Menu

عندما يهز العالم العصا في وجه ترامب؟!

محمد صوان

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

لم يمضِ على تسلمه لمهامه كرئيس للإدارة الأمريكية بضعة أسابيع, لكنه نجح في استعداء العالم بسرعة مدهشة, لم يترك أحداً من الشرق أو الغرب, قريباً أو بعيداً, إلا استعداه وخلق أزمة معه.. الرئيس الأمريكي ترامب نجح بشكل قياسي وعجيب في خلق أزمات مع الجميع, شمال بلاده مع كندا, وجنوبها مع المكسيك, ومَن جاورها.. يخاصم أوربا, يعادي الفلسطينيين والعرب, يهدد ويستفز إيران والصين وجنوب أفريقيا, والمؤسسات الأممية, حتى مؤسسات بلاده القضائية والثقافية والإعلامية, كلها يعاديها ويفجر الخلافات معها, وهو يدرك ما يفعل, وليس الأمر اعتباطياً بالتأكيد, فهو يريد أن يقول للجميع أنه سيد العالم وحاكمه الجديد المطلق !.

على الجميع الانصياع لأوامره وابتزازه وأن يذعن لأوهامه ورغباته, وبالضرورة تتفاوت ردود الأفعال.. بين من يطيع ويهرول مقدّماً آيات الولاء والطاعة, لكن الكثيرين في هذا العالم بدؤوا يتململون ويعلنون رفضهم هذا المشهد الجديد الذي يريد سيد البيت الأبيض ترامب أن يجعله تحت إشارة بنانه.. فجاء رد وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا على قرار ترامب بفرض عقوبات جديدة على بلاده واضحاً وصريحاً ومعبّراً عن كرامة هذه الإنسانية التي ترفض هذا النظام العالمي الظالم, فقد قال في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز يوم 12/2/2025: "إن ذلك لن يثني بريتوريا عن المضي قدماً في الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل بشأن الإبادة على غزة" وشدد لامولا على أنه "لامجال لسحب الدعوى رغم تهديدات ترامب" وتابع تأكيده: "إن الدفاع عن العدالة وحقوق الشعوب له عواقب في بعض الأحيان, لكننا نظل ثابتين على اعتقادنا بأن ذلك مهم للسلام وسيادة القانون", وهو بذلك يعلي جوهر القضية, بأن يكون أحرار العالم ثابتين دفاعاً عن السلام العالمي وعن سيادة القانون التي بدأ ترامب بانتهاكها حين استهدف أهل غزة بالتهجير والاقتلاع واستهدف المؤسسات القضائية الدولية لأنها جرّمت أصدقاءه الصهاينة المدللين !.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا ديرلاين توعدت هي أيضاً بالرد على ترامب في حال نفّذ تهديده بفرض الرسوم الجمركية المتبادلة العالمية, وكثير من القيادات الأوروبية والصينية توعّدته بالمعاملة بالمثل, حتى من داخل إدارته, وقّع "145" عضواً من الكونغرس, يوم 13/2/2025 على مذكرة يطالبون فيها ترامب بالتراجع عن تصريحاته بشأن "بسط واشنطن سيطرتها على قطاع غزة وتهجير أهله" فيما خرج معارضون في مدن أوروبية وأمريكية عديدة ينددون بهذه الأفكار الكولونيالية الظالمة, لكن مثل ترامب لا تكفيه مجرّد الكلمات والتصريحات المشتتة, فهو لا يكترث ولا يستوعب الأصوات والمواقف الهادئة الناعمة, يلزمه رد قوي وموقف موحّد, وأن يجتمع كل هؤلاء من حول العالم للرد عليه بصفة قوية وجادّة وسريعة, لأنه لن يتوقف إلا إذا تم إيقافه بقوة, وبنفس قوة ونبرة اللغة التي يتحدث بها, بتلك العنجهية.. فمتى يثور العالم ضد هذا القهر والظلم الجديد؟! هذا سؤال يتعين الإجابة عليه سريعاً وبشكل موحّد, لأن الوقت ينفد ولأن الوحوش المفترسة في تل أبيب ووادي السيلكون الأمريكي تريد أن تستفرد بضحيتها - الشعب الفلسطيني – وتحاصرها قبل أن تفتك بها, وسنقرأ قريباً نتائج اجتماع القادة العرب في القاهرة – القمة العربية الطارئة يوم 4/3/2025 – للرد على ترامب ونتنياهو, وسيكون أول السيناريوهات لفهم هذا المشهد الجديد, وإن كان كثيرون من المراقبين والمحللين يقرؤون النتائج مسبقاً !..

هي لحظة تاريخية عربية وأممية استثنائية, لن تتكرر لأنها ستحدد مستقبل النظام العربي والإقليمي بما ستنتجه من تضامن ممكن, أو شروخ عميقة في الجسد العربي, ربما تزيد من حالة التشظي التي نعرفها, وربما يدرك كثيرون أنها لحظة الحقيقة التي تأخرت, وتوارت خلف التصريحات والمواقف المعلبة, والأفضل أن ينكشف الكل في هذا الامتحان أمام الشعوب العربية والإسلامية والعالمية التي تبكي أقصاها وقدسها وفلسطينها !.

لقد أثار ترامب أسئلة إنسانية عميقة وفرض على شعوب العالم أن تواجه حقيقتها, وتحدد في أي صف هي, وأن تجيب بوضوح, هل تبقّى من الأخلاق البشرية شيء أمام توحّش هذه الثقافة العقارية الفاشية الطاغية؟!

