Menu

الحرب المتنقلة.. والانقسام المستمر!

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

تزامن مريب بين اقتحام قوات الاحتلال الصهيوني لمدينة جنين ومخيمها وبين وصول الرئيس الأمريكي للبيت الأبيض بتاريخ 20/1/2025 الذي ضغط لإبرام اتفاق وقف إطلاق النار على ثلاث مراحل في غزة مقابل إطلاق يد الاحتلال في الضفة الفلسطينية, وبذلك تشكّل جنين ومخيمها محطة أخرى للعدوان الصهيوني المتنقل بين مدن الضفة ومخيماتها, فيما اصطدمت قوات الاحتلال بالمقاومين الذين يخوضون اشتباكات معها في عدة نقاط لعرقلة تقدمها!.

لم يعد لكلمة "سلام" وجود في القاموس الصهيوني العام, حتى قبل تولي حكومة اليمين الكاملة الحالية سدة الحكم في كانون الأول 2022, وفور تشكّل هذه الحكومة أعلنت في توجهاتها الرئيسية أن "للشعب اليهودي حقاً حصرياً لا يمكن التشكيك فيه على أرض يهودا والسامرة وإسرائيل الكاملة".

والتزم نتنياهو بوثيقة الاتفاق الائتلافي مع اليمين الديني بانتهاج "سياسة تفضي إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية و القدس " - وبأن يعمل على تحقيقها – وفي الوقت نفسه وعدت الحكومة باستمرار السعي نحو اتفاقيات تطبيع إضافية مع العرب تكفل تصفية القضية الفلسطينية, وهذا يعني حتى وفقاً لقراءات "إسرائيلية" أن نتنياهو يريد "إنهاء الصراع", ولكن في الوقت نفسه ضم الضفة الغربية وتجريد الشعب الفلسطيني من أية حقوق قومية, بما في ذلك قطاع غزة وأراضي عام 48 المحتلة.

عند هذا الحد نعيد التذكير بالتالي:

أولاً: ينفي اليمين الصهيوني أن الفلسطينيين شعب, وهذا موقفه الثابت حتى في الجهة المعارضة له من بقايا اليسار ويمين الوسط فهم لا يتحدثون عن سلام مع الشعب الفلسطيني, بمعنى آخر المشكلة كامنة في السياسة الصهيونية التي ترى الفلسطينيين مجموعة من الرعايا دون أي حقوق, وليسوا مؤهلين لإنجاز حق تقرير المصير.

ثانياً: لم يعد هناك حضور لمصطلح السلام أيضاً, في ضوء وضع سياسي تشهد فيه دولة الاحتلال تحسّناً غير مسبوق بعلاقاتها مع النظام الرسمي العربي, إثر "اتفاقيات إبراهام" التي سيعمل الرئيس ترامب على إحيائها من جديد بحيث تشمل السعودية ودول شمال أفريقيا!..

• المصالحة الفلسطينية الجزئية:

