Menu

كرونولوجيا التهجير و التوطين و آليات التصدي و المواجهة

د.وائل الزريعي

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

 

يعتبر التهجير للشعوب الأصلية فكرة ملازمة لمراحل الاستعمار المبكر، و التوسع الامبريالي الأوروبي، حيث اعتبر المستكشف الأوروبي أن وجود السكان الأصليين على الأرض هو عائق في وجه الاستغلال الاقتصادي للموارد في المستعمرات الجديدة، وقد لعبت النظريات الفكرية العنصرية في القرن الثامن عشر عن تفوق العرق الأبيض و التفوق الثقافي و الجغرافي، دورا أساسيا في تغذية هذه الروح العدوانية لدى المستعمر الأوروبي ، و اعتباره الشعوب الأصلية عقبة في طريق نشر الحضارة و المدنية الأوروبية.

عبر تاريخ الاستعمار الغربي مثل التهجير أحد الحلول للسيطرة، على مقدرات الشعوب ، و فرض الهيمنة من خلال إفراغ الأراضي من السكان الأصليين باستعمال كافة أشكال التهجير القسري منها و الطوعي، بهدف خلق بناء اجتماعي و اقتصادي جديد تابع ، أو لتعزيز استيطان القوات الغازية في أراضي الغير، فإفراغ الحيز المكاني من الكتلة السكانية الموجودة هو الحل الأنسب الذي يراه المستعمر لإعادة توزيع ثروات السكان الأصليين على المستوطنين الجدد. الأكيد أن هذه الجرائم قد تركت ندوب في تاريخ العديد من الشعوب التي تعرضت لهذه المآسي، فإلى جانب الأبعاد الجسدي نتج عن التهجير تدمير النسيج الاجتماعي و الثقافي للسكان الأصليين، كما تسبب الأبعاد و النفي في محو الذاكرة و الهوية الثقافية للعديد من الشعوب في آسيا و إفريقيا و الأمركيتين.

لقد استخدم الاستعمار الغربي التهجير كآلية أساسية في السيطرة على مقدرات الشعوب، سوآءا باستخدام القوة المسلحة أو عبر سياسات و قوانين تدفع بالسكان الأصليين لمغادرة أراضيهم لفائدة المستعمر، و شهد تاريخ الإنسانية العديد من جرائم التهجير التي ارتكبت في حق السكان الأصليين، و منها حروب الإبادة التي شنها المستوطنون في الأمريكيتين ضد الشعوب الأصلية من الهنود الحمر، باستخدام كافة وسائل القتل و التنكيل، و حتى استخدام الأسلحة البيولوجية، كما عرفت شعوب منطقتنا العربية هذا النمط، من الجرائم بالأخص من قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر والذي تقاطع في كثير من رؤيته مع الاحتلال الصهيوني في طبيعتهما الاستيطانية الإحلالية. فوفقا للمصادر التاريخية و لأرشيف فرنسا الاستعمارية كانت فكرة تهجير و نفي بعض سكان الجزائر إلى مناطق أخرى من العالم ، مثل كاليدونيا الجديدة في المحيط الهادئ جزءا من رؤية الإدارة الاستعمارية الفرنسية، للتعامل مع سكان الجزائر، بهدف بسط السيطرة و إعادة توزيع السكان بما يخدم استمرار الاستعمار الاستيطاني، فاعتمدت فرنسا الاستعمارية على نفي و نقل السكان الأصليين كأداة لتأديب ما وصفته الإدارة الاستعمارية للجزائر بالجماعات المتمردة، كما استخدم التهجير الممنهج لكبح و إضعاف أي مقاومة للإدارة الفرنسية، و طبقت الفكرة لتقليل تمركز السكان في مناطق محددة لضمان الاستقرار الاقتصادي للاستعمار الفرنسي . مما كان له العديد من النتائج السلبية الاجتماعية والثقافية، من تفكيك للروابط الاجتماعية، ومحو للهوية الثقافية لمن تم تهجيرهم إلى بلدان بعيدة و مختلفة ثقافيا عن الوطن الأم.

