Menu

إعادة إعمار أم تطبيع وتطهير عرقي؟

رضي الموسوي

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

لم يسدل الستار بعد على حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، حتى سارعت بعض الجهات إلدولية إلى طرح مسألة إعادة إعمار القطاع الذي يعتبر واحدا من أكبر مناطق العالم تدميرا بفعل العدوان الوحشي الذي خلف ركاما من عشرات ملايين الاطنان هي ما تبقى من البنية التحتية التي طالتها قنابل وصواريخ جيش الاحتلال الصهيوني خلال 15 شهرا. كان تدميرا ممنهجا على مقاسات التطهير العرقي والتهجير وفرض المعادلات السياسية التي تعقبه.

كان حجم التدمير مهولا وكارثيا، إذ تشير تقديرات البنك الدولي بأن إعادة إعمار قطاع غزة يحتاج إلى 53 مليار دولار، منها أكثر من 15 مليار دولار لقطاع الإسكان، ثم قطاع الصحة بأكثر من 7 مليارات دولار، فقطاع التجارة والصناعة بحوالي 7 مليارات دولار، فضلا عن القطاعات الأخرى مثل الزراعة بـ4.2 مليار دولار، والحماية الاجتماعية بـمثلها، والتعليم 3.8 مليار دولار، والنقل 2.9 مليار دولار، والمياه والصرف الصحي 2.7 مليار دولار، وقطاعات أخرى بنحو 3 مليارات دولار، يضاف لها رفع انقاظ 42 مليون طن من الركام تقدر كلفة إزالتها بـ1.2 مليار دولار.

الفرضية التي تطرحها المؤسسات الدولية تتمثل في من سيقوم بعملية إعادة الاعمار ومن سيمول هذا المبلغ الفلكي، وأية شروط سيشترطها الممولون لإعادة الاعمار على الشعب الفلسطيني؟

لكن، وبالتزامن مع هذا الطرح ثمة مشروع آخر جوهره التهجير والتطهير العرقي والتطبيع، وقد فشل الاحتلال في تحقيقه، رغم الدعم الامريكي المطلق على كافة الأصعدة، حيث أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب قبل أيام من دخوله البيت الأبيض، عن نيته ممارسة التطهير العرقي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والبالغ عددهم نحو 2.3 مليون نسمة عبر نقلهم إلى مصر والأردن وربما إلى دول أخرى، في تماه قل نظيره مع الطروحات العنصرية الصهيونية الأكثر تطرفا ونازية، كتصريحات وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سيموتريش الذي أكد مرارا على موقفه تجاه أهل غزة والضفة الغربية ومنها تصريحه نهاية يناير/كانون الثاني، الذي قال فيه أنه يعمل مع رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو على "خطة عمل لتنفيذ رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن تهجير الفلسطينيين في قطاع غزة إلى مصر والأردن".

يسعى ترامب لتحويل جزء من الوطن الفلسطيني (غزة) إلى صفقة عقارية رابحة، يحوّل بموجبها سواحل غزة إلى "ريفييرا" الشرق، ويولد من خلالها آلاف فرص العمل للصهاينة والمهاجرين الجدد المحتمل جلبهم إلى غزة بعد توطين الفلسطينيين في مصر والأردن، وفق الخطة الشيطانية، رغم أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم رغم تدمير نحو 90 بالمئة من بنية القطاع التحتية والتي شملت المباني السكنية والحكومية والمدارس والجامعات والمستشفيات والصرف الصحي والكهرباء والماء ومراكز الإيواء والطرق. هذا الرئيس واجه رفضا مطلقا من الشعب الفلسطيني وقواه الحية، ومعارضات قوية من أقرب حلفاءه، كالقاهرة وعمّان والرياض التي نالها قسطا من تهديدات نتنياهو مفادها بإرسال الفلسطينيين للسعودية ليقيموا عليها دولتهم!!. كانت عاصفة من المعارضة لهرطقات ترامب، الذي يسعى لإستكمال عملية التطبيع التي بداها في ولايته الأولى وقد حدد الهدف بالسعودية.

بين خطط إعادة الإعمار وبين التطبيع والتطهير العرقي، تبرز آراء كثيرة منها مواقف الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أكبر المانحين للفلسطينيين، فقد اقترحت كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا مبادرة لإعادة الاعمار تحمل في طياتها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ومنع إعادة تسليحها، وعودة السلطة الفلسطينية بلا أنياب إلى القطاع. هذا الرأي يتقاطع مع وجهة نظر بعض الدول العربية المتحالفة مع واشنطن والدول الغربية، حيث بدأت ورشة المقترحات بهذا الخصوص لتأمين مكاسب للجانب الصهيوني بعد أن عجز عنها في حرب إبادته وعدوانه الذي لا يزال مستمرا منذ 18 شهرا.

