لا يعود اهتمام الفيلسوف والكاتب الدكتور تشومسكي ب فلسطين والقضية الفلسطينية إلى سنوات النصف الأول من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين, بل يعود إلى ستينيات القرن العشرين, حيث عاش في إحدى( المستوطنات) الصهيونية في الضفة الغربية, في تجربة فريدة في حياته, حتى يتخذ موقفاً مناصراً للقضية الفلسطينية طيلة حياته الباقية, ويظهر هذا الاهتمام في الكتاب الصادر عن دار كنعان للدراسات والنشر في العام2025, والذي ترجمته وأعدته للنشر ميرنا الرشيد.
إذ تقول في تمهيدها إن تشومسكي الذي يناهز الآن من العمر خمسة وتسعين عاماً, وذا الأصول اليهودية التقليدية, الذي طالما عرف بمواقفه وآرائه الصريحة, ومناصرته لحقوق الإنسان, ومعارضته الكلية للحروب أينما تندلع, كان للقضية الفلسطينية النصيب الأكبر من مؤازرته ومساندته طوال حياته المديدة, كما أدان قمع (إسرائيل) التاريخي والمستمر لحقوق الفلسطينيين, منذ احتلالها لأرضهم, واقتلاعهم منها. وعلى مدار عقود من الزمن تعرض باستمرار للعداء وتشويه سمعته, نتيجة مجاهرته بالمعارضة الشديدة والواضحة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
وكان قد أصيب في شهر حزيران من العام2023, بسكته دماغية حادة, دخل المشفى للعلاج, إلا أنه رافق ذلك شائعات تتحدث عن رحيله عن الدنيا, إلا أن فاليريا, التي تزوجها في العام2014, نفت ما روج له, وأكدت أنه أعيد إلى منزلهما في شهر حزيران من العام2024, ومع أنه لم يعد قادراً على الكلام, وتعطل الجانب الأيمن من جسمه, إلا أنه ما يزال قادراً على متابعة الأخبار, كما أنه يعبر بذراعه اليسرى, في إشارة إلى غضبه وأسفه, على الجرائم التي ترتكبها( إسرائيل) بحق أهل غزة العزل.
وقد أجرى لقاء مع إيلياهو فريدمان نشر في التاسع من شهر نيسان من العام 2023, ذكر فيه أن حل الدولتين (فلسطينية, إسرائيل) يحظى بإجماع كبير, والبديل المتمثل بحل الدولة الواحدة, الذي يزداد دعمه من العديد من المعلقين, وأكد أنه ثمة ما هو خاطئ في هذا النقاش, لأنه يستبعد بديلاً ثالثاً, وهو ما يسمى بالحل الذي تطلبه (إسرائيل) على نحو ممنهج, منذ العام1969, أو نحو ذلك, وهو إنشاء (إسرائيل الكبرى) التي ستتولى السلطة، كل ما له قيمة لإسرائيل سيستبعد التجمعات السكانية الفلسطينية لذلك, لا ترغب (إسرائيل) بضم نابلس, ضمن ما سيسمى بـ "إسرائيل الكبرى", ويتعين عليها أن تحافظ على غالبية يهودية كبيرة, داخل دولة عنصرية, تهيمن عليها اليهودية, وهذا يعني أن تستولي على وادي الأردن, وتطرد السكان منه. وستوظف حجة أو حجتين لذلك, ثم ستتحول المنطقة إلى مستوطنات يهودية.
إنهم يستولون على بلدات في عمق الضفة الغربية مثل بلدة (معالية أدوميم), التي بنيت على الأغلب في التسعينيات من القرن الماضي, وقد توفرت فيها مساكن مريحة مدعومة من (الدولة).
ويمكن للمرء (المستوطن) أن يذهب من بيته المدعوم في (معالية أدوميم), إلى قصر العمل في (تل أبيب), دون أن يعرف أن ثمة فلسطينيين, وفي الوقت الحالي, ينقسم الفلسطينيون الذين بقوا في المناطق التي تضمها (إسرائيل), وتخطط للاستيلاء عليها, إلى حوالي مئة وستين جيباً صغيراً, وهم محاطون بالقوات الإسرائيلية, ومحاصرون كلياً, وقد يسمح للفلسطينيين برعاية محاصيلهم الزراعية, ورعاية مواشيهم, وأن يقطفوا الزيتون, وإلى ما هنالك, أو قد لا يسمح لهم.
لقد أصبحت القدس الآن, أكبر بخمس مرات على الأرجح, مما كانت عليه تاريخياً بعد أن ضمت إليها القرى المجاورة بهدف ضمان غالبية يهودية من السكان.
كتب تشومسكي عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي طيلة سنوات حياته بهدف رفع مستوى الوعي العام به, وبما أنه يعد مناهضاً للصهيونية, فقد انتقد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة, التي شبهها بمستعمرة استيطانية.
وأوضح أن خطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة في العام1947, كانت قراراً سيئاً, لكن نظراً للسياسة الواقعية للموقف, فقد فكر أيضاً في حل الدولتين بشرط أن تؤسس الدولة القومية على قدم المساواة.
وأكد أن وصف معاملة (إسرائيل) للفلسطينيين بأنها نظام فصل عنصري, على غرار النظام الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا, هو (هدية لإسرائيل), فالوضع في الأراضي المحتلة, كما صرح منذ فترة طويلة," أسوأ بكثير مما هو عليه في جنوب أفريقيا".
