Menu

سياسة نتنياهو والتحدي الفلسطيني

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

شهد العالم على مر التاريخ شخصيات عديدة مؤثرة وفاعلة في حياة الشعوب لا تزال ذكراها لا تبارح الذاكرة البشرية، وكان بعضها غامضاً ومثيراً للجدل، والبعض الآخر غريب الأطوار مثيراً للتساؤل، وآخرون أحزنوا البشرية بأفعالهم، وكثير منهم كان إنساناً أسعد البشرية وساهم في تقدّمها ورقيِّها، لكن لا تَعجبْ أن ترى في يومنا هذا شخصية فريدة تمثل خليطاً من البربرية والتترية والنازية والميكيافيلية والجابوتنسكية؛ هذه الشخصية تتجسد في بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

لسنا هنا في معرض الحديث عن السمات الشخصية لهذا الكائن، ولكن لإلقاء بعض الضوء على سياسته ومواقفه النابعة من هذه السمات، وقدرة شعبنا الفلسطيني على استمرار التحدي.

إن سيد الإبادة، يستخدم دائماً جملاً طنانة يحاول فيها رفع معنويات جمهوره ومستمعيه، ويحاول أن يرسل رسائل عديدة بعضها للداخل والآخر للخارج منها للحلفاء والشركاء ومنها للخصوم والمعارضين والأعداء. بكلامه المسهب أحياناً والمفكك أحياناً أخرى يستخدم نتنياهو جملاً مبهمةً مطاطةً، وأحياناً مرنةً تفتقر إلى الثبات والوضوح وما عليك أنت القارئ أو المستمع، أو المشاهد إلا أن تفهمها على طريقتك وعلى مستوى فهمك لها وإدراكك لسياسة سيد الإبادة والإجرام والعقيدة الجديدة التي يتبناها؛ مظهراً نفسه تارة التوراتي المحافظ وتارة أخرى اليميني المتطرف المخلًص والمدافع عن الوجود والاستقلال لدولةٍ مارقة. لسياسته عمود فقري واحد هو استمرار حربه العدوانية بلا أهداف، ورفض أي مبادرة سلام؛ وهذا يعني مزيداً من القتل وارتكاب المجازر، وهذا يعني أيضا إدارة الظهر لكل مبادرة ليس لوقف إطلاق نار دائم فقط في غزة، أو وقف الأعمال العدوانية في الضفة الغربية واجتياح مخيماتها، أو زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، بل تطال أيضاً رفضه لأية مبادرة تفضي إلى إنهاء الصراع في المنطقة وتحقيق السلام والاستقرار لشعوبها. سياسته تمليها عليه غريزة الحقد والانتقام والسادية والتلذذ بتعذيب الضحية، كما تمليها عليه مصالحه الشخصية وغرائزه المنفتحة على الدم وأشلاء الأطفال والنساء، تمليها عليه شهوته لتدمير الحياة بكل جوانبها كما فعل في غزة، سياسة تمليها عليه كل أشكال الإبادة من تجويع وتعطيش، ونشر الأوبئة والأمراض، وسحق كافة المنظومات الصحية والتعليمية والخدمية. إنها سياسة المتغطرس الذي يختبئ وراء أعماله الدنيئة والجبانة كالاغتيالات واستهداف المدنيين العزل وحرق خيمهم في مراكز الإيواء والمناطق التي زعم أنها آمنة، وحرق المشافي بعد حصارها وقصفها واعتقال وقتل طواقمها، كما فعل مؤخراً بمشفى الشهيد كمال عدوان. حتى أنه يستخدم ما ينتج عن الطبيعة من برد وحر، فيقتل الأطفال الخدج ويقتل المسنين والعجزة وذوي الأمراض المزمنة والجرحى، فلا دواء ولا غذاء ولا ماء ولا وقود. وكل هذه الجرائم يعتبرها انتصارات تكتيكية بانتظار ما دأب على التصريح به وهو تحقيق "الانتصار المطلق"، والذي يقول عنه إنه آتٍ بعد خطوة صغيرة، بيد أنه أمضى حتى الآن سنة وثلاثة شهور ولما تنتهِ هذه الخطوة بعد. إنها أيضاً، سياسة الديكتاتور المتغطرس الذي يضع العالم على كف يده ويقوده كما يشاء ويفعل به ما يشاء، فهو الذي يغيّر الشرق الأوسط الآن لكنه -على حد تعبيره - ما زال في عين العاصفة. ولربما سيغيّر العالم أيضاً؛ فهو الذي يفرض إرادته على كل من يلتقيهم، هو الذي يحدد ما يجب أن يُقال ولا يجب أن يُقال. هو القارئ الدقيق لأحداث اللحظة وهو المقرر الأوحد للفعل ورد الفعل الأوجب. سيد الإبادة هو من يفرض الشروط ويحدد النقاط التي على المقاومة في غزة أن تقبل بها ، وأن يخضع المنطقة لأقدام جنوده ومرتزقته. صحيح أنه يرسل وفده إلى المفاوضات، لكن يحدد له مسارات سياسته وما هو مطلوب من الطرف الآخر أن يوافق عليه وما على الوسطاء إلا الاستماع إليه وهز رؤوسهم بالموافقة على ما يراه. لقد أوجد سيد الإبادة والإجرام نهجاً سياسياً جديداً في التفاوض ينطوي على الإخضاع "أقول ما أشاء، وأسمع ما تقول وأفرض ما أشاء، وعليك القبول بما أشاء" إنه الآمر الناهي الذي لا يقبل رأياً ويفرض ما يفكر به وما على الآخرين إلا القبول والتنفيذ.