 

كرونولوجيا التهجير و الترانسفير

منذ النكبة يتعرض الشعب الفلسطيني للمشروع تلو المشروع من الحركة الصهيونية و الإمبريالية العالمية لنهب أرضه و طمس هويته ، فخلال النكبة قامت العصابات الصهيونية (الهاغاناه، الإرجون، شتيرن) بتنفيذ عمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد الفلسطينيين. حيث تم تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني من أراضيهم بعد ارتكاب عشرات المجازر، مثل دير ياسين، و الطنطورة، والدوايمة. كما تم تدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية ومنع سكانها من العودة، في عام 1967باحتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية، و القدس الشرقية، وقطاع غزة، والجولان وسيناء، تم تهجير أكثر من 300 ألف فلسطيني، بينهم 130 ألفاً من القدس والضفة لتستمر سياسات الطرد وهدم المنازل في مناطق مثل الخليل، سلوان، الشيخ جراح، كما تعرض بدو النقب لمخططات تهجير متتالية، آخرها مخطط برافر الذي أقره الاحتلال عام2013 لتهجير عشرات القرى الفلسطينية من بدو النقب، لتتوالى إلى يومنا هذا عمليات الهدم للقرى الغير معترف بها من الاحتلال مثل أم العراقيب و الخان الأحمر، بهدف حيازة أكبر مساحة من الأرض و تجميع السكان فيما سماه الاحتلال بلديات التركيز . منذ النكبة يرافق عمليات القتل و الهدم و الإبادة، منظومة قانونية استيطانية تسن القوانين بما يخدم نزع الأرض من الفلسطينيين و تمكين سلطات الاحتلال و المستوطنين من ما تطوله أيديهم. فالتخلص من الوجود الفلسطيني هو لبنة أساسية في المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، و المشترك بين جميع مخططات و المشاريع التي طرحت للتعامل مع الوجود الفلسطيني من مشروع بن غوريون عام 1948 ثم مقترحاته عام 1956 إلى مشروع ليفي اشكول، و يغنال آلون، وصولا إلى وثيقة جنيف هو تصدير المشكلة الى الدول العربية المحيطة.

المخططات الغربية للتهجير و التوطين

على مدار العقود الماضية، كان للدول الغربية دور المتآمر في مشاريع التهجير المختلفة ضد الشعب الفلسطيني، فقد طرحت العديد من المشاريع والمخططات الدولية بهدف تهجير وإعادة توطين الفلسطينيين في منافيهم، كبديل عن حقهم في العودة إلى وطنهم، خدمة للمشروع الصهيوني. ومن بين أهم هذه المشاريع:

مشروع ماك غي لعام 1949 نسبة إلى مستشار وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ماك غي، و الذي تعتبر خطته من أقدم المشاريع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين ، عبر إنشاء وكالة تتكون من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، بهدف إنشاء مشاريع تنموية و إعادة مئة ألف لاجئ إلى الأراضي المحتلة، مع توطين باقي اللاجئين الفلسطينيين في دول أخرى.

كما أرسلت الامم المتحدة في نفس العام بعثة غوردن كلاب بهدف دراسة الأوضاع الاقتصادية للدول العربية، بهدف توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها، على أن يؤسس صندوق بما يقارب 50 مليون دولار ، تقوم الولايات المتحدة بتمويل 70 بالمئة منه لإنجاز مشاريع تنموية في تلك الدول.

ثم مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء (1950 - 1955) و الذي قدم بدعم بريطاني وأمريكي، كمقترح لنقل اللاجئين من قطاع غزة إلى مناطق في شمال سيناء، ومنحهم أراضي للسكن و الاستصلاح الزراعي، و هو ما قوبل برفض واسع من الشعب الفلسطيني والدول العربية. ثم مشروع جون بلاندفورد المفوض السابق للأمم المتحدة سنة 1951 و الذي اقترح تخصيص ميزانية ضخمة تقارب 250 مليون دولار لدمج اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، و تبع ذلك عدة مشاريع بهدف واحد وهو إفراغ فلسطين من السكان الأصليين كمشروع المبعوث الأمريكي جونستون1955 – 1953) ) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن و سوريا، و ربط ذلك بمشاريع تنموية لاستغلال موارد المياه و تطوير المشاريع الزراعية، و هو ما عرف بمشروع الإنماء الموحد لموارد مياه نهر الأردن. بالإضافة لخطط مشابهة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.

