زعماء الإصلاح الدّيني الإسلامي ومن سبقهم، فقد أصبح العقل إمام الفلاسفة والمفكّرين المعاصرين من دعاة الليبراليّة، وهو ما يؤكّده (عثمان أمين) بقوله: "الإمامة إذن هي إمامة العقل عند أصحاب التنوير كما هي في فكر طه حسين" (د. أمين، عثمان، المرجع نفسه، ص 24. (

أمّا النّزعة العقليّة فأكثر ما تجلّت في كتابه الشّهير "في الشّعر الجاهلي" عام 1926، الّذي أثار ضجّة كبيرة حول ما جاء فيه من آراء في تقييم أدبنا القديم، وممّا لا شكّ فيه أيضاً أنَّ الاتّجاهات الليبراليّة في الفكر المعاصر جاءت متأثّرة إلى حدٍّ كبير بليبراليّة الغـرب عن طريق الاتّصال الثّقافي بين الشّرق والغرب، فقد أخذت الآراء والأفكـار الليبراليّة ترسم اتّجاهاتها في حياة مصر الثقافية المعاصرة، حتّى أنَّ رسالة الدكتوراه الّتي تقدّم بها طه حسين 1914 جاءت في الأدب العربي تحمل طابع الثّورة على المقاييس العربيّة القديـمة في نقـد الأدب، ولا ننسى أثر سفره إلى فرنسا وإعجابه بالآداب الفرنسيّة، وتعرّفه على مناهـج النّقد الأوروبي في ذلك، إذ أصبح يعدّ أكبر الأكاديميين القاهريين تأثيراً في مناهج دراسة الأدب العربي _من وجهة نظر بعض الدارسين .( أنظر، أحمد، خلف الله، أثر القاهرة في نهضة اللغة العربية وآدابها في القرن العشرين، الفكر المعاصر، العدد51، القاهرة، 1969(.

من ناحية أخرى فقد دعا طه حسين بوصفه أنموذجاً للمفكر العقلاني، إلى الأخـذ بأسباب الثّقافة الغربيّة، وما تقـوم عليه من أسس إغريقية، وتطبيق أساليب النّقد التّاريخي علـى النّصوص القرآنيّة على النّحو الّذي فعله في كتاب "في الشّعر الجاهلي". (للمزيد، أنظر، د. فخري، ماجد، دراسات في الفكر العربي).

لقد عبَّرت الاتّجاهات الليبرالية عن نفسها في الفكر والأدب العربي المعاصـر عن نفسها أوضح تعبير منذ أوائل القرن العشرين على أيدي مفكرين كبار، كـ "لطفي السيد" و"سلامة موسى" و"علي عبد الرّازق" و"طه حسين" وغيرهم، وكنتيجة طبيعيّة لسيادة الاتجاهات الليبراليّة في الفكر، تعددت مصادر الفكر وسادت الانتقائية، بحيث يعسر على الباحث أن يلحظ خطاً مميّزاً للفكر المصري المعاصر يميّزه عن غيره من الثّقافات الأخرى، ففي الوقت الّذي أسفر فيه المنهج الليبرالي عن تحقيق فرصة طيبة في حقل تطوّر الآداب والعلوم وتقدّمها، إلاّ أنّه كشف عن قصوره في جوانب معيّنة، ذلك أنَّ الليبراليّة تعلّم النّاس كيف يتحررون، ولكن لا تعلمهم ماذا يفعلون بالحريّة. ( أنظر، معلوم، حسين، قراءات في نقد الفكر الوحدوي، الليبرالية والطريق إلى الوحدة العربية، مجلة الفكر العربي، العدد56، بيروت، 1989)