من ناحية أخرى، أجاد سيد الإبادة اللعب على الحبال والتناقضات فيضرب بسيف هذا وذاك كيفما يشاء وكما تشاء مصلحته، فهو البراغماتي دوماً؛ فيحمل سيف المعارضة التي تؤيد إلغاء حصانة الأونروا وحظر عملها في الأراضي المحتلة ليمرر هذا القرار أمام معارضيه، ويعتمد على جناحيه اليمينيين المتطرفين الأول سموتريتش لإرضائه بتوسيع الاستيطان ولضمان بقائه بالحكومة وتمرير صفقة التبادل، فيجتاح جنين، والآخر بن غفير الذي يُصر على استمرار الحرب، وتسليح المستوطنين وتهويد الأماكن المقدسة، وتارة يحمل سيف غينيس وليبرمان وقادة عسكريين في رفض الانسحاب من الجنوب اللبناني والإصرار على فرض منطقة عازلة ومنع السكان من العودة إلى قراهم. وعلى الضفة الأخرى، شهد العالم مؤخراً كيف اعتمد على الجنرالات لتنفيذ خطتهم الدنيئة النازية، والتي لم يُشاهد مثيلاً لها في العالم؛ للإطباق على شمال غزة وفصله عن جنوبه، وحصاره المطبق وقتل أهله، ومنع المساعدات وتدمير المشافي. ودفع أهله للتهجير القسري، لكنه نسي أن فيها قوماً جبارين حطموا بصمودهم ومقاومتهم كل سيوفه وآلته العسكرية فانسحب وترك بيت حانون وجباليا وبيت لاهيا شاهداً على دحر ألوية النخبة ناحال وجيفعاتي.

ويجيد سيد الفاشية أيضاً، دبلوماسية الحمل الوديع فيقف مخاطباً العالم من على منصة الأمم المتحدة بمشروعه الجديد للشرق الأوسط فيحدثهم عن خريطة "البركة" كردٍ على خريطة "اللعنة" كما سماها، ويطالب العالم بدعمه، لكنه يرجع خائباً وتفشل سرديته الكاذبة أمام تأييد نحو ١٤٣ دولة لفلسطين. وأخيراً يلبس قناع الضحية مع زمرة من أبواقه ورجال إعلامه، فيظهر مدافعاً عن النفس؛ يُباح له قتل الأطفال كما أفتت بذلك وزيرة خارجية ألمانيا بيربوك، كما مُنح الوقت اللازم من بايدن المهزوم حتى يبيد ما تبقى من الغزيين هناك.

هي سيوف يخالها، سيد الإبادة والنازية لامعة حادة، ولكنها في حقيقتها صدئة تنكسر عند ناصية الحقيقة والإرادة الصلبة والفكرة التي لا تلين وتنكسر عند أصحاب الضمائر الأقلاء، وأصحاب القلوب العامرة بالإنسانية وحب الغير، تنكسر عند الأفواه التي لا تُكتم إلا بالموت، تنكسر سيوفه عند مقاومة رهنت روحها للوطن والشعب الذي يعاني منذ 76 عاماً.

هذا هو سيد الإبادة، وهذه هي سياسته وفكره، فهل هناك خيار آخر غير خيار المقاومة؟

لقد قالها ذات مرة أمام حفل تخريج دفعة جديدة من الضباط: "ليست الاتفاقات هي الأصل إنما قوتنا وقدرتنا على الدفاع وعدم التسليم لأعدائنا".