عام 1954 أرسلت الولايات المتحدة بعثة استقصاء مكونة من النائبين سميث و بروتي، و كانت توصية البعثة هي ممارسة الضغط على الدول العربية لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين، و أن تقوم الولايات المتحدة بتقديم معونات للدول التي تقبل التوطين و منح اللاجئين الفلسطينيين حق المواطنة. و كان لبريطانيا رؤيتها للتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث أعدت وزارة الخارجية البريطانية سنة 1955 تقريرا مفصلا يتضمن عددا من مشاريع التوطين في العراق، بالتنسيق مع السفارة البريطانية في بغداد وقسم التطوير في المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في بيروت و الأونروا وبقية السفارات البريطانية في المنطقة.و كان المنتظر من المشروع هو موافقة العراق على استيعاب مليون لاجئ فلسطيني على مدى عشرين سنة. كما قام عضو الكونغرس الأميركي هيوبرت همفري بدراسة توثيقية سنة 1957 ، من خلال زيارته لعدد من مخيمات اللاجئين، حيث أوصت الدراسة بالشروع في تسهيل إعادة توطين اللاجئين في بعض الدول العربية. و راهنت على أن الجيل الجديد من اللاجئين سيفقد انتماءه بمرور الوقت في حالة توفير مشاريع اقتصادية مناسبة. بعد اجتياح لبنان عام 1982برزت خطة جديدة لترحيل اللاجئين الفلسطينيين من لبنان ، و كانت الوجهة هذه المرة إلى دول مثل كندا و استراليا. و في عام 1993 اقترح الدبلوماسي الكندي مارك بيرون توطين اللاجئين الفلسطينيين في دول الجوار فيما عرف بمشروع مارك بيرون. عام 1997 قدمت المحامية الأمريكية دونا آزرت أمام الكونغرس دراسة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، مع توطين 75 ألف فلسطيني في لبنان.

كما اقترح الرئيس الأمريكي بيل كلينتنون ، عام 2000 رؤيته للتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، من خلال توطينيهم في أماكن اقامتهم في الخارج ، وأن يتم توطين الباقي في دولة فلسطينية جديدة في الأراضي التي يتم تبادلها مع دولة الاحتلال.

على نفس النهج التآمري على الحق الفلسطيني سارت صفقة القرن (2019 - 2020)، و التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى بهدف القضاء على حق العودة، مع منح الفلسطينيين تعويضات مالية وهو ما قوبل بالرفض دوما فلسطينيا و عربيا.

 

تهجير سكان قطاع غزة الجديد القديم

إن مشاريع التجهير لسكان قطاع غزة ليست بالجديدة، ، و سبق أن طُرحت عدة مشاريع تهدف إلى تهجير سكانه و لعل أبرزها مشروع إعادة التوطين في شمال سيناء، ثم خطة موشيه ديان و ليفي اشكول بعد احتلال قطاع غزة عام 1967 و التي طرحت بهدف التخلص من أكبر عدد من سكان القطاع، ووفق مصادر الاحتلال نفسه فقد طرحت الفكرة للتطبيق بأكثر من وسيلة منها إفقار القطاع لخلق أزمة إنسانية تشجع السكان على الهجرة، مع التحرك بشكل سري في عدة دول لفتح ممرات للهجرة الطوعية، تحت مسمى الهجرة الهادئة، حيث كان المقترح توجيه المهاجرين إلى دول الخليج العربي و الأردن.

فطالما اعتبر قطاع غزة هاجس للاحتلال الصهيوني و مشاريعه التوسعية، بسبب المشكل الديموغرافي و تحول القطاع لبؤرة للعمل المقاوم أصبحت تتبلور مع الوقت لتصبح قاعدة لاستهداف الاحتلال. لذلك استخدم الاحتلال الحروب المتتالية على قطاع غزة كذريعة، لتدمير كل الظروف التي تسمح للسكان بالبقاء على قيد الحياة، واستخدم الحصار الخانق على القطاع كأحد الأدوات الأساسية لتهجير السكان، و هو ما دفع للأسف بموجات من الهجرة وسط الشباب بحثا عن حياة أفضل.

فمنذ فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007، شهدت القطاع زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين الباحثين عن فرص عمل خارج القطاع، حيث بلغ اجمالي المهاجرين في الفترة من 2007 الى 2021 ما يقارب 70000 شخص، هذا الرقم يشير فقط للمغادرين عبر معبر رفح الحدودي ، لكن هناك أيضا محاولات الهجرة الغير شرعية و التي سجلت حوالي 380 حالة وفاة و فقدان خلال محاولات الهجرة. الرابط بين محاولات الهجرة عبر معبر رفح أو بشكل غير شرعي، هو تدهور الحالة الاقتصادية و الاجتماعية لسكان القطاع في ظل الحصار الخانق ، مع ارتفاع معدلات الفقر و البطالة.