لذا شكّلت الانتقائية والنّصيّة علامة مميّزة للاتجاه الليبرالي المعاصر. أمّا بالنسبة إلى الاتجاه الديني، فقد اتّخذ شكلاً جديداً منذ أوائل القرن العشرين حتّى منتصفه، إذ برزت اتجاهات جديدة للفكر الديني، جاءت على أعقاب فكر حركة الإصلاح الديني الإسلامي الحديث، ترى أنَّ حضارة الشعوب المتمدنة لم تفلح في تقدّمها بالاعتماد على إصلاح الدين وحده، بل بالاعتماد على نور العقل وتقدّم المعارف والعلوم، غير أنَّ الشّرق المتخلّف يطمح في التقدّم، ومجاراة الحضارات المتقدّمة في العالم، في الوقت الّذي تسيطر فيه شعائر الدين الإسلامي ومناهجه على أوسع ثقافة شعوبه وأدمغة مفكريه، فكان من الضروري للمثقّف العربي المسلم تطوير فكره الديني وإلباسه ثوباً جديداً يتلاءم وروح العصر وثقافته، فبرزت حركة تنويريّة يقف على رأسها عدد من المفكرين المعاصرين: طه حسين، وعباس محمود العقّاد، وتوفيق الحكيم، وعلي عبد الرازق، وغيرهم، هذه الحركة التنويرية في الفكر الإسلامي المعاصر تدعو إلى الأخذ بأسباب العلم، والاعتمـاد على العقل في التفسير والتأويل بما يحفظ أصالة الموروث الثقافي، وتقويمـه، وتطعيمـه بمنجزات العصر، فنشأت مدرسة يحاول أصحابهـا أن يجدوا موقفاً وسطاً يجمـع بين الطرفين، كما حاولوا المزج بين موضوعات القديم وموضوعات الجديد، ومثّلت هـذه المدرسة الغالبية العظمى من المثقّفين _كما يرى البعض _. (أنظر، علي، محمد أحمد إسماعيل ، المثقّف العربي بين التعريب والأصالة، مجلّة الوحدة، العدد40، الرباط، 1988 .(

من ناحية أخرى أصبح الشكل الجديد للفكر الديني يتمثّل في انتهاج أسلوب التفكير العقلي للدّين، بعد أن حُسِمَت مسألة العلاقة بين الفكر والدّين، فتجلّت النزعة العقليّة في الفكر الديني الإسلامي بصورة واضحة، وكان من ذلك أن فُتِحَ باب الاستنارة على ثقافة الغرب وآدابه وعلومه، فجاءت مؤلّفات العقّاد، وتوفيق الحكيم، والشيخ علي عبد الرّازق، وطه حسين، وغيرهـم من المفكرين الإسلاميين لتشكّل نمطاً جديداً ومتطوّراً للفكـر الديني المعاصر، حيث مُدَّت الجسور بين المعرفة العقلية وتعاليم الدّين الإسلامي، فأصبح الفكر الدّيني الإسلامي المعاصر عقلاني النّزعة، يقول العقّاد بهذا الخصوص إنّه: "مع إسلام _ لا يضيق بالفلسفة _ لأنّهـا تفكير في حقائق الأشياء، لأنَّ التفكير في السماوات والأرض من فرائضه المتواترة". ( العقّاد، عباس محمود، التفكير فريضة إسلاميّة، ص73 (

فنجم عن ذلك أن استحال الشّكل الأصولي النّصي للفكر، إلى أشكال عقلانيّة ذلك أنَّ لغة الدّين حتّى تكون مقبولة في زمن انتصار العقل، لا بدّ أن تتجه لمخاطبة العقل، والأخذ بأسباب العلم لتكتب لها الحياة والنّجاح، فكان أن حدثت ازدواجيّة ثقافيّة بين الإسلامي والعلماني، بين الفكرين الشرقي والغربي، فالعلمانيّة هي الثّقافة الأساسيّة للسّلطة وأجهزتها التربويّة والإعلاميّة، والشرقيّة والإسلاميّة هي ثقافة الأغلبية الساحقة من جهة أخرى، فالتقاليد الشرقيّة والمعتقدات الإسلاميّة مازالـت قويّة راسخة الجـذور لدى الغالبية من المثقّفين بمن فيهم الّذين تغرّبوا وتعلمنوا. ( أنظر، سعد، أحمد صادق، أشكال التوصيف الاجتماعي للمثقّف المصري، مجلة الوحدة، العدد40، الرباط، 1988)

