شارفت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار على نهايتها، لتبدأ المفاوضات حول تفاصيل المرحلة الثانية.
تميزت المرحلة الأولى بعودة أهالي شمال قطاع غزه إلى مناطقهم وأماكن سكنهم المدمرة بمشهد لا يتصوره العقل، عوده مكلومة ودامية حدد طبيعتها الانتصار المر فهو الوجود مقابل الفناء، وهو البقاء في مواجهة الاقتلاع والتهجير، فهو الثبات والحياة في مواجهة الانكسار والموت، هذه هي معاني الوطنية والانتماء، معاني الحق والعدل، معاني التضحية والفداء.
عبثاً حاول العدو الصهيوني قتل ومحو إرادة الصمود، وقهر الشعب الفلسطيني وأهلنا في قطاع غزة، وهزيمة المقاومة وحاضنتها الشعبية، لم يتصور هذا الكيان العنصري المصطنع حجم الالتفاف الجماهيري، ومشاهد التحدي والثقة، والظهور المنظم لشباب المقاومة الفلسطينية، وهم يختارون ويعدّون الساحات ومنصات عملية التسليم للأسرى الصهاينة للصليب الأحمر الدولي، التزاماً حضارياً بالاتفاق وعملية تبادل الأسرى. بينما ظهرت صورته الوحشية وهو يتلذذ في ارتكابه لآلاف المجازر والجرائم، ويتغنى بقدرته الوحشية على التدمير الشامل لكل مقومات الحياة بآلات وأسلحة الفتك والقتل الامريكية، إنها النازية بعينها والفرط سادية، وهكذا تحول في أعين الغرب والمجتمع الدولي من "رمزاً للديمقراطية والحرية وسط شعوب الصحراء المتوحشة"، إلى مجرم حرب مطارد في كل المحاكم الدولية وفي معظم العواصم. تحطمت صورة هذا الكيان بإرادة الشعب وثباته، وصمود المقاومة وتحدياتها، وهكذا انتصر الدم على السيف.
في الوقت الذي تسطع فيه الحقيقة بأن الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية ضحية الاحتلال والاغتصاب، وحروب الإبادة، والتطهير العرقي، والتمييز العنصري على مدى عشرات السنين، يطل الرئيس الأمريكي ترامب بحلة التاجر والمرابي اللعين، مدعياً قدرته وحرصه على إنهاء الحروب في المنطقة والعالم، ودعمه لإنجاز اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث، وإتمام عملية تبادل الأسرى، خاصة إطلاق سراح الأسرى الصهاينة، ومزدوجي الجنسية في ظل تنكره لحق الشعب الفلسطيني بالتمسك والعيش على أرضه التاريخية بحرية وكرامة، معلناً أحقية "إسرائيل" بالتوسع والدفاع عن نفسها أياً كانت الوسائل وطرق الإجرام والقتل. ولأن الكيان الصهيوني يمثل مرتكزاً أساسياً واستراتيجياً للأمن القومي الأمريكي في المنطقة والعالم، ومن باب الخوف على مستقبل وجوده، وإزالة كل الأخطار التي تتهدده يطرح مبادرته لحل الصراع "الفلسطيني الإسرائيلي" بنسختها الأسوأ، مما ورد في خطته الشهيرة، وما تلاها في اتفاقات أبراهام المشؤومة، حيث تتلخص فكرتها بتهجير الفلسطينيين إلى الدول العربية، على أن تكون البداية تهجير سكان قطاع غزة إلى مصر والأردن، وتأمين شروط الإقامة المناسبة عبر التبرعات ومساعدات تقدمها الدول العربية الغنية للدول المضيفة لتوفير الرعاية اللائقة.
لم ينتبه هذا الرئيس الأمريكي المهجر والمقامر إلى حقيقة تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وكامل حقوقه، ومشهد عودة الفلسطينيين أبناء القطاع من الجنوب إلى الشمال رغم بيوتهم المدمرة، وأبنائهم الشهداء والجرحى، والمفقودين تحت الركام، مؤكدين عودتهم الكبرى إلى شمال الشمال، وإلى شرق الشرق، أي إلى كل فلسطين، ولم يتجهوا غرباً لا باتجاه مصر وسيناء، ولا باتجاه البحر.
إن كانت العذابات والآلام وفقدان مقومات الحياة دافعاً للهجرة، إلا أن تحدي مشروع التهجير الذي عجز عن تحقيقه الكيان الصهيوني بكل جبروته وفاشيته، بات دافعاً وطنياً إضافياً لمزيد من الثبات والتمسك بالأرض، وهذا ما أدركه الشعب الفلسطيني بعدم تكرار مأساة اللجوء التي أعقبت الكارثة الكبرى عام 1948، ونسجل هنا موقف الشعوب والدول العربية والمجتمع الدولي وكل أحرار العالم الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، والرافض للبلطجة الأمريكية، ويبقى الموقف الأوضح والأكثر جرأة لرفض مخطط التهجير وللعنجهية الصهيو- أمريكية برسم القمة العربية الطارئة التي دعت إليها جمهورية مصر العربية.