اليوم وبعد هدوء إعصار المقتلة في غزة, واندلاع المواجهات الفلسطينية – الصهيونية في الضفة.. هل يمكن اعتبار ذلك مدخلاً لتحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية, حيث ينبغي أن تسرّع الجهود المبذولة من أجل تحقيق مصالحة ولو جزئية عبر تشكيل حكومة تكنوقراط من خارج الفصائل, أو هيئة إسناد مجتمعي – التسمية ليست مهمة – لإدارة قطاع غزة وإعادة إعماره علماً بأن ما رشح عن حوارات بكين 2024 ومن ثم القاهرة 2025 كانت مشجعة, إن إنجاز أي اتفاق فلسطيني مرحلي أفضل من انتظار تحقيق المعجزة المتمثلة بإنهاء الانقسام بالكامل, ليس لأن الانقسام لن ينتهي, إنما لأن توقّع تحقيقه كاملاً يعني استمرار المعاناة الناتجة عن وجوده أصلاً, يمكن تحقيق إنجاز نسبي, وتخفيف وقع آثار الحرب حتى يعود لأهلنا في غزة بعض من الأمل إذ ينبغي تجسيد بعض الخطوات الواجبة من أجل رأب الصدع الداخلي, فكل شيء في الوطن متصدع, وحالنا لا يسر صديقاً ولا يغضب عدواً, وعذابات شعبنا لم تعد لغات الأرض كلها قادرة على وصفها.. لذلك علينا البحث عن مخرج من الداخل, وأن نتحدث معاً بصوت مرتفع, ونبحث عن الوسائل التي تنهي بعض العذابات التي يواجهها شعبنا,, لعل الوسائل الجزئية تفضي إلى الطريق الرئيس الذي يخرجنا من حلكة الانقسام, الاتفاق المرحلي النسبي أفضل من انتظار الحل النموذجي, ومن شأنه أن يوحد الجهود في الوطن والشتات, ويكون نتيجة طبيعية لإدراكنا لحجم التحديات التي تواجه شعبنا, ونعمل بشكل مشترك وجمعي لتجاوز محنة الدمار والقتل والتجويع والتهجير!..

الكل يعرف الصحيح, وجميعنا يعرف ما هو السبيل لإنهاء الانقسام, لكن يبدو أن كل ما جرى لم يغيّر كثيراً في مواقفنا ووجهات نظرنا..

يبدو السياق الفلسطيني عاجزاً عن رؤية حقيقة ما جرى, أو وعي تلك الحقيقة, نحن نتقاتل على ركام غزة وجنين, ونختلف على إدارة مكان لا يحتاج لإدارة فحسب, بل إلى موقف موحد جماعي كي نصرخ بوجه المجتمع الدولي القاسي بصوت واحد, كي ننعي شهداءنا ببيان واحد كي نسير نحو نهاياتنا المؤلمة موحدين!..

ينبغي أن يصبح التوافق الوطني الفلسطيني جزءاً من الجهود الجماعية لإدامة وقف إطلاق النار.. فالمسؤولية جماعية, وليست مسؤولية فصيل بعينه, فمن شأن هذا التوافق إنقاذ ما يمكن إنقاذه سعياً وراء المحافظة على حقوق شعبنا والتمسك بها, المؤكد أن الجهود المبذولة في إطار التواصل والحوار بين حركتي "حماس وفتح" ينبغي أن لا تعتريها المصالح الفصائلية الضيقة, وأن لا ترتهن إلا للمصلحة الوطنية العليا, فعبر هذا التوافق فقط يمكن أن نجد مخرجاً يصلح لأن يكون بديلاً شاملاً لتحقيق الوحدة وتوحيد طاقات شعبنا وبالتالي التوصل الجمعي نحو مشروع الخلاص الوطني!.

في هذا السياق ينبغي متابعة تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة أو هيئة إسناد مجتمعي لإدارة قطاع غزة مؤقتاً, بحيث تكون مهمتها توزيع المساعدات والتخطيط لإعادة الإعمار وترميم القطاع الصحي والتعليمي قبل أن تصبح بحد ذاتها مهمة صعبة صعوبة إنجاز المصالحة وصعوبة حل الصراع العربي – الإسرائيلي, فثمة من يقول: إن وعينا لم يرتق بعد إلى وعي جمعي وحدوي!.

