Menu

الحروب الاقتصادية.. ألمٌ بلا جراح.. وحروب من دون نار

د. أدهم شقير

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

 

من أهم أدوات السياسة الخارجية، لأي دولة من الدول (الأداة الاقتصادية)، حيث تقع في منطقة وسط بين الأداة الدبلوماسية والأداة العسكرية، في الوقت الذي تخدم فيه الأداة الاقتصادية الدبلوماسية، إلا أنها لا تستبعد تماماً العمل العسكري.. وإن كانت كلتا الأداتان (الاقتصادية والعسكرية) تعدان امتداداً لحركة الأداة الدبلوماسية، لكن بوسائل متقابلة.. وبتكلفة متفاوتة.. وبعائد مختلف، وكذا بتوقعات متضاربة النتائج.

الحرب الاقتصادية :

يمكن تعريفها وفقاً لقاموس أكسفورد الإنجليزي على أنها إستراتيجية اقتصادية تقوم على استخدام إجراءات تكون الغاية الأساسية منها إضعاف اقتصاد دولة أخرى .

لطالما عرفت البشرية منذ الأزل الحروب الاقتصادية وذلك بهدف السيطرة على الموارد الاقتصادية ومنافعها أو بهدف تقويض القدرات الاقتصادية خلال الأزمات السياسية والعسكرية بين الأطراف المتحاربة .

ولذلك تعد الحرب الاقتصادية واحدة من أقدم أنواع الحروب التي عرفتها البشرية حيث كانت تأتي في شكل صراع على الموارد الاقتصادية فيما إلى ذلك تغيرت أنماط هذه الحروب مؤخراً لتصبح في شكل تقويض الأداء الاقتصادي والسيطرة على الأسواق من خلال حركة الواردات ورؤوس الأموال واحتكار إنتاج سلعة ما في بلد ما لصالح دولة ما وصولاً إلى الحرب الاقتصادية التي تتم من خلال الرقمنة واختراق البيانات والهجمات التقنية التي تضرب الاقتصاد الرقمي كما أنها تتشكل في أساليب وقرارات الرفض والاستحواذ الاقتصادي أو السعي لتحقيق ميزة سياسية أو اقتصادية.

في زمن الحرب، تعتبر الحرب الاقتصادية عاملاً مساعدًا هامًا للأعمال العسكرية مما يسهم في إضعاف اقتصادها أي أنها تدعم الأعمال العسكرية بشكل مباشر وعلى الرغم ذلك فإن الحروب الاقتصادية خلال السلم ترتكز على البعد الاقتصادي فقط أي أنها موجهة إلى الاقتصاد فقط وهو ما يعني أن جميع التدابير التي يمكن استخدامها في زمن الحرب قابلة للاستخدام أيضًا في زمن السلم.

في المقابل هناك بعض الحروب الاقتصادية التي تتخذ شكلاً نظامياً متعارفاً عليه كتلك التي يقوم بها المجتمع الدولي من خلال مواثيق هيئة الأمم المتحدة أو بعض الدول ضد الدول التي تخرج عن مبادئ السلم العام وتنتهك القوانين الدولية وأيضاً المنظمات الإرهابية لتقويض أضرارها على المجتمعات والدول .

تندرج تحت مفهوم الحروب الاقتصادية عدة اتجاهات مثل العقوبات الاقتصاديّة أو الحصار الاقتصادي أو المقاطعة الاقتصادية أو السيطرة على الأسواق بصناعة الأزمات الاقتصادية وغيرها .

إن الحروب الاقتصادية أشد فتكاً من الحروب التقليدية ذلك لأنها تهدم القدرات الاقتصادية كما أنها تشكل بعداً نفسياً يلامس بشكل مباشر حياة الناس بتوسيعها دائرة الفقر والبطالة وتحد كثيراً من عمليات التطور والنمو فاستخدام الأسلحة الاقتصادية أثناء الحرب له تاريخ طويل لكنه مع صعود العولمة وتطور سلاسل التوريد وتوسع قاعدة التبادل التجاري العالمي أعطى الحروب الاقتصادية قوة غير مسبوقة ليكون تأثيرها مدمراً ومؤلماً لكنه بلا جراح ولذلك أي انقطاع في توريد المواد الخام أو السلع الغذائية يكون الضرر أكثر بكثير من خسارة معركة حربية.