على أية حال فقد شهدت المرحلة المعاصرة من تاريـخ مصـر، اشتداد بروز التيّار التحرري الإسلامي، وبدء تبلور معالم أيديولوجية قوميّة عربيّة، فكان من سمات مرحلة ما بين نهايتي الحربين العالميتين الأولى والثانية أن ازدادت فيها حركـة القوميّة العربية تماسكاً وتفتّحاً ونضوجاً، حتّى أنّها تركت آثارها في كافّة أنحـاء البلاد العربية، لا في المشرق العربي فحسب. فبدت بوصفها التيّار الفكري والسياسي الأقوى من بين التيّارات السّائدة، والحركة المنسجمة مع تطلعات الجماهير وآمالها، ولكن هذا لا يعني انعدام أثر التيارات السياسية الأخرى، كالتيار القومي المحلّي، والتيّار الإسلامي، والتيّار العلماني اليساري، بل إنَّ بعض هذه التيّارات قد اشتدَّ عوده ولا سيّما التيّار الأخير (للمزيد أنظر، صبّاغ، ليلى، تاريخ العرب الحديث والمعاصر).

نعم لقد اشتدّ التيار العلماني في الفكر المصري المعاصر، وأصبح الشّكل الجديد المتطور للفكر الاجتماعي والسياسي، وكانت بداية نشوء هذا التيار على أيدي مفكرين عرب كبار، كشبلي الشميِّل، وفرنسيس مراش، وغيرهم، غير أنَّ الشكل الجديد للفكـر الإسلامي، اتّخذ منحىً تقدمياً عصرياً، فصار أقلَّ تشدّداً عمّا كان عليه في مراحلـه السابقة إزاء أهم القضايا، الأصالة والمعاصرة، العلم والديمقراطية، الموقف من المدنية الغربية، وصار ينظر إلى العلاقة بين الدين والعلم، وبين الغرب والشرق، على أنّهـا علاقة تفاعل، وتمازج ثقافي حضاري، لم تكن تستساغ في عهود سابقة على النحو الّذي آلت إليه راهناً، تجلّى ذلك بوضوح في فكر العقّاد رائد الفكر الإسلامي المعاصـر، وفي فكر غيره من المفكّرين الإسلاميين.

لقد لعبت مرحلة حكم البرجوازيّة المصرية، دوراً مؤثّراً في تطور وازدهار الفكـر العربي المصري المعاصر، حيث تحرّرت الثّقافة نسبياً من القيود الّتي فرضتهـا عهـود الاحتلال الأجنبي على مصر، فبذرت بذور الثّقافة التحررية الليبرالية المعاصرة من خلال التبعية للغرب، الأمر الّذي أسهم في نشرها وفي النّهضة الفكريّة الشّاملة، فقد جرى استيعاب تام للتراث الفكري الإسلامي في أصوله الأولى، وحركيّة هذا الفكر في عدّة مراحل تطوّريّة. بالمقابل شكّلت حركة الاتّجاهات التحديثيّة في الفكـر العربي المصري المعاصر، خصوصاً الاتّجاهات الليبراليّة، أحمد لطفي السيد، سلامة موسى…إلخ خطّاً مقابلاً لخط الفكر الإسلامي التجديدي التقدّمي، علماً بأنَّ الأفكار الليبرالية عند مؤسسيها عقيدة وفلسفة، وحركة تلتزم الحرّية، ولقد ارتبطت نشأتها كما تكوّنت أيديولوجيتها خلال الصّراع الحاد بين الطبقة البرجوازيّة النّاشئة آنذاك، وخصوصـاً البرجوازية التجارية، وبين الطّبقة الإقطاعيّة في أوروبّا الّتي كانت مسيطـرة على المجتمع الإقطاعي بكـلّ مؤسساته، الأمر الّذي ساعد على التقدّم العلمي والإعلاء من قيمة الإنسان الفرد. ( للمزيد، أنظر، د. منسي، صلاح الدين، الفكر الليبرالي في السبعينات "نموذج مصر"، مجلّة الوحدة، العدد 46،47، الرباط، 1988 (

وصفوة القـول إنًّ حركة الاستنارة والتجديد جاءت بوصفهـا ثمرة للتطـور الاقتصادي والاجتماعي وبروز البرجوازية الوطنية على مسرح السياسة من ناحيـة، والانفتاح على الغرب الحداثي وعلومه سواء بواسطة الاتصال الثقافي به عبر البعثات العلمية أو من خلال الاستعمار المباشر وفرض أنماط الثقافة الغربية السائدة من ناحية أخرى.