التوجه السياسي الذي يضغط من أجل تحقيقه المانحون لإعادة الإعمار محفوف بالألغام والمطبات الكثيرة التي من شأنها منح اليد الطولى للكيان الصهيوني وجعله مقررا لكل التطورات الراهنة. وهذا ما يرفضه الجانب الفلسطيني الذي قدم تضحيات جسام قل نظيرها. فبالاضافة الى الدمار الشامل، هناك نحو 50 ألف شهيدا وآلاف المفقودين وأكثر من 100 ألف جريح، فضلا عن مئات آلاف النازحين ومئات الأسرى.

إن التطهير العرقي هو صلب الموضوع بالنسبة للإدارة الأمريكية والكيان والدول الداعمة لهما، وليس إعادة الإعمار التي هي حق يراد به باطل. حق للشعب الفلسطيني ويتحمل مسؤوليتها الإحتلال كاملة، خصوصا بعد قرار محكمة العدل الدولية باعتبار جرائم الاحتلال تطهير عرقي بامتياز، وقرار المحكمة الأممية بأن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ومساعديه ارتكبوا جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، هو قرار يتوجب تفعيله في العمل السياسي والديبلوماسي العربي. وهي باطل لأنها تريد تمرير مشاريع سياسية تعبد الطريق للتطهير العرقي خدمة للكيان في تنفيذ قانون الدولة القومية، الذي يستهدف كل الفلسطينيين في كل المناطق بما فيها أراضي الـ48.

تأصل التطهير العرقي

التطهير العرقي ليس وليد اللحظة الراهنة، بل يمتد إلى ما قبل النكبة، حيث نظّر قادة الحركة الصهيونية له مبكرا. وقد نوه رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي حاييم وايزمن في خطاب له إلى أصل التطهير كفكرة صهيونية تعبر عن ماهية هذه الحركة وعنصريتها، فقال: " في مراحلها المبكرة كانت الصهيونية، كما تصورها روادها، حركة تعتمد كليا على عوامل ميكانيكية: ثمة بلد صدف أن اسمه فلسطين، وهو بلد بلا شعب، وثمة من ناحية أخرى (شعب يهودي) وهو لا يملك بلدا، إذن لا يبقى سوى وضع الفص في الخاتم وجمع الشعب والأرض". وفي العام 1938، وقبل قرار التقسيم بإحدى عشر عاما، عبّر ديفيد بن غوريون، أحد مؤسسي الكيان، أمام قيادة الوكالة اليهودية، عن نيّته في "إزالة التقسيم العربي-اليهودي والاستيلاء على كلّ فلسطين بعد أن تقوى شوكة اليهود بتأسيس وطن لهم". اما مدير الأراضي والتحريج في الصندوق اليهودي يوسف فاتيس، الذي كان أحد منظري ترحيل السكان فقد كتب في مذكراته سنة 1941: "أرض إسرائيل ليست صغيرة على الإطلاق، لو تم إزالة العرب ووسعت حدودها قليلاً إلى الشمال وصولا إلى نهر الليطاني، وإلى الشرق بما في ذلك مرتفعات الجولان.. مع نقل العرب إلى شمال سوريا والعراق..اليوم ليس لدينا بديل آخر..لن نعيش هنا مع العرب". وفي اليوم التالي لقرار التقسيم، أي في 30 نوفمبر 1947، صرّح مناحيم بيغن، الذي كان في ذلك الحين أحد زعماء المعارضة في الحركة الصهيونية وقائد في إحدى عصاباته، عن بطلان شرعية التقسيم، وقال: "أن كل أرض الميعاد والتي تشمل كامل فلسطين الإنتدابية بما في ذلك شرق الأردن) التي تعني الأردن في الوقت الراهن)، هي ملك لليهود وستبقى كذلك إلى الأبد".

وإذا كانت هذه استراتيجية قادة الحركة الصهيونية في السيطرة على فلسطين واستيطانها، فأن تصريحات قياداته في الوقت الراهن تشكل استمرارا لهذه الاستراتيجية. يؤكد وزير المالية سيموتريش على توسيع التطهير العرقي ليشمل الضفة الغربية، فقال في منتصف فبراير الماضي "إن عام 2025 سيكون أول عام منذ 1967 يتم فيه هدم أكثر مما يبني الفلسطينيون"، وتعهد بالمضي قدما في تكثيف عمليات الهدم. وأكد أيضا "أن الحكومة الإسرائيلية ستواصل تعزيز عمليات الهدم ومنع البناء الفلسطيني في المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل، وأن ميزانية 2025 ستشمل زيادة كبيرة في الموارد المخصصة لذلك". وذهب سيموتريش بعيدا عندما شدد على أن "السيطرة على الأرض هي جوهر الصراع، ومن يسيطر على الأرض يحدد مستقبلها".