مجمل القول: لطالما كانت ولاتزال الحروب الاقتصادية واحدة من أقسى الحروب التي شهدتها البشرية وتكون أكثر ألماً عندما يؤخذ بها كأداة تكميلية للصراع المسلح، وفي ظل أي حروب اقتصادية فإن الاقتصاد العالمي سيكون في وضع دون المستوى الأمثل مما يتطلب المزيد من الجهود الدولية والتعاون الدولي الدؤوب لتجنيب الاقتصاد العالمي كافة الصدمات والصراعات المتعددة.

الفساد جزء هام في الحروب الاقتصادية

يشكل الفساد منظومة كاملة ومتكاملة، أسهم في الإثراء غير المشروع، وأحدث في السنوات القليلة الماضية، حالةً من الاحتقان الاجتماعي، وما سلِمَ حتى الآن من نار الحرب، يعبثُ به الفاسدون في مؤسسات الدولة، وتجار الحرب، لينحدر الاقتصاد من سيئ إلى أسوأ.

في كل الحروب، تظهر عمليات فسادٍ كبيرة، كصفقات بيع الأسلحة لطرفَي النزاع، أو استنفاد موارد الدولة من قبل العصابات، كما أن الفساد أيضًا لا يستغني عن الحرب، فعندما تنتهج الدول مبدأ مكافحته، تغطي عمليتها بمصطلح “الحرب على الفساد” كمدلول يُعزّز العلاقة الوطيدة بين الحرب والفساد.

في المناطق التي تعاني من اضطرابات أمنية، كمناطق حرب واشتباكات، أو حصار أو مناطق حدودية، يعمل البعض لا يهمه الشعب والنزاع، بل يهمه المال وهنالك من يتاجر بالبشر، يخطفون ويأسرون الرجال والنساء من أجل الفدية المادية، أو للتجارة بأعضائهم. والبعض الآخر يعمل في تجارة السلاح، فيبدؤون بترويج أسلحة جديدة، أو ذخيرة من جميع الأنواع، ويعرضونها للبيع لطرفي النزاع، دون تردد، وهذه الأسلحة التي غالباً ما يكونون قد حصلوا عليها بطرق غير مشروعة، كسرقة مخازن أسلحة تابعة للحكومة، أو شرائها من منظمات أو شركات تصنيع غير مرخصة، وليس لديهم مانع من بيع أسلحتهم وذخائرهم لمجموعات متطرفة أو عنصرية، فما يهمهم أولاً وأخيراً هو المال.

والبعض يحتكر المواد الغذائية ويبيعها بأسعار خيالية، يقومون بجمع المواد الغذائية، يضغطون على أصحاب المحال التجارية بالقوة والتخويف لرفع أسعار البضائع، أو إغلاق محالهم، ليستطيعوا اكتساح السوق، عن طريق الإشاعات الكاذبة والأخبار المزورة، ما يدفع الناس إلى الإسراع لمنقذهم من هذه الكارثة، وهكذا ينجح المخطط وتتكاثر الأموال بسهولة.

وهنالك من يتاجر بأرواح الشباب، ففي المناطق الحدودية تنتعش تجارة المخدرات والحشيشة بكافة بأنواعها، والمحروقات، فهو يبرم اتفاقات مع عدد من المسؤولين القابلين الرشوة من طرفي النزاع، لتسهيل طريق بضاعتهم والتغاضي عن بضاعتهم وميليشياتهم/عصاباتهم، فهم قبل الحرب لم يكونوا سوى تجار خارجين عن القانون، وملاحقين من قبل الدولة، لكن الوضع المتأزم جعلهم يتمادون ويعملون بحرية أكبر، وإدخال كميات أكبر من المخدرات والحشيش، ونشرها بين الشباب، هذا كله يحدث في ظل غياب دور الدولة القوية، وهو استثمار الأزمة والحرب.