ولو أسقطنا سياسته على ما جرى من جولات المفاوضات التي عقدت حتى الآن حول صفقة تبادل الأسرى؛ لوجدنا أن جميعها تتسم بنفس الأوصاف والتطورات، وتدور كلها في حلقةٍ مفرغة، وما هي إلا مجرد "طبخة بحص" وتهدف إلى لا شيء، سوى انتزاع أقصى ما يمكن من مفاوضي المقاومة وصرف الأنظار عن الجرائم والمجازر التي تُرتكب بحق الغزاويين، ولولا ضغط عائلات الأسرى، وسقوط أعداد كبيرة من قتلى ألوية النخبة بفعل العمليات النوعية والمواجهات الضارية للمقاومة، إضافة إلى دور ترامب وتهديده القوي لما وافق على صفقة التبادل، والتي يحاول الآن مع المتطرفين المتدينين عدم إكمالها بمرحلتها الثانية؛ خاصة أنه لم يبقَ هناك أهداف عسكرية بل أهداف مدنية تتمثل بقتل المدنيين أطفالاً ونساءً صغاراً وكباراً، وتدمير ما تبقى من سبل الحياة، ويبقى الهدف الأسمى لنتنياهو، هو إطالة عمر حياته السياسية، والنجاة من السجن بتهم الفساد بحقه، أو الانتظار بحدوث أمر لربما يكون بمثابة طوق النجاة لتأمين نزوله عن الشجرة بأمان.

في واقع الأمر، إن نتنياهو وقادة حربه ليست لديهم أية رؤية مستقبلية لليوم التالي للحرب، وعلى اختلاف مشاربهم وآرائهم وأحزابهم، فإنهم لا يريدون أن يروا حماس في غزة، وهذا هو القاسم المشترك الأعظم بينهم. غير أن اليوم التالي كان مختلفاً بهويته وبندقيته الفلسطينية في ميدان فلسطين وسط غزة؛ لقد فاجأهم ظهور مقاتلي المقاومة المنظم والمنضبط والقوي بتلك الأعداد الغفيرة وبذلك اللباس والسلاح، وتلك السيارات البيضاء التي استخدمت يوم السابع من أكتوبر، وذاك الاحتضان الشعبي الكبير والحاشد، وذاك التنظيم والمراسيم المؤسساتية التي أظهرتها المقاومة أثناء عملية التبادل. لقد أغضب نتنياهو وقادة الكيان كثيراً ذاك الفرح والابتهاج العارم في استقبال الأسرى المحرّرين والوحدة الوطنية التي تجسدت بالاحتفاء بهم، والهتاف والزغاريد للمقاومة برغم تحذيرات قادة الكيان الأمنيين لهم؛ مما بدا كل ذلك تحدياً علنياً لهم سواء في رام الله معقل السلطة أو في غزة وخان يونس أو في أماكن سكن المحرّرين، لذلك عمل على عرقلة عودة النازحين إلى شمال القطاع متذرعاً بعدم إطلاق المقاومة سراح إحدى الأسيرات، وأيضاً مستغلاً تصريحات ترامب العدائية المكملة لخطط سلفه بايدن والتي طلب من خلالها من مصر والأردن استقبال سكان غزة مؤقتاً وكأنه تغليف وتوليف جديد لمشروع التهجير، وها هو مجرم الحرب نتنياهو يستعد للقاء ترامب لبحث هذا التهجير وفرص استئناف الحرب في غزة.

في نهاية المطاف، سيبقى صمود شعبنا وثباته على أرضه تحدياً جاثماً على صدور الاحتلال وداعميه، وسيبقى يوم تحرير الأسرى تاريخاً مفصلياً يقض مضاجع الصهاينة وحلفائهم؛ سقط فيه جبروتهم وصورتهم الزائفة وخطط جنرالاتهم وأهدافهم العدوانية. و يبدو من المؤكد أن نتنياهو وقادة حربه لم يستوعبوا الدرس جيداً ولم يقرؤوا السمات الحقيقية للشعب الفلسطيني الذي يتسم بالصلابة والعناد، وتتجلى فيه قيم التضحية والاستشهاد والجرأة والشجاعة، والترفع عن الذل والاستسلام والخنوع مهما بلغت الأثمان والكلف، ولم يستوعبوا أن الجينات الحالية ستورث جينات أكثر صلابة وأكثر عناداً وصموداً. وسيدفع الإسرائيليون ثمن قراءتهم الضعيفة للشخصية الفلسطينية، لذلك عليهم أن يدركوا بأن الفلسطينيين قادرون على تغيير المعادلة، والخاسر الأكبر هم الغزاة المحتلون، والنصر لمن ثبت أمام الهجمة الشرسة والإبادة المتعددة الأشكال، ومثالها في مخيم جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا، واليوم في جنين ومخيمها.