Menu

غزة بين التهجير والصمود: الحلول الممكنة

لمى الشطلي

نشر في مجلة الهدف العدد (68) (1542)

بعد عامٍ ونيف على حرب الإبادة الوحشية يواجه سكان غزة حرباً أكثر تعقيداً، حربٌ على البقاء والهوية في ظل مخططات التهجير والتهميش. الغزي اليوم عالقٌ بين حاضرٍ دموي ومستقبل ضبابي يكافح من أجل البقاء على أرضه، في مواجهة مشاريع التهجير التي تهدد وجوده. لكن في خضم هذه المأساة، يبقى التساؤل الأهم: كيف يمكن للفلسطيني في غزة أن يكون فاعلاً في تقرير مصيره، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍّ للأحداث؟

 

ما بين الشعارات والحلول

الإنسان الفلسطيني والغزّي تحديداً لم يعد بحاجة إلى خطابات واجتماعات ومؤتمرات بقدر حاجته إلى حلول فعلية على الأرض، وأكاد أجزم بأن حلمه الأكبر مستقبل يصنعه بيديه بخياره من منطق أن يكون هو قوة الفعل لا من يُمارس عليه هذه القوة، ومن حقه أن يطمح بتربية الأجيال القادمة بكامل الحرية والأمان تحت غطاء سياسي سليم يضمن بيئة اقتصادية واجتماعية تمنحه القدرة على البقاء، ولا يمكن أبداً تجاهل أن الغزيّ، الذي يعاني من فقدان أبسط حقوقه كالمأوى والعمل، يواجه معادلة معقدة بين الصمود في وجه مخطط التهجير وبين البحث عن حياة كريمة، وهو ما يجعل الحكم عليه لمجرد التفكير في المغادرة ضرباً من التجنّي. فبدلاً من مطالبة الناس بالصمود دون تقديم أي حلول حقيقية، يجب التفكير في كيفية خلق بيئة تدعم البقاء وتمنح الفلسطيني في غزة أسباباً حقيقية للتمسك بوطنه..

 

غزة ومعركة الهوية

 ما يحدث في غزة اليوم ليس معركة عسكرية فحسب بل معركة على الهوية الوطنية الفلسطينية، فالذي عجز الاحتلال عن تحقيقه بالسلاح يحاول الآن تحقيقه بفرض مخطط تهجير قسري على سكان القطاع، فكيف باستطاعة الغزي اليوم أن يزيل ركام المعركة مُتصدياً لأي محاولة تستهدف وجوده المادي؟ ماذا عن طرح السؤال الأهم ما هي الخطوات التي يمكن أن يتم اتخذها لإعادة الثقة وتهيئة محيط يعزز من البقاء، خاصةً أن مواجهة هكذا مخطط يتطلب بناء اجتماعي معزز بقاعدة سياسية متماسكة تضمن تحقيق الأهداف والمصالح السياسية والاقتصادية للمواطن الغزي، أي أن الحل لموضوع التهجير يبدأ من الفلسطيني أولاً ومن بيئته الداخلية وليس بالحديث عن حلول يلعب بها الآخر دوراً فاصلاً أو جوهرياً.

 

إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني

 البدء من موقف سياسي موحد وجامع لكل أطياف الشعب الفلسطيني لا يؤدي بنا إلا إلى خيار واحد "إعادة الاعتبار الحقيقي لمنظمة التحرير الفلسطينية" فهي الوحيدة القادرة على إحداث بناء اجتماعي جامع لكل فلسطين وليس لغزة فحسب، وهذا يتطلب أن تترفع الفصائل عن حالة الأنا المستأثرة بالقرار إلى الشعب الذي بيده كلّ القرار، فهل الحديث عن انضمام حركة حماس والجهاد تحت عباءة المنظمة يبدو جائزاً في هذا السياق! ولعلّ الانضمام والوحدة الفصائلية لا تكفي وحدها بل العمل على تجديد الإطار العملي والفعلي لمنظمة التحرير بما يتماشى مع تهديدات المرحلة واستعادة دورها التحرري بطريقة متجددة، فكما شهد فعل المقاومة الفلسطينية تغيراً متصاعداً يمكننا الاستناد عليه لبناء منهج فكري محدّث لمنظمة التحرير التي أصبحت الكيان الوحيد الذي باستطاعته حماية الإنسان الفلسطيني وحقوقه المشروعة، أما الاستمرار في النهج القائم على هيمنة فصيل معين سواء هنا أوهناك، هو خطأ لا يمكن تبريره، فلربما نكون اليوم في ساحة تجاذبات لكسب تأييد أكبر من القاعدة الشعبية، لكن حتماً الغد لا يحمل الضمانات الكافية وخير دليل على ذلك مخطط التهجير الأمريكي الصهيوني.

 

 

معالجة الأزمة الاقتصادية وإعادة الإعمار

 لا يمكن الحديث عن الصمود دون معالجة الأزمة الاقتصادية في غزة. يجب التوقف عن الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية، والبدء في بناء اقتصاد فلسطيني مستقل قائم على مشاريع تنموية حقيقية تعزز من قدرة السكان على الاستمرار. إعادة إعمار غزة ليست مجرد ضرورة إنسانية، بل هي خطوة استراتيجية لضمان عدم تحول التهجير إلى خيار إجباري للكثيرين.

 

الحلول الممكنة

 ليس المطلوب اليوم مواجهة مشروع التهجير بشكل منفصل عن الرؤية الأوسع للقضية الفلسطينية، فالمسألة الفلسطينية باتت بحاجة لحلول جوهرية متكاملة على المدى البعيد وليس لمعالجة تهديدات مرحلية وهذا يتطلب:

1. إصلاح منظمة التحرير لتكون ممثلاً حقيقياً لكل الفلسطينيين، وليس لفصيل معين دون آخر.

 2. إعادة بناء الثقة في المشروع الوطني عبر إنهاء الانقسام السياسي ووضع استراتيجية موحدة للمقاومة والتنمية.

٣. العمل الجاد لإنشاء بنية اقتصادية تتبنى مشاريع تنموية بدلاً من الاعتماد على المساعدات الخارجية المشروطة.

٤. تفعيل دور المجتمع المدني والشباب في رسم مستقبل غزة، وتحريرهم من الصراعات السياسية. بالإضافة لدعم المبادرات الشعبية والتنموية.

ختاماً

غزة التي انطلق منها طوفان الأقصى والتي حملت بمعنها التاريخي العزة والمنعة والقوة، ستصمد في وجه كل المؤامرات والحروب كما فعلت دوماً. إن مواجهة التهجير لا تبدأ فقط برفضه، بل ببناء نموذج وطني قادر على حماية الفلسطيني في أرضه، ومنحه أسباب البقاء. فهل نكون على قدر هذه المسؤولية؟