اختراق الأسواق والاحتكار والإغراق:

هو وسيلة لضرب الجهاز الإنتاجي الداخلي للدولة، وإضعافه، وعدم قدرته على المنافسة والمقاومة، وذلك باستغلال الاتفاقيات الدولية التي تتيح حرية التجارة العالمية، واختراق الأسواق عن طريق الاحتكار وتملك خطوط الإنتاج والصناعات الحيوية في الدول المراد تدميرها اقتصاديًّا. يعد اختراق الأسواق الداخلية من الدول الكبرى القادرة على شن حرب اقتصادية، من أهم الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب، حيث يتم الاختراق للأسواق، وعمل الإغراق في بعض السلع والمنتجات.

1. المقاطعة الاقتصادية:

تعد المقاطعة الاقتصادية من أهم أسلحة الحرب الاقتصادية، وذلك من خلال مقاطعة كاملة لسلع إحدى الدول، وعدم الاستيراد منها أو التصدير إليها على الإطلاق، وذلك باستخدام المنتجات المنافسة لمنتجات تلك الدولة، وعدم إعطائها أي فرصة لترويج سلعها التصديرية، وتُعَدُّ مقاطعة السلع الغذائية أكثر تأثيرًا، لأنها أكثر سرعة في التلف، تليها بعد ذلك السلع المصنعة.

2. الحصار الاقتصادي والعسكري:

ويمكن للمقاطعة الاقتصادية أن تدخل نطاقاً أوسع من ذلك، لتشمل الحصار الاقتصادي، ومنع دخول وخروج السلع للمنطقة الواقعة داخل الحصار الاقتصادي، وذلك من خلال فرض حصار بحري وجوي وبري، مثلما حدث مع العراق و ليبيا وكوبا.

والحصار الاقتصادي أكثر أسلحة الحرب الاقتصادية فتكاً، لأنه يترتب عليه نقص في الأدوية والغذاء ومحدودية الاحتكاك بالعالم الخارجي، ما يترتب عليه نتائج اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى مثل المجاعات والأمراض.

سلاح العقوبات الاقتصادية بين العصا والجزرة

كثيرًا ما تلجأ الدول لخيار الأداة الاقتصادية في محاولتها خدمة مصالحها الوطنية، ودعمًا لأمنها القومي. الدول، وخاصةً الغنية منها، تلجأ لنظام المعونات الاقتصادية بمثابة "الجزرة"، التي تجذب الدول الأكثر احتياجًا لها، من أجل دعم الأخيرة السياسي وتعاطفها مع القضايا، التي تتصدى لها الدول المانحة للمعونات الاقتصادية، على المستويين الإقليمي والدولي. أيضًا: نفس الأداة تستخدم سلبيًا كـ "العصاة" للتأثير على سلوك الدول الأخرى لتتوافق مع مصالح وأمن الدولة أو الدول، التي تلجأ لنظام العقوبات أو المقاطعة الاقتصادية. في كلتا الحالتين تتفاوت عوائد وتكلفة اللجوء للأداة الاقتصادية، بتفاوت القضايا التي تُستخدم من أجلها.. وكذا بتفاوت حاجة ومكانة الدول موضوع نظام العقوبات الاقتصادية.

تكلفة العقوبات الاقتصادية الأخلاقية

الأخطر: في قرار اللجوء إلى نظام العقوبات الاقتصادية، ذلك البعد الأخلاقي الذي يطال جوانب إنسانية، كان يجب على طرفي الصراع، خاصةً: تلك الأطراف التي تلجأ لخيار المقاطعة والعقوبات الاقتصادية، عدم إقحامها والمجازفة بالأخذ بخيارها في معمعة الخلاف بينها. كثيرًا ما تتولد مآسٍ إنسانية نتيجة لفرض العقوبات الاقتصادية على دول هي في الأساس تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية مزمنة، وفي أمس الحاجة للمعونة الاقتصادية، من أن تتعرض للعقوبات الاقتصادية، لأسباب ودواعٍ سياسية، هي في كثير من الأحيان، تمس قضايا السيادة الحساسة، أكثر من اعتبارها عقوبة على مروقٍ أو تجاوزٍ على قيم النظام الدولي المرعية.. أو لمواجهة سلوكٍ من شأنه أن يخل باستقرار العالم وأمنه، كما تحاول الدول التي تلجأ لخيار العقوبات الاقتصادية تصويرها، أو حتى اختلاقها، من أجل تبرير الأخذ بخيار العقوبات الاقتصادية لإدارة أهداف سياستها الخارجية.