آخر مشاريع التواطؤ ضد الشعب الفلسطيني وقضيته، ما خرج به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في عهدته الثانية، تحت شعار تحويل قطاع غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، حيث أصبح إفراغ القطاع من سكانه مطلب ملح بعد فشل الاحتلال في تصفية المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، و ما كان الاحتلال ليفشل لولا صمود الحاضنة الشعبية و إصطفافها خلف مقاومتها. وهو ما دفع للتفكير بتهجير سكان القطاع نحو الأردن و مصر، بل إن هناك تصورات أخرى طرحت لتهجير سكان القطاع إلى ليبيا و المغرب بعد الرفض الذي تلقاه المقترح الأول.

تحديات مواجهة مشاريع التهجير و التوطين

المشترك بين كل المشاريع المطروحة لتهجير سكان فلسطين هو التخلص، من الضغط الديموغرافي الذي يمثله الإنسان الفلسطيني المتشبث بأرضه على الكيان الصهيوني، و الذي يدركه الاحتلال من خلال دراساته أن معركة الديموغرافيا محسومة فلسطينيا ، و أنه لا مكان للصهاينة وسط بحر من الفلسطينيين، فالمشترك بين كل المشاريع هو إخراج الفلسطيني خارج فلسطين التاريخية، أيا كان المسار تفاوضيا أو عسكريا، جميع خطط التهجير تقوم على إبعاد الفلسطيني نحو دول الجوار، كما أن فشل جميع الخطط كان على صخرة التمسك الفلسطيني بالأرض، و رفض دول الجوار العربي للتهجير، لكن المتغير الحالي هو تمدد المشروع الصهيوني في المنطقة العربية من خلال اتفاقيات التطبيع في المنطقة شرقا و غربا، بالإضافة إلى تغير مركز ثقل القرار السياسي العربي ، في ظل تحديات اقتصادية و اجتماعية تمر بها العديد من الدول العربية، و هو ما ستستخدمه القوى الإمبريالية للضغط على الدول العربية للإذعان، فالجدير بالذكر أن مخططات التهجير القديمة شهدت تواطؤ من بعض الدول العربية والتي أبدت استعدادها للقبول باستقبال و توطين الفلسطينيين، كما أن قطاع غزة المكلوم سيكون عرضة لمساومات كبيرة خلال فترة الإعمار، فما تحدث عنه ترامب عن التنازل عن مخططه لتوطين سكان قطاع غزة في سيناء و الأردن، لا يعني الإستغناء عن الخطة و لكن إعادة إنتاجها بوسائل أخرى كالتجويع و إبقاء القطاع المدمر على حاله بتواطؤ ربما عربي، و بالمقابل فتح نوافذ للهجرة الطوعية من القطاع لدول أخرى مستنسخا خطة موشي ديان و ليفي اشكول للهجرة الهادئة، وهو ما كان يحدث بشكل أو بآخر في ظل الحصار الذي كان و مازال يتعرض له القطاع.