ترامب في نسخته الثانية :

قبل أيام من دخول ترامب البيت البيضاوي مجدداً في 20/كانون الثاني 2025, كانت إدارة بايدن تحاول دون جدوى إقناع حكومة نتنياهو بالموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من ثلاث مراحل.. وفجأة تدخّل ترامب ونجح بحمل نتنياهو بالموافقة على هذا الاتفاق الذي دخل بالفعل حيّز التنفيذ قبل يوم من بداية ولايته الثانية, مما أشاع مناخاً من "التفاؤل" بشأن احتمال أن تسفر طريقته "الحازمة" عن وضع حد لحرب التجويع والإبادة الجماعية التي تشنها حكومة اليمين الصهيوني على الشعب الفلسطيني منذ أكثر من عام ونصف, غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً, فبعد أقل من أسبوعين, فاجأ ترامب العالم بتصريحات تؤكد عزمه "الاستيلاء" على قطاع غزة, وتهجير سكانه قسراً إلى كل من " مصر والأردن" اللذين هددهما بقطع المساعدات الأمريكية عنهما ما لم يوافقا على مخططه الرامي إلى تهجير أكثر من "مليونين ونصف مليون فلسطيني" وتوطينهم على أراضيهما, ثم بات واضحاً أن رئيس أقوى دولة في العالم يدعو علناً إلى عملية تطهير عرقي لشعبٍ بأكمله, عبر اقتلاعه قسراً من أرضه, وهي جريمة ضد الإنسانية كاملة الأركان, وتشكّل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية, كما يصر على أن يلقي بثقل بلاده وراء ارتكاب هذه الجريمة, بل ويهدد دولاً حليفة بالعقاب, ما لم تشترك معه في ارتكاب جريمة تهدد أمنها القومي في الوقت نفسه, بعبارة أخرى يمكن القول إن ترامب هذا, في نسخته الثانية قرر أن يتبنى بالكامل أطروحات أقصى اليمين الصهيوني تطرفاً, وهي أطروحات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية تماماً, عبر تفريغ قطاع غزة والضفة الغربية من سكانهما الأصليين وضمّهما معاً إلى الكيان الصهيوني, تمهيداً لإعلان "دولة إسرائيل الكبرى" التي تمتد "من النيل إلى الفرات" والقادرة في الوقت نفسه على الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط ككل !.

من المهم التنبه إلى الخطر الكامن في استهانة رئيس أقوى دولة بالقانون الدولي, واستهتاره بقواعد القانون ومتطلباته, فخطة ترامب تجاه الشرق الأوسط ليست وحدها التي تثير الريبة والقلق, وإن ما لديه من خطط أخرى تبعث على التمعن والذهول, تتعلق بجزيرة بنما التي يريد احتلال قناتها, وكندا التي يريد ضمها للولايات المتحدة لتصبح الولاية رقم "51", وغرينلاند التي يريد شراءها من الدنمارك, بسبب اعتقاده لأهميتها بالنسبة للأمن القومي الأمريكي, فجميع هذه المشاريع والمخططات تؤكد أن الدولة التي لا تزال تصر على أنها الأحق بالهيمنة المنفردة على النظام العالمي قررت تقويض صرح القانون الدولي من جذوره, ولم تعد تقيم وزناً سوى للغة القوة سبيلاً لتحقيق أهدافها الكولونيالية, الأمر الذي يشكّل انتكاسة كبرى للحضارة المعاصرة, والعودة بالإنسانية إلى شريعة الغاب !.

- ما هو المطلوب عربياً :

من هنا, يصبح المطلوب عربياً, ليس فقط تقديم تصريحات وأطروحات ضد مخطط مرفوض أخلاقياً وإنسانياً, حتى من أغلب الدول على الصعيد العالمي, بل المطلوب خطة إستراتيجية للتعامل مع الهيمنة والعنجهية الصهيوأمريكية والطروحات والخيارات الكولونيالية المتطرفة المستقبلية لإدارة ترامب, وهي قضية تستدعي وجود تصوّر وتطلع عربي مشترك متماسك لليوم التالي لغزة والقضية الفلسطينية, بل للنظام العربي البديل عن النظام الإقليمي- الإسرائيلي الجديد الذي يطرحه نتنياهو بدعم وتأييد ترامب والذي لم يعد يهدد الشعب الفلسطيني فحسب, بل هو موجود في جنوب لبنان, ويحتل جزءاً عزيزاً من سورية, ويهدد الأمن القومي والإقليمي بأسره !.

فهل ستخرج القمة العربية الطارئة المنتظرة في القاهرة بمثل هذه الإستراتيجية؟ قطعاً لا, حيث ليس من الضروري أن نرفع سقف توقعات الشارع العربي نحو نتائج مسبقة لا توجد روافع ولا سياقات لها, ولا يوجد إرادة وصلابة أصلاً لدى النظام الرسمي العربي, لم تعد بيانات الشجب والتنديد تكفي! بالتأكيد لا.. كونها لا تغيّر ولا تضيف شيئاً إلى موازين القوى, لذلك, المطلوب أن يكون هناك بناء لتحالف عربي – إقليمي قادر على تعديل موازين القوى, ويمكن أن تضاف إلى "الخماسية العربية" دول إقليمية وإسلامية لها وزن وحضور, مثل تركيا وماليزيا وأندونيسيا وبناء مقاربة أكثر شمولية للتعامل مع الواقع الجديد الخطير !..