ذلك أن جنوب أفريقيا, تعتمد على سكانها السود في العمل لكن هذا الأمر لا ينطبق في إسرائيل, التي تسعى إلى جعل الوضع بالنسبة إلى الفلسطينيين غير صالح للعيش, خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة, حيث ترتكب الفظائع يومياً.
كما قال إن الولايات المتحدة دولة عنيفة, تصدر العنف بسبب دعم (الفظائع) الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فالاستماع إلى وسائل الإعلام الأمريكية السائدة, بما في ذلك شبكة (سي بي إس), يشبه الاستماع إلى "وكالة البروباغندا الإسرائيلية". وفي العام2010, منع تشومسكي من دخول الضفة الغربية بسبب انتقاداته اللاذعة لإسرائيل, وكان حينها قد دعي لإلقاء محاضرة في جامعة بيرزيت الفلسطينية, وكان المقرر أن يلتقي برئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك سلام فياض, ومسؤولين آخرين من السلطة, لكن بعد ساعات من استجوابه من مسؤولين إسرائيليين, عند معبر حدودي بين الأردن والضفة الغربية المحتلة, أجبر على العودة إلى مدينة عمان.
وعن تذكار احتفظ به من إحدى زياراته إلى فلسطين, وصف وصفاً دقيقاً وواقعياً حال المخيمات الفلسطينية, تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي, وما تتعرض له من إرهاب يومي, وفظائع مسكوت عنها إلى يومنا هذا.
وأضاف أن لديه تذكاراً مادياً واحداً, التقطه من مخيم قلنديا للاجئين, عندما كان المخيم في فترة حظر التجوال العسكري, خلال الانتفاضة الأولى موضحاً أنه تدبر أمره في فترة حظر التجوال العسكري, وأنه مر من طريق خلفي. استطاع التجوال في المخيم لوقت قصير, وتحدث إلى الناس الذين كانوا محبوسين خلف السياج. قبل أن تمسك بنا دورية إسرائيلية.
كما التقط عبوة من المخيم, كانت عبوة غاز مسيل للدموع, وهي من مخلفات القوات الإسرائيلية التي كانت تهاجم المخيم, وهذه واحدة من التذكارات. من فترة زمنية لم تكن مبهجة (إن تذكاراً كهذا), يمثل القمع الوحشي والقاسي في الأرض المحتلة الآن, منذ أكثر من خمسين عاماً, كما يمثل العنف والقمع المتزايدين.
وأوضح أنه ذهب إلى غزة في الفترات الفاصلة بين بعض الهجمات الإسرائيلية: إنها جريمة مخزية, هنالك أكثر من مليوني إنسان محاصرين كلياً, ليس لديهم مياه صالحة للشرب, وقد دمر العنف الإسرائيلي نظام الطاقة, وأنظمة الصرف الصحي.
وكان نعوم تشومسكي وزوجته كارل بوبيريا في العام1953, قرر قضاء بعض الوقت في ( إسرائيل), وهي المكان الذي فكر بالاستقرار فيها زمناً طويلاً, لكنهما في النهاية, أمضيا حوالي ستة أسابيع في أحد (الكيبوتسات), وكان لتلك التجربة أثراً هاماً على كلا الزوجين, لأنها سمحت لهما أن يعاينا, ما الذي يمكن أن يكون شكل الحياة.
لقد عارض تشومسكي منذ البداية تأسيس (إسرائيل), والطابع الثنائي القومي لفلسطين, لصالح نظام الدولة الأوحد, وأثناء إقامته هناك, شاهد تهميش غير اليهود, والمعاملة السيئة التي كانوا يتلقونها, بقدر كبير من الاحتقار والخوف.
بعد هذه التجربة التي امتدت ستة أشهر, عاد تشومسكي إلى أمريكا, وعمل في معهد ماسا تشوستش للتكنولوجيا. وفي العام2013, ألقى محاضرة عن المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في الثامن عشر من شهر آذار من ذاك العام, قال فيها إن غزة هي أحد الأمكنة التي اختبر فيها القسوة والإهانة, وإن (إسرائيل) على مدى عقود, جعلت غزة بمثابة معرض للعنف بجميع أنواعه, يتضمن السجل فظائع خطط لها بعناية, على غرار عملية الرصاص المصبوب في الفترة بين عامي2008و2009, أو" قتل الأطفال", كما أسماها مادس غيلبرت وإريك نوس, الطبيبان النروجيان اللذان عملا في مستشفى الشفاء في غزة, مع زملائهما الفلسطينيين والنروجيين أثناء العدوان الإجرامي, والكلمة ملائمة تماماً بالنظر إلى مئات الأطفال الذين ذبحوا.
أخيراً إن الإبادة الجماعية التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ 7/10/2023, حتى 19/1/2025, بلغ فيها عدد الشهداء الفلسطينيين حسب وزارة الصحة في قطاع غزة (46913), وأصيب (110750) فلسطينياً. ورغم الإعلان عن الهدنة الجديدة والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين, مقابل الرهائن عند الفصائل الفلسطينية المقاومة في القطاع, فإن جيش الاحتلال يقوم بتنفيذ قصف نوعي, واستهداف مراكز.