وتأتي تصريحات ترامب لتكمل صورة مخطط التطهير العرقي بكافة السبل. عندما سألته قناة فوكس نيوز الامريكية، عما إذا سيكون للفلسطينيين حق في العودة وفق خطته، فأجاب قاطعا: "لا، لن يكونوا، لأنهم سيحصلون على مساكن أفضل بكثير (..) أنا أتحدث عن بناء مكان دائم لهم". وفي اليوم الذي التقى الملك الأردني شدد ترامب على أنه "ستكون غزة لنا، لا مبرر للشراء. لا يوجد شيء للشراء، إنها غزة، إنها منطقة مزقتها الحرب. سنأخذها، سنحتفظ بها، وسنعتني بها"..هكذا!!

التناغم بين الادارة الأمريكية والصهيونية في قضية التطهير العرقي وإعادة إعمار غزة خلق إرباكا في اوساط النظام الرسمي العربي، الذي لم يتمكن من عقد قمة طارئة إلا بعد أكثر من شهر لهذه التصريحات المجنونة لترامب. وهذا الأخير كان يعيّر مصر والأردن بالمساعدات التي تقدمها واشنطن لهما، دون أن يشير أنها ثمنا لاتفاقيات التطبيع مع الكيان. وهي في مجملها لا تشكل إلا جزءا يسيرا من المساعدات التي تقدمها واشنطن للكيان الصهيوني.

يضرب ترامب على وتر المساعدات المالية الحساس، وهي مساعدات تقدم سنويا الى 189 دولة. في العام 2023، حصل الكيان على مساعدات امريكية بلغت 3.3 مليارات دولارن بخلاف الدعم اللامحدود بعد طوفان 7 أكتوبر، بينما حصلت الأردن على 1.7 مليار دولار ومصر 1.5 مليار دولار.

في تقارير نشرت في فبراير/شباط الماضي، ومنها تقرير للـ"الجزيرة نت"، ووفق وزارة الخارجية الأميركية، بلغت المساعدات الأميركية المقدمة لمصر منذ عام 1978(عام اتفاقية كامب ديفيد) وحتى عام 2022 أكثر من 50 مليار دولار في شكل مساعدات عسكرية، بالإضافة إلى 30 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية.

أما بالنسبة للأردن، فقدمت الولايات المتحدة مساعدات بقيمة 1.7 مليار دولار في عام 2023، وفقا لبيانات المساعدات الخارجية الأميركية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية.

وفي السنوات الـ15 الماضية، تضاعفت المساعدات الأميركية السنوية للأردن ثلاث مرات، وبلغ إجمالي المساعدات الثنائية (الخاضعة لإشراف وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين) حتى العام 2020 ما يقرب من 26.4 مليار دولار. وفي سبتمبر/ايلول 2022، وقّعت الولايات المتحدة والأردن مذكرة التفاهم الرابعة لتنظيم المساعدات التي تمتد لسبع سنوات (من السنة المالية 2023 إلى 2029)، وتتضمن تقديم 1.45 مليار دولار سنويا من المساعدات الإقتصادية والعسكرية. ومن المتوقع أن يرفع مجلس النواب الأمريكي مخصصات الأردن إلى 2.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تم تسجيله.

إن الضغط الذي تتعرض له البلدان العربية يهدف إلى إجبار الدول العربية غير المطبعة مع الكيان على التطبيع معه وتحميل دول الخليج العربي كلفة إعادة الإعمار وفق الشروط الأمريكية والصهيونية، وهذا امتحان للنظام الرسمي العربي على قدرته في إعادة صياغة علاقته مع القضية الفلسطينية لتكون القضية المركزية للأمة ووالتاكيد على أن تحقيق العدالة لفلسطين وشعبها هو مصلحة عربية عليا وليس ترفا ولا منّة، بقدر ما هو واجب وأمن قومي بالدرجة الأولى.

المطلوب أن يقدم النظام الرسمي العربي على خطوة استراتيجية تُغيّر المعادلات وتعيد إعمار قطاع غزة ليبقى فلسطينيا وليس تابعا لعقارات ترامب وإدارته. لقد قال الشعب الفلسطيني ومقاومته الكلمة الفصل..فهل تفعلها الأمة؟