ما راكمته ملحمة طوفان الأقصى بوصفها نقطة التحول في مسار المقاومة الفلسطينية المعاصرة، لم يكن محض تحول اعتيادي فقد آل بنتائجه كما مقدماته إلى أن يكون أنبل ظاهرة في القرن العشرين، حيث أُعيدت القضية الفلسطينية (تاريخاً ومقاومة ومصيراً) إلى دائرة الوعي العربي والإنساني والأممي، في مواجهة أعتى غزوة صهيونية إحلالية توسعية بمشروعها المركب لسلب الأرض والذاكرة الفلسطينيين، كما محاولة كي الوعي الفلسطيني والعربي على حدٍّ سواء، وعندما تتحدث النتائج الآن عن تلك المقدمات الموضوعية والتي بدت كضرورة تاريخية لا بأس من مقاربتها في هذه اللحظة الفارقة على المستوى المعرفي قبل غيره من المستويات الأخرى، فقد أنجزت تلك الملحمة العظمى خلاصتها للبشرية قاطبة بأن ثمة شعباً فلسطينياً مازال يقاوم احتلالاً لم يكن على أرضه فقط، وإنما احتلال لذاكرته وتاريخه وثقافته، وبممكناته التي ستبدو نوعية بالقياس إلى آلة الحرب الصهيونية الضخمة، واستثمارها لفورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال، فالأمر هنا ليس بهذه البساطة المطلقة لأن ما حدث هو أشبه بالإعجاز وكثيرون ذهبوا إلى مقاربة ما حدث بالأساطير الجديدة، بمعنى شعب أسطوري واجه بقواه الوطنية والحية آلة قتل وإبادة وتجويع وتهجير، وصمد بما يفوق الأربعمئة يوم، لكنه الصامد بالمعنى التاريخي فوق أرضه، والمدافع بكل ما امتلك من وعي عن قضيته وعن وجوده المهدد على الدوام، فالوعي في هذا السياق هو أيضاً حصيلة تراكمية نوعية نقلت الفلسطيني كقضية وجود إلى وعي العالم الحر، وإلى ضمير الإنسانية الذي استيقظ بعضه من سبات عميق بفضل ما استنبتته الفكرة الصهيونية والمشروع الصهيوني في لا وعيه الجمعي، وأن يعي العالم الآن حقائق هذا الوعي الجديد في الضمير الجمعي لا سيما، هذا يعني عودة القضية الفلسطينية إلى سلم الأولويات، بوصفها القضية الأولى على مستوى العالم كله، في مواجهة آخر احتلال عرفه العالم، ولا بد لهذا الوعي من أن يفيض بمعرفته ويشتق قوانينه في الخلاص والتحرر ليس بصرف النظر عن التضحيات الجسام التي مثلت المعادل الموضوعي للمقاومة الشاملة، وبأطيافها المتعددة فلسطينياً وعربياً وعالمياً، انطلاقاً من خصوصية هذا الوعي على المستوى الفلسطيني ومنه إلى الوعي العالمي، ومن هنا ندرك جدلية أثيرة تتكثف في منطق السيرورة والضرورة، اللذين سيخلقان جدلاً آخر للصراع وفهماً أعمق لقواعده الجديدة حتى يكتمل المعنى بالانتصار، وتنداح المأساة لتُستبدل بالبطولة التي لا يمكن لها أن تُختزل بجولة واحدة وبشوط واحد في سياق معركة الوعي، وما يلزمها من أدوات تقتضي تغييراً في بنية التفكير واستعادة لمنهج الثورات وما يصاحب ذلك كله من انقلاب في المفاهيم والمصطلحات والأفكار الجديدة أو المتجددة، والتي لا تنفك على أن تكون حاملة لهذا الوعي وحاضنة له بآن، وبمعنى آخر ما يعود على الكيانية الفلسطينية والشخصية الفلسطينية بالمزيد من الصلابة والتجذر والانتماء وفهم الهوية بشكل واسع، وذلك أيضاً ما يستدعي خطاباً ثقافياً موازياً، وبمفردات مختلفة وصوغاً مختلفاً، يقارب فعل المقاومة بأفعال الثقافة، على مستوى الثقافة الجامعة والموحدة، وانطلاقاً من استخلاص الدروس والمراجعات التاريخية في ضوء الوعي والمعرفة، لإنشاء ذاكرة جديدة ستمثل دعامة المستقبل، أي فهم معادلة التحرير بجدلية الوعي والمقاومة، وما يستلزم من تحديث الأدوات والرؤى حتى تكتمل الخلاصات وتنتج فكراً يليق بأبعاد طوفان الأقصى ومقارباته المتعددة، ومن مستويات متعددة، وذلك ما يحمل المعنى لدالة النهوض الجمعي والاستشراف الكلي لمعنى فلسطين في الوعي الجمعي والذاكرة الجمعية... وعي لا يتخفف من المساءلة بقصد الإنتاج من جديد، وتصليب الثوابت التي تعني صلابة الشخصية الوطنية، حتى تكون الملحمة مرجعية معاصرة للتفكير الجديد ولفهم ما ينبغي على الثقافة الوطنية الفلسطينية بمكوناتها وخطاباتها، من أن تخلق لدى الفلسطينيين أولاً وعياً مضاعفاً بالهوية، وترسيخاً لفكرة الكينونة ولطالما كان التعبير الأثير عن المقاومة بأنها فكرة، فإن الفكرة ستنمو وتأخذ غير مقام حتى تُنتج بالضرورة مفهوماً عميقاً بالوطن، وكيف نستعيده وعياً ومقاومةً حتى ننتقل إلى حيز الاشتباك المعرفي، في مضارعة الغزو الصهيوني ومشروعه وما يمليه ذلك على الثقافة والمثقفين من أدوار جديدة أكثر حيوية لتظل فلسطين في الوعي حقيقة ثابتة لا تتغير وتظل المقاومة عابرة لأزمانها وأمكنتها، لكنها في المحصلة هي كلمة السر التي لا تتغير ارتقاءً بالوعي الذي نحتاجه في مقاربة فلسطين باستحقاق الطوفان وما بعده، إذن اليوم التالي هو طوفان الوعي بكل ما انطوى عليه الطوفان من معنى تاريخي وإجرائي ومستقبلي.