في المقابل: وامتدادًا لهذا البعد الإنساني والأخلاقي السلبي لخيار العقوبات الاقتصادية، فإن الكثير من الدول، التي تتعرض لأنظمة العقوبات الاقتصادية، يهمها استقرار أنظمتها السياسية، ولا تلتفت للآثار السلبية لاستمرار العقوبات الاقتصادية على شعوبها. في هذه الحالات: تتغلب شعارات الحفاظ على السيادة.. وبقاء الدولة، واستقلال قرارها السياسي، ولو من باب المزايدة السياسية، على مدى فاعلية النظام السياسي وكفاءته في أداء وظائفه والقيام بأعباء مسؤولياته، ومن ثَمّ محاولة تسخير موارد الدولة المحدودة والفقيرة، ليس من أجل مقاومة تبعات العقوبات الاقتصادية.. وتخفيف عبئها عن الناس، بل لترسيخ دعائم النظام السياسي القائم، وتشديد قبضة استبداده.

إن الضغوط التي تُمارس على الدول موضوع العقوبات الاقتصادية، قد لا تقود إلى تغيير في سياساتها وتوجهاتها، بقدر ما تقود إلى ترسيخ دعائم أنظمتها السياسية، مهما كانت قمعية، بضخ المزيد من الموارد الفقيرة والمتناقصة في شريان النظام السياسي، بهدف تعزيز سطوته وزيادة فرص بقائه في السلطة، وربما التمادي في عناده، بما قد يشكل تهديدًا مباشرًا وناجزًا على سلام العالم وأمنه، كما هو في حال نظام العقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة على كوريا الشمالية.

كذلك: فإن الجانب الأخلاقي السلبي لخيار اللجوء للعقوبات الاقتصادية لا يقتصر على الأثر السلبي المتمثل في الإضرار المباشر بحياة الشعوب الفقيرة، التي فُرضت العقوبات الاقتصادية على دولها عقابًا لسلوك أنظمتها السياسية، مهما كانت مبررات اللجوء لخيار العقوبات الاقتصادية من قبل الدول، التي تلجأ إليها. كثيرًا ما يتمثل سوء نظام العقوبات الاقتصادية من قبل دول الغرب، التي تزعم انتصارها لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، حيث يعكس نفاقًا سياسيًا وازدواجًا في المعايير في السياسة الخارجية لتلك الدول الغربية الغنية.

لم يحدث أن أثبت نظام العقوبات الاقتصادية أنه خدم، بصورة كفوء وفعالة، الهدف أو الأهداف التي يُتخذ من أجلها، إلا في حالات قليلة ونادرة. بل، بالعكس، هناك شواهد تاريخية على فشل نظام العقوبات الاقتصادية من تحقيق الهدف منه...

من الحالات النادرة، التي يمكن تتبعها لنجاح نظام العقوبات الاقتصادية، ذلك الذي فُرض على أنظمة الحكم العنصرية في روديسيا وجنوب أفريقيا، إلا أنه لا يمكن إيعاز ذلك حصريًا للعقوبات الاقتصادية، بقدر ما هو راجع للمقاومة الشرسة من قبل السكان الأصليين في روديسيا وجنوب أفريقيا، لنظامي هراري وبروتوريا العنصريين.

نظام العقوبات الاقتصادية، أثبت مع الوقت فشله، عدا في زيادة معاناة الشعوب وترسيخ نظم الحكم المستبدة.. ولم يثبت نجاحه إلا في حالات قليلة ونادرة، عندما يتمتع بشرعية سياسية أممية غالبة.. ويستند إلى قيم أخلاقية وثيقة الصلة بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقواعد التعامل الدولي المرعية في مسرح السياسة الدولية، ويخدم قضايا عادلة تحظى بإجماع أممي كاسح.