آليات التصدي و المواجهة

التصدي لمحاولات التهجير القسرية والطوعية يتطلب الاشتغال على عدة محاور دوليا و إقليميا، مع اتباع نهج شامل ومتكامل يجمع بين الإجراءات القانونية والسياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية. فلعل أبرز ما يميز المشهد السياسي العالمي حاليا هو عودة الظاهرة الترامبية، التي لا يمكن اختصارها في شخص الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، و إن كان يمثل الواجهة الأساسية لها بما تمثله من صلف، و تطرف، و عنصرية. فما وصم هذه الإدارة خلال المرحلة الأولى ، من حكم دونالد ترامب هو محاولة فرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني و تصفية قضيته، دون إكتراث بالمجتمع الدولي، فكان نقل السفارة الأمريكية للقدس، و الضغط على الدول العربية لاستنزافها ماديا و طاقويا، و الدفع بها للإنخراط في معسكر التطبيع. الولاية الثانية لدونالد ترامب، لن تختلف عن الأولى، لكنها ستكون أكثر تطرفا ، و عنصرية، في محاولة لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم، في مواجهة بروز قوى دولية جديدة، بالأخص الصين، فمقترح ريفييرا الشرق الأوسط ليس ببعيد، عن هذا الصراع الدولي المعقد و الذي يدور حول سلاسل التوريد والهيمنة الاقتصادية والسيطرة على الطرق و الممرات التجارية البحرية. كما أن مشروع قناة بن غوريون هو جزء من المخطط الأمريكي الصهيوني، لإعادة توجيه التجارة البحرية، لذلك ينظر ترامب لقطاع غزة و سكانه باعتباره عائق في وجه هذا المشروع. وتصريح ترامب بإطلاق يد الاحتلال لتهجير سكان الضفة الغربية مؤشر على طبيعة المرحلة القادمة، لذلك يجب التحرك دوليا، للعمل على محاصرة فكرة التهجير عبر الضغط السياسي و الدبلوماسي لحشد الرآي العام الدولي ضد الفكرة، أما إعلاميا فهناك ضرورة للتحرك إعلاميا لمواجهة خطاب الإدارة الأمريكية الذي يروج للتهجير كإخلاء إنساني لحل قضية إنسانية في قطاع غزة الذي أصبح غير صالح للحياة، متجاهلا القضية الأساسية و هي وجود احتلال يمارس جرائمه ضد سكان أعزل في أرض محاصرة، كما يجب فضح جميع الأطراف الدولية التي قد تساهم ماديا أو ماليا في دعم فكرة التهجير.

على الصعيد القانوني يجب التلويح بورقة القانون الدولي و الذي يجرم التهجير و يعتبره جريمة ضد الإنسانية، فالقانون الدولي يرفض التهجير القسري بشكل قاطع، بنص المادة 49 لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 و التي تحظر النقل الإجباري للسكان من الأراضي المحتلة، كما تشير المادة 147 للتهجير القسري باعتباره جريمة حرب، و تجرّم المادة 8 (2) (ب) (8) في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (روما 1998) التهجير غير القانوني، و تعتبر المادة 7 (1) (د) التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية. أيضا على المستوى الدولي يجب تحميل الأطراف الدولية مسؤوليتها تجاه الوضع الإنساني المنهك في قطاع غزة، والضغط باتجاه ضرورة الإسراع في إدخال المساعدات ومواد الإعمار لتخفيف من الأوضاع المزرية التي يعيشها سكان القطاع بعد الحرب. أما عربيا، فما يحتاج أن يرسخ في أذهان الحكومات والشعوب هو أن وجود الاحتلال الصهيوني، لا يهدد فقط الشعب الفلسطيني، و لكنه مهدد للأمن القومي العربي، و لا يوجد من هو في أمان من مخططات الاحتلال. جميع مخططات التهجير التي حيكت منذ احتلال فلسطين أسقطت بتمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه، و صلابة الموقف العربي من قضية التهجير، و هو ما يجب أن يكون العنوان الذي يدافع عنه الجميع في مواجهة المخططات القادمة، عبر إحياء قومية المواجهة مع الاحتلال و حلفائه. أما فلسطينيا فهناك ضرورة للتفكير و العمل على تحصين البنية الاجتماعية لمواجهة مخططات التهجير القادمة و التي ستأخذ شكل الإغراءات و الفرص، في مقابل الظروف الاجتماعية و الاقتصادية الصعبة، بالأخص في قطاع غزة، لذلك فهناك ضرورة لأن تلعب المؤسسات الإجتماعية و الإقتصادية دورا أكبر في توفير الدعم لسكان القطاع، مما يعزز ثباتهم على الأرض، بدون ذلك فالطريق مفتوح أمام الهجرة الهادئة ، أما عن القوى السياسية الفلسطينية فلقد فتحت معركة طوفان الأقصى أفقا جديدا في مسار القضية الفلسطينية، و هو ما يجب أن يدركه الكل الفلسطيني، أن القضية الفلسطينية قد عادت لواجهة الأحداث بعد نسيان، و أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر إدراكا لعذابات الشعب الفلسطيني، و بما أن مشروع التهجير لم يعد يقتصر على قطاع غزة، حيث أطلق الاحتلال العنان لقواته لإفراغ مدن و مخيمات الضفة الغربية من السكان، و ذلك بغطاء أمريكي واضح. فما تنتظره الجماهير الفلسطينية من القوى السياسية أن تكون على قدر التحدي و التحلي بالمسئولية الوطنية، فوحدة الموقف هي أقل ما يمكن يقدم لأرواح الشهداء.