أسوأ ما في حالتنا الوطنية هو عجزنا عن التفكير الجمعي بوصفنا شعبنا واحداً لم ينجز مهمات التحرر الوطني حتى اليوم, لا يوجد شعب لديه مشكلة بحجم مشكلتنا, وتعرض لحرب إبادة مثل هذه التي يتعرض لها شعبنا, وعانى من ويلات الحروب والتشرد والمذابح, وتعرض لمحاولة إفناء كالتي تعرضنا لها خلال النكبات المتوالية.. نقول هذا لأنه لا يوجد شعب يتعرض لذلك كله ويظل منقسماً, كما أن تجارب الأمم لم تخلُ من حروب داخلية أفضت في نهاية المطاف إلى اتفاق وتوافق وطني شامل وعريض مرتكزاً للدولة القومية كما نعرفها, طبعاً مع اختلافات طفيفة تتصل بالسياقات الوطنية لتجارب الشعوب, بيت القصيد هنا أن الصراعات الداخلية كانت دوماً جزءاً من بحث الشعوب عن المشترك فيما بين مكوناتها المختلفة, ورغم ما قد يثيره هذا من تحفظات إلا أنه ليس صحياً تماماً في الحالة الفلسطينية, حيث إن طبيعة ما نتعرض له من حرب إبادة منذ نكبة عام 1948 وسعي الحركة الصهيونية لطمس وجودنا وتبديد هويتنا والحلول مكاننا, ذلك كله ينبغي أن يجعلنا أكثر وعياً بأن الخلاف الداخلي والصراع الأهلي ليس إلا مكافأة للعدو وتمكينه من تحقيق أهدافه الكولونيالية.. وعليه فإننا بذلك لا نفعل شيئاً أكثر من المساهمة في المشروع الجهنمي الذي يستهدف شعبنا ويستهدف وجوده في وطنه الأصلي وخارجه.

علينا أن نأخذ التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي ترامب على محمل الجد حين "توعّد غزة" إذا لم يُطلق سراح "الرهائن الإسرائيليين".. ترامب هذا, الذي حقق ما وعد به من إنجاز الهدنة في لبنان إرضاءً لناخبيه, لم يتحدث صراحة عن إنجاز هدنة في غزة, ربما قد يكون راغباً في "وقف الحرب" لكن وقف الحرب بالنسبة إليه هو تحقيق "إسرائيل" لمطالبها جميعها, وهو بذلك يضع صفارة الحَكَم لإنهاء المباراة بيدها, رغم أن التفاصيل قد تجلب كثيراً من التغيير بعد العشرين من كانون الثاني 2025 "غير أننا لسنا أمام مرحلة مبشّرة, وعلينا أن نتوقع أن تواصل "إسرائيل" حربها في الضفة الغربية, فبعد جنين ومخيمها سيكون الدور على مخيمات نور شمس, بلاطة, الفارعة, والحبل على الجرار!..

اليوم, كل كائن حي يتحرك في مخيم جنين تقوم قوات الاحتلال باستهدافه, وتهدم أي بيت تظن أن فيه حركة أو قاطنين, فمشروع إفراغ مخيمات الضفة الغربية بعد شمال غزة يسير بمنهجية إرهاب الدولة المنظم.. لنتذكر أن إفراغ البلاد وتهجير القرى لم يحدث دفعة واحدة عام 1948, بل عبر عملية ممنهجة قامت بها العصابات الصهيونية, وبعد ذلك استكمل الكيان اللقيط مهمة طرد الأهالي والسكان وهدم مدنهم وقراهم!.

غداة كشف النقاب عن محضر مصادقة حكومة رابين على اتفاقية أوسلو 1993 يتضح أن ما جاء في ذلك المحضر مثير للغاية بما غاب عنه, إذ تجنب التطرق إلى الاحتلال الصهيوني أو إلى حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة وتقرير المصير, وحسب صحيفة هآرتس "الإسرائيلية" أن إسرائيل حتى عندما كانت تمسك مقاليد الحكم فيها حكومة يسارية لم تكن تنوي الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 أو أن تقيم فيها دولة فلسطينية, وكما أن رابين في حينها عارض أي نقاش بشأن القدس وشدد على أهمية استمرار السيطرة على "الأراضي العامة" أو "أراضي الدولة" وتمت تسميتها بمناطق "ج" وتساوي مساحتها 60% من مساحة الضفة الغربية, وذلك بهدف الاحتفاظ باحتياطي أراضٍ في سبيل توسيع المستوطنات, ووعد رابين بإقامة سلطة فلسطينية تعمل مقاولاً أمنياً لدى جيش الاحتلال, وتعمل على كبح الانتفاضة ولا شيء أكثر من ذلك!..