Menu

أبوأحمد فؤاد.. الثائر العربي والقائد المتواضع

إبراهيم شريف

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

ارتحل عنا في السابع عشر من يناير الجاري المناضل الكبير والرفيق العزيز أبو أحمد فؤاد بعد عمر مديد وإسهامات كبرى كمناضل فلسطيني وقومي عربي.

 

تعرفت إلى أبي أحمد شخصيا قبل حوالي ربع قرن عن طريق رفيقنا الراحل القائد عبدالرحمن النعيمي، القامة القومية الكبيرة الذي جعل قضية فلسطين بوصلته ومركز اهتمامه. وقد جمعتني مع الرفيق أبي أحمد لقاءات كثيرة بصفتنا ممثلين في الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية، وأعضاء في المؤتمر القومي العربي، ورفاقا في تنظيمين تربطهما علاقات رفاقية عتيقة بسبب الأصول التنظيمية الواحدة الممتدة من حركة القوميين العرب. وقد كنت محظوظا برفقة أبي أحمد في المؤتمرات والسفر واللقاءات مع رفاق ومناضلين من مختلف الأقطار العربية الذين يجمعهم حبهم وتقديرهم لهذا المناضل الفذ.

 

كثير من رفاق أبي أحمد في البحرين مازالوا يتذكرون تلك التظاهرة التي حاصرت السفارة الأمريكية في الخامس من أبريل/نيسان 2002 تأييدا للانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وتنديدا بمواقف الولايات المتحدة المؤيدة للكيان الغاصب. كان أبو أحمد متواجدا في البحرين لحضور المؤتمر القومي العربي الذي عقد دورته السنوية في البحرين باستضافة جمعية "وعد". وقد تدخل رجال الأمن بعنف لفض التظاهرة السلمية عندما اقتربت من مبنى السفارة، وأغرقوا المحتجين بالقنابل المسيلة للدموع ورموهم بوابل من الرصاص المطاطي. كان الرفيق أبو أحمد بمعية رفيقه عبدالرحمن النعيمي يقفان على بعد عشرات الأمتار من مبنى السفارة الأمريكية بمنطقة الزنج عندما استطاع أحد الشباب اعتلاء مبنى السفارة ورفع علم فلسطين قبل أن تباغته قوات الأمن بقذائف من الرصاص المطاطي أصابت إحداها رأسه في مقتل. كان محمد جمعة الشاخوري ثاني شهيد بحريني على طريق فلسطين، سبقه في نيل هذا الشرف الرفيع الشهيد مزاحم الشتر الذي كان متطوعا مع الثورة الفلسطينية واستشهد بعد أن اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان عام 1982.

 

خلال العقد الأول من هذه الألفية زار أبو أحمد البحرين عدة مرات لحضور مؤتمرات بينها المؤتمر الذي كان يعقد كل عامين لجمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد". تعود العلاقة بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية في البحرين ووريثتها جمعية "وعد" إلى فترة حركة القوميين العرب عندما التحق بالحركة المناضل عبدالرحمن النعيمي ورفيق دربه عبدالنبي العكري وقبلهما وبعدهما مئات من الشباب البحريني الذين أيقظت نكبة فلسطين فيهم الوعي القومي وأهمية العمل المنظم. وقد امتدت هذه العلاقات بين التنظيمين حيث عمل بعض رفاقنا صحفيين في مجلة الهدف وساهم آخرون في الدفاع عن بيروت أثناء الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، كما كانت تطور العمل بين المنظمات الطلابية للجبهتين إلى علاقة تحالفية عميقة خاصة في منظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

رحل عنا الرجل الذي كانت حياته نموذجا للسياسي الملتزم والعسكري المنضبط والإنسان الودود المتواضع، الذي لا تكتمل زيارتنا لبيروت إلا بجلستين أو ثلاث معه ننهل فيها من علمه العسكري وتحليله السياسي، ويطلعنا فيها على تفاصيل لا نسمعها في الإعلام حول مجريات الثورة. وفي لقائنا الأخير معه في بيروت في يونيو/ حزيران 2024 حدثنا باطمئنان عن قدرات المقاومة في صد العدوان على غزة فجاءت الخاتمة كما توقع، جاء وقف إطلاق النار في الوقت الذي كان يغادرنا مستريحا لهذه الخاتمة الأسطورية التي حققتها المقاومة بكل فصائلها، ومنها مشهد طوفان "العودة" المهيب لسكان غزة الأبطال إلى بيوتهم ومدنهم وبلداتهم المدمرة في شمال القطاع.

 

اليوم نودع أبا أحمد فؤاد، الرجل الذي أنهى مشواره العسكري ومهمته النضالية على أكمل وجه، نودعه باسمه الذي بدأ به حياته، داوود مراغة ابن سلوان المقدسية، ونستذكر دوما أننا كنا أصدقاء ورفاق درب لقائد عظيم من قادة الثورة الفلسطينية، لثائر عربي من مدرسة حكيم الثورة جورج حبش ، تعلمنا منه قيمة الالتزام ومعنى التواضع الثوري، رجل أفنى حياته مدافعا عن حق شعبه في الحرية والعدالة